صيف ما بعد الحرب 2/1
العدد 233 | 14 تموز 2018
كازو إيشيغورو


لم أتمكن من الرؤية بوضوح هذا المساء المتشح بالكآبة والحزن، ومرد ذلك ملاءة مهترئة معلقة على شجرة تلاعبها الريح بلطف. شجرة أخرى هوت وتدحرجت فوق الشجيرات. أوراق وأغصان مكسورة تبعثرت في الأرجاء. تذكرت الحرب التي عاصرتها مطلع حياتي وما خلفته من دمار وخراب. تأملتُ الحديقة، ولم أنبس ببنت شفة عندما أخبرتني جدتي كيف اجتاح إعصار كاغوشيما ذلك الصباح.

مرت بضعة أيام، عادت بعدها الحديقة متسقة. الشجرة المكسورة تكدست مع رفاقها من فروع الأغصان وأوراق الشجر الميتة على الجدار. عندها فقط وللمرة الأولى لاحظت الحجارة المرصوفة التي تخترق الشجيرات كجرح لتشكل ممراً باتجاه الأشجار في الناحية الخلفية من الحديقة. كانت الشجيرات تحمل آثار اعتداء منذ وقت ليس ببعيد، وقد أزهرت وأينعت، وأوراقها الغريبة باتت تضج بالألوان – تعكس ظلالاً من الأحمر والبرتقالي والأرجواني لا تشبه أي شي رأيته في طوكيو. يعني أن الحديقة لم تعد تحمل في طياتها أي شبه لذلك المكان المهزوم الذي رأيته ليلة وصولي.

بين شرفة الدار الأرضية وعند عتبة المدخل الحجرية تمددت منطقة عشبية، كان جدي يأتي كل صباح وقبل أن يرتفع قرص الشمس كاملاً في السماء، يضع حصيرة القش ويبدأ بممارسة تمريناته الرياضية. كانت الأصوات القادمة من الحديقة توقظني، فأرتدي ثيابي بسرعة، وأخرج إلى الشرفة، فأرى جدي بقامته مرتدياً ثوب الكيمونو الفضفاض، يقوم بحركاته بتؤدة في ضوء الصباح الخافت، وبخطوات خفيفة في موضعه كان ينحني ويتمدد بحيوية ونشاط. كنت أجلس هادئاً وهو يقوم بهذه الحركات الروتينية حتى ترتفع الشمس عالياً لتضرب أشعتها الحديقة بأكملها من فوق الجدار وتنتشر من حولي، وتنشر رقائق براقة على الألواح الخشبية المصقولة في شرفتي. يتغير وجه جدي بعد ذلك ليصبح متجهماً، ويبدأ بسلسلة حركات من الجودة: دوران وقلبات سريعة، ووضعيات جامدة، وأفضلُها اللكمات، ويرافق كل لكمة صرخة قصيرة وحادة. كان بإمكاني وأنا أراقب جدي أن أرى بوضوح المهاجمين غير المرئيين يتساقطون حوله من جميع الجهات بلا حول ولا قوة أمام هذه البراعة الهائلة.

وفي نهاية الفترة التدريبية الصباحية، يحثّ جدي خطاه على الحجارة المرصوفة باتجاه أكبر الأشجار المعمّرة في الحديقة الخلفية بالقرب من الجدار. كان يقف أمامها لثوان قليلة، صمتٌ مطبق، ثم مع صرخة مفاجئة، ينقضّ عليها في محاولة قذفها بعيداً من وراء خصره. كان يكرر هجومه أربع أو خمس مرات، وفي كل مرة صمت تأملي يسبق الهجوم، وكأنه سيأخذ الشجرة على حين غرة.

وما أن يدخل جدي البيت، حتى أتجه إلى الحديقة وأقلّد جميع الحركات التي شاهدتها للتو. ولينتهي ذلك بتخيل سيناريوهات مفصلة تتمحور حول تلك الحركات – كانت هذه السيناريوهات تتغير دائماً رغم أنها في المكان نفسه. كان السيناريو يبدأ كالمعتاد دوماً، أنا وجدي نسير في هزيع الليل متجهين إلى البيت، في الزقاق الممتد خلف محطة قطار كاغوشيما. ومن قلب الظلام الدامس، تظهر عصابة متخيلة تجبرنا على التوقف، يتقدمهم زعيمهم، رجل مخمور يخاطبنا بكلام نابٍ، يطالبنا بتقديم المال له. يحذرهم جدي بمنتهى الهدوء وبرودة الأعصاب أن يدعونا نمرّ بسلام بدلاً من أن ينالهم من الأذى نصيب. تتعالى في تلك اللحظة أصوات ضحكاتٍ خبيثة تصاحبها نظرات لئيمة. عندها نتبادل أنا وجدي نظرات غير مكترثة، وندير ظهورنا لبعضنا لآخر للحماية، لتهجم علينا أعداد غير محددة من جميع الجهات. نشكل أنا وجدي فريقاً متكاملاً ومتسقاً، لا يصيبنا أي أذى منها، لتتطاير أجسادها في الهواء ونمسح بها الأرض من الضرب. ختاماً، نستعرض حالة الجاذبية الأرضية من خلال الأجساد المرمية من حولنا. بعدئذٍ يومئ لي جدي بالمضي، فنذهب في حال سبيلنا، ونتجه إلى البيت من دون أن نبديَ أي انفعال أو رغبة في الحديث في هذا الأمر.

كانت الخادمة نوريكو تناديني أحياناً وأنا في خضم المعركة لتناول وجبة الفطور، لكن عدا عن ذلك، فقد كنت أختتم برنامجي الصباحي كما كان يفعل جدي دائماً، أتجه إلى الشجرة، أقف قبالتها ملتزماً الصمت برهةً، ثم أنقضّ عليها. لقد قمت في بعض الأحيان بتصوير سيناريو قبيل قيامي بنظرة جدي المخيفة، وهي أن أنتزع الشجرة من جذورها وأرميها متدحرجة على الشجيرات. لكن كانت الشجرة وبشكل لا يوصف أكثر صلابة من تلك التي كسرها الإعصار، ورغم أني كنت صبياً في السابعة من العمر، إلا أنه كان من غير الوارد قبول هذا السيناريو الخاص كما السيناريوهات الأخرى.

لم يكن جدي ثرياً بشكل ملحوظ، ولكن الحياة في منزله بدت مريحة بعد ما عايشت من ظروف في طوكيو. كان هناك بائعون جوالون منتشرون، تبتاع منهم نوريكو ألعاباً وكتباً وملابس جديدة إضافة إلى أنواع كثيرة من الطعام، على الرغم من أنها أصبحت اليوم شائعة جداً، إلا أن المرة الأولى التي تذوقتها فيها كانت في تلك الفترة. بدا المنزل رحباً رغم أن جزءاً كاملاً منه قد تضرر للغاية ولم يعد قابلاً للسكن. وبعد فترة وجيزة من وصولي، اصطحبتني جدتي في جولة في المنزل لتريني اللوحات والزخارف التي تزين الغرف. كنت كلما رأيت لوحة تلفت نظري وتثير إعجابي أشير إليها وأسأل جدتي: “هل جدي من قام برسمها؟”، وفي نهاية الأمر، ورغم أننا اطلعنا على كل لوحة من اللوحات الكثيرة المعروضة في أرجاء المنزل، لم نجد واحدة تبين أنها كانت من أعمال جدي.

“لكنني اعتقد أن (أوجي) كان رساماً مشهوراً”. قلت ذلك: “أين هي لوحاته؟”

“ربما ترغب في تناول شيء يا إتشيرو-سان”

“لوحات (أوجي)، أريدها حالاً!”

نظرت جدتي إليّ بتعابير فضولية. “أتساءل الآن”، وأردفت: “أعتقد أن عمة إتشيرو هي التي أخبرته عن جده”.

دفعني شيء ما في تصرفها لألزم الصمتمت.

“أتساءل ماذا أخبرته عمة إتشيرو أيضاً”. أردفت قائلة: “نعم، لا زلت أتساءل”.

“قالت إن (أوجي) كان رساماً مشهوراً. لماذا لوحاته غير موجودة؟”.

“ماذا قالت أيضاً يا إتشيرو سان؟”

“لماذا لوحاته ليست هنا؟ أريد جواباً”.

ابتسمت جدتي. “أتوقع أنها موضوعة في مكان ما. يمكننا أن نجدها في وقت آخر. كانت عمتك تقول إنك كنت مواظباً على الرسم. أخبرتني أنك تمتلك موهبة كبيرة. سيكون جدك سعيداً إذا طلبتَ منه تعليمك يا إتشيرو سان”.

“لا أحتاج إلى معلم”.

“أعذرني كان مجرد اقتراح. ربما تريد أن تتناول شيئاً الآن”.

كما تمنيتُ، شرع جدي بمساعدتي في الرسم من دون أن أضطر لأطلب منه ذلك. كنتُ جالساً على الشرفة في يوم حار، أحاول رسم لوحة بالألوان المائية. كان الوضع يسير من سيئ إلى أسوأ، وكنت على وشك أن أخرّبها في ثورة غضب، حين خرج جدي إلى الشرفة، ووضع وسادة بالقرب مني وجلس.

“لن أقاطعك يا إتشيرو”. وانحنى ليرى اللوحة، لكنني حجبتها بذراعي. قال ضاحكاً: “حسناً سأراها عندما تنتهي”.

أحضرت نوريكو الشاي، صبته ومضت. بقي جدي جالساً هناك بمظهر قانع، يحتسي الشاي ويتفرج على حديقته. وجوده جعلني مدركاً ذاتي، وعرضتُ العمل على لوحتي، لكن بعد بضع دقائق، تملكني الإحباط مرة أخرى، فألقيت فرشاة الرسم على الشرفة. استدار جدي نحوي، وقال بهدوء تام: “أنت تبعثر الألوان في كل مكان. إذا رأتك نوريكي سان ستغضب كثيراً منك”.

“لا يهمني”.

ضحك، وانحنى مرة أخرى للنظر إلى لوحتي. حاولتُ إخفاءها مجدداً، لكنه أمسك ذراعي مبعِداً إياها.

“لا بأس، لماذا أنت غاضب جداً؟”

“أعطني إياها، أريد أن أمزقها”.

أمسك اللوحة بعيداً عن متناول يدي واستمر في النظر إليها. وقال متمعناً: “ليست سيئة على الإطلاق”. “عليك أن لا تستسلم بسهولة. سيساعدك أوجي قليلاً. ثم حاول أن تنهيها”.

قفزت الفرشاة على الأرض الخشبية واستقرت في نقطة بعيدة عن متناولنا، قام جدي واستعادها. عندما التقطها تحسّس بأطراف أصابعه نهايتها وكأنه يعالجها، ثم عاد وجلس. أمعن النظر في اللوحة للحظة، غمس الفرشاة في الماء، ثم وضعها في لونين أو ثلاثة ألوان، ثم مررها على لوحتي بحركة واحدة ناعمة، ظهر على أثرها ممرٌ من الأوراق الصغيرة: الأضواء والظلال، التعرجات والتجمعات، كل ذلك في حركة واحدة ناعمة.

“ها هي، حاول أن تنهيها الآن”.

حاولتُ جاهداً ألا أبدو متأثراً، لكن حماستي لا يمكنها إلا أن تتأجج بمثل هذا العمل الفذ. وما أن عاد جدي إلى احتساء الشاي والنظر إلى الحديقة، حتى غمست الفرشاة في الألوان والماء محاولاً محاكاة ما شاهدته منذ هنيهة.

