بوب الخنّاق (1-2)
العدد 285 | 1-4-2024
دنيس جونسون | ترجمة: زيد سلامة


تأخذ سيارة، وتمضي بها مسرعاً بلا وجهة، “وبف”، تصطدم بعمود الكهرباء. تفتح عينيك فإذا بك موقوف سترحّل إلى السجن. أتذكر كومة فظيعة من الأيدي والأرجل واللكمات وأنا على الأرض أحاول أن أصوّب قبضتي إلى الأعين وألحق أكبر قدر من الأذى بالحناجر، ومع هذا وصