ناصر نصرالله ينسى مرسمَه في اللّوحة
العدد 306 | 26 أيار 2026
أوكسجين


يستهل الكاتب والفنان التشكيلي الإماراتي ناصر نصرالله، كتابه “الرسّام الذي نَسِي مرسمَه في اللّوحة” الصادر أخيراً عن “محترف أوكسجين للنشر”، بتساؤلٍ فنّي وإنساني: “ما الشكلُ المثاليّ للمِثالية؟” فاتحاً المجال لأسئلة الحياة والجمال والسخرية، في رحلةٍ بصرية تقترح عبر نصوصِ الكتاب معادلاتٍ فريدة للقراءة والمتعة والاكتشاف.

هل فعلاً خدعتنا الخريطة؟ أم أن العالم يحتاجُ لفهمِه أو دحضِ واقعيته المأساوية إلى لغةٍ مغايرة؟ لغة لا تحتاجُ عُدّة الرسم من فُرَشٍ وعُلبِ ألوان وظلّ ونور لترسمَ بها يدُ الكاتبِ خرائطَ بديلة، ومقترحاتٍ تفاجئ القارئ وهي تحاولُ القبض على الأشياء قبل اختفائها. هكذا إذاً “اختفَتِ الأشياءُ الأخرى بدورها في المرسم، النورُ والظلُّ، الأرضُ والسقفُ، كلُّ الكتل والمساحات اختفت”. ولتحلّ محلّها كائنات عجيبة، وحيوانات أليفة، وأغنيات، ووصفات غير جاهزة للحياة، والكثيرَ ممّا لا يخطر على بال. وهو تماماً ما تقوله كلمة الغلاف: “مستخلصاً من الحياة معادلات فريدة، يُثبت هذا الكتاب أنّ الحواس تتخطى الخمس بلا أدنى شك، وأنّ معرفة العالم تأتي من عوالم موزاية، يلتقي فيها شمالُ المدينةِ بجنوبها، ويتكوّن فيها الإنسانُ من خليطِ عطرَيْن ونوع واحد من السجائر، فاللعب والإبداع لا يأبه بأيِّ مُحدِّدات مع الفنان والكاتب الإماراتي ناصر نصرالله، فهو يبتكر لوناً خاصاً بالسخرية فلا هي سوداء ولا بيضاء، وحين يبوح فإنه يستنطق الحيَّ والجامد، يضع الأصدقاء في علبة الإسعافات الأوَّلية، ويبحث عن شمسٍ لم تشرق في منام”.

هي لعبة حواسٍ ومرايا وأيام وأرقام تتوالى في غمرة حياة صاخبة وعالمٍ متقلِّب المزاج. فالأشياء تتجاوز مسميّاتها بين يدي ناصر نصرالله، قبل أن يحوّلها إلى نصوصٍ تعبر بنا إلى ضفاف الخيال المترامية وإن بدت قاسية ومؤلمة، فيكتب:

“أحاوِلُ أنْ أكونَ منطقيَّاً. تخيَّلْ أنِّي في السادسةِ وأنا أعرف توقيتَ كلِّ الحروب والمآسي، وأنِّي أعرفُ الإجاباتِ الصحيحةَ والخاطئة”.

يقول لنا الكتاب إن الخيال هو الأصل، وأن ما يحدثُ ليس سوى بداية الرحلة لقطارات لا تتوقف، وزمن له أن يجلس كأحد أطراف اللعبة/الحياة، ذلك أن نصرالله يكتب نصوصه قابضاً على كلّ ما تطاله الذاكرة والمخيّلة من مشاعر وأفكار وحكايات وأمكنة وأزمنة تتبدّل من نصٍّ إلى آخر.

في “الرسّام الذي نَسِي مرسمَه في اللّوحة” يثبتُ الفنّان والكاتب ناصر نصرالله أن المعادلات هي صيغةُ أخرى لفوضى الحياة ومتاهاتها وأحلامها المؤجلة. بإيقاع هادئ ولغة تتقمّص ألوان اللّوحة المنتظرة، اللّوحة التي يمسي فيها الخيرُ صديقاً للشرّ، بينما نعثر على “حيوانات برّية في أعماق البحار”، ولـ شهريار أن يلتقي بدون كيشوت بالقرب من محلٍّ مفتوح 25 ساعة في اليوم… وأيضاً يمكن للأزهار أن تتحوّل إلى أشلاء وتواصل النمو:

تَشَظَّتِ المزهريَّةُ إلى أشلاءٍ صغيرةٍ بعدَ مُكالمتِهما الأخيرة.

واصَلَتِ الأزهارُ النُّموَّ على أرضيَّةِ المنزل.

وناصر نصرالله: فنّان تشكيليّ وكاتب إماراتي. من إصداراته “كتاب مخلوقات الأشياء اليومية” (2012). ويعمل منذ عام 2019 إلى تاريخه مديراً فنياً لسلاسل قصص مصوّرة وكتب فنية تُصدرها مؤسسة الشارقة للفنون، منها: “كورنيش” و”بيت الحرمة” و”الطبق الطائر” وغيرها.