نجحت في رسم عدد من الخطوط السميكة الرطبة على الورقة. شاهد جدي ذلك وهز رأسه واثقاً من أنني قد مسحت لوحتي.

ظننت في بداية الأمر أن الأضرار التي أصابت المنزل كان سببها الإعصار، لكنني سرعان ما اكتشفت أن معظمها يعود إلى فترة الحرب. حاول جدي إعادة بناء هذا الجزء من المنزل، لحين مجيء الإعصار وتحطيمه السقالات، مدمراً الكثير مما أنجزه في العام الماضي. لقد ناله الإحباط قليلاً، وخلال الأسابيع التي تلت وصولي، استمر العمل في المنزل بوتيرة ثابتة – ربما ساعتين أو ثلاث في اليوم. كان العمال، في بعض الأحيان، يأتون لمساعدته، ولكن في أغلب الأوقات كان يعمل بمفرده يدق وينشر. لم تكن هناك حاجة للاستعجال في هذه العملية، لا سيما وأن هناك متسع كبير في بقية المنزل. وعلى كل حال، كان التقدم في العمل يعوقه نقص مواد البناء وندرتها، ففي بعض الأحيان، كان جدي ينتظر لأيام من أجل صندوق من المسامير أو قطعة خشب معينة.

كان الحمّام هو الغرفة الوحيدة المستخدمة في الجزء المتضرر من المنزل. وكان مكشوفاً جداً، والأرضية خرسانية، تقطعها قنوات تسمح للماء بالتدفق تحت الجدار الخارجي، والنوافذ تطل على الأنقاض والسقالات الخارجية، بحيث يشعر المرء بأنه يقف في ملحق المنزل الخارجي بدلاً من داخله. وفي أحد الأركان، صنع جدي صندوقاً خشبياً كان يمكنه صب ثلاث إلى أربع أقدام من الماء الساخن المتبخر. في كل ليلة قبل الذهاب إلى السرير، كنت أنادي جدي من خلال المنخل، وأغلقه، لتمتلأ الغرفة بالبخار، ورائحتها أشبه ما تكون بالسمك المجفف. كنت أعتقد أنها مفيدة لجسم هرم. كانت المياه الساخنة تغطي جدي حتى رقبته. وكنت أقف كل ليلة في تلك الغرفة المليئة بالبخار وأتحدث معه في أمور لا يمكنني غالباً أن أذكرها في مكان آخر. كان جدي يحسن الاستماع، لكن الإجابة كانت كلمات قليلة مطمئنة من وراء سحب البخار.

“هذا منزلك الآن يا إتشيرو”. كان يقول ذلك: “لا حاجة للرحيل حتى تكبر. وحتى ذلك الحين، قد ترغب في الاستقرار هنا. لا داعي للقلق على الإطلاق”.

في إحدى الأمسيات في الحمام، أبديت ملاحظة لجدي مفادها: “كان الجنود اليابانيون أفضل مقاتلين في الحرب”.

“لاشك أن جنودنا كانوا بالتأكيد أكثر عزيمة”. رد قائلاً: “ربما الأكثر شجاعة. جنود شجعان جداً. لكن حتى أفضل الجنود قد يتعرضون للهزيمة في بعض الأحيان”.

“ربما لكثرة الأعداء”.

“نعم لكثرة الأعداء، ولأن الأعداء لديهم أسلحة أكثر”.

“الجنود اليابانيون يمكنهم القتال حتى عندما تتقرّح جروحهم، ألا تظن ذلك؟ لأن العزيمة والإصرار في طبعهم”.

“بالفعل. لقد حارب جنودنا حتى عندما بلغت الجراح منهم مبلغها”.

“أوجي، انظر”

بدأت في الحمام بوضع سيناريو أتصور فيه جندياً غير مسلح يقاتل أعداءً. كلما أصابتني رصاصة، كنت أتوقف لفترة وجيزة، ثم أعاود القتال “ياع! ياع!”.

ضحك جدي، رفع يديه من الماء وصفق. تملكتني الشجاعة، واجهتُ ثماني، تسع، وعشر رصاصات. عندما توقفت للحظة لألتقاط أنفاسي، كان جدي لا يزال يصفق ويضحك.

“أوجي، هل تعلم من أنا؟”

أغمض عينيه مرة أخرى، وغطس عميقاً في الماء. “نعم جندي. جندي ياباني شجاع”.

“نعم لكن من؟

“نعم ، ولكن من؟ أي جندي؟ تحرَّ هذا يا أوجي، خمّن”

وضعتُ يدي على جروحي المؤلمة، واستأنفتُ القتال. لكن العدد الكبير من الرصاصات التي انهالت على صدري وبطني أجبرتني على التخلي عن تقنياتي النارية. “ياع! ياع! من أنا، أوجي؟ خمن من أنا!”

لاحظتُ أن جدي قد فتح عينيه وكان يحدق بي من خلال البخار. كان يحدق بي كما لو كنت شبحاً، والقشعريرة سرت في جسمي. توقفتُ وحدقت به، ارتسمت على وجهه ابتسامة مرة أخرى، لكن النظرة الغريبة ظلت ماثلة في عينيه.

“يكفي الآن” قال لي، مستلقياً مرة أخرى في الماء. “الكثير من الأعداء. الكثير حقاً”.

وقفت ساكناً.

“ماذا حدث إتشيرو؟” استفسر ضاحكاً: “ما بك أصبحت هادئاً؟”

لم أردّ. أغمض جدي عينيه مرة أخرى وتنهد.

“يا لها من حرب فظيعة يا إتشيرو”. قالها منهكاً: “شيء فظيع، لكن لا تهتم أنت هنا الآن، هذا هو منزلك، لا داعي للقلق”.

في إحدى الأمسيات في عز الصيف، أتيت لتناول العشاء فإذا بي أجد كرسياً إضافياً. قالت جدتي بصوت منخفض: “جدك لديه زائر، سيظهران عما قليل”.

تحلقنا أنا وجدتي ونوريكو حول طاولة الطعام منتظرين لبعض الوقت. عندما أظهرت نفاد صبري أخبرتني نوريكو أن أخفض صوتي: “لقد وصل الرجل للتو. لا تتوقع  أن يكون حاضراً فوراً للطعام”.

أومأتْ جدتي قائلة: “أظن أن لديهما الكثير ليقولاه لبعضهم البعض بعد مرور كل هذا الزمن”.

وأخيراً ظهر جدي مع ضيفه، رجل أربعيني تقريباً – كان لدي معرفة قليلة بأعمار الكبار – ممتلئ الجسم، بحاجبين شديدي السواد وكأنهما منقوعان بالحبر. تجاذب مع جدي أطراف الحديث أثناء تناول الطعام، تحدثا كثيراً عن الأيام الخوالي. يتم ذكر اسم، يكرر جدي الاسم مع إيماءة برأسه. بعد فترة وجيزة، ساد جو مهيب على الطاولة، وعندما قامت جدتي بتهنئة الضيف لنيله وظيفة جديدة، أوقفها قائلاً:  

“لا لا يا سيدتي. أنت لطيفة للغاية، ولكنك متسرعة. التعيين ليس مؤكداً بعد”.

“”لكن كما كنت تقول” أوضح جدي قائلاً: “ليس لديك منافسون حقيقيون. أنت أفضل المرشحين على الإطلاق لشغل المنصب”.

“أنت لطيف جداً يا معلمي”. قال الضيف: “لكن الأمر ليس مؤكداً بأي حال من الأحوال. لا يمكنني سوى الأمل والانتظار فقط”.

أردف جدي قائلاً: “لو كان ذلك قبل بضع سنوات لأوصيت بك. لكنني لا أتوقع أن لرأيي أهمية هذه الأيام.

“حقاً معلمي” قال الضيف: “أنت تظلم نفسك ظلماً فادحاً. رجل بحجم إنجازاتك ينبغي تقديره على الدوام”.

عندها، ضحك جدي بطريقة غريبة.

بعد العشاء، سألت جدتي: “لماذا الضيف يطلق على (أوجي) اسم معلمي؟”

“كان الرجل أحد تلاميذ جدك. وكان أكثرهم ذكاءً”.

“عندما كان أوجي رساماً مشهوراً؟”

“نعم، إنه فنان باهر. أحد أكثر تلاميذ جدك براعة”.

كان وجود الزائر معناه الحرمان من اهتمام جدي ورعايته، مما انعكس عليّ وتركني في مزاج معكر. ومع مرور الأيام، تجنبت الزائر قدر الإمكان وبالكاد قلت إليه كلمة واحدة فقط. وفي ظهيرة أحد الأيام، سمعت مصادفة الحديث الجاري في الشرفة.

كان يوجد في الجزء العلوي من منزل جدي غرفة على الطراز الغربي تحوي كراسٍ وطاولات عالية. تطل شرفة الغرفة على الحديقة، وكانت الشرفة الأرضية أسفلها بطابقين. كنت أتسلى في الغرفة، مدركاً لبعض الوقت للأصوات الصادرة من الأسفل. ثم لفت انتباهي شيئاً – شيء ما يحمل نبرة توسل- فخرجت إلى الشرفة لأستمع. من المؤكد أن جدي وضيفه كانا على خلاف. وكما فهمت، فإن الأمر ينطوي على رسالة كان الزائر يتمنى من جدي أن يكتبها له.

 

 “بالتأكيد، يا معلمي”، كان الرجل يتحدث قائلاً: “إنه من غير المنطقي ما يحدث معي. ظننت لفترة طويلة أن مسيرتي المهنية قد شارفت على نهايتها. بالتأكيد، ألا ترغب في رؤيتي وقد أنزلت عن كاهلي ما جرى معي في الماضي”.

 

ران صمت قصير، ثم أضاف الضيف قائلاً: “لا تسئ فهمي من فضلك يا معلمي. أنا فخور أكثر من أي وقت مضى أن يكون اسمي مقترناً بك. الهدف من ورائها فقط إرضاء اللجنة فقط، لا شيء أكثر من ذلك”.

 

“ولهذا السبب فقط جئتَ لرؤيتي”. بدا صوت جدي تعباً أكثر من كونه غاضباً. “ألهذا السبب أتيت بعد مرور كل هذا الوقت. لماذا تريد أن تكذب على نفسك؟ فعلت ما فعلته بفخر وتألق. خطأ أم صواب، يجب على الرجل ألا يكذب عن نفسه”.

 

“لكن يا معلمي، ربما خانتك الذاكرة. هل تتذكر ذلك المساء في (كوبي) بعد مأدبة كينوشيتا سان؟ لقد غضبتَ مني في تلك الليلة حين تملكتني الجرأة على الاختلاف معك. ألا تتذكر، يا معلمي؟”

 

“وليمة كينوشيتا؟ أخشى أنني لا أتذكر. على ماذا تشاجرنا؟

 

“لقد تشاجرنا لأنني تجرأت على القول أن المدرسة قد اتخذت اتجاهاً خاطئاً. ألا تتذكر، يا معلمي؟ قلت إنه ليس من مسؤوليتنا أن نوظف مواهبنا بهذا الشكل. وكنتَ مغتاظاً مني. ألا تتذكر ذلك، يا معلمي؟”

 

ساد الصمت مرة أخرى…

 

( يتبع في العدد المقبل)

*****

خاص بأوكسجين


مساهمات أخرى للكاتب/ة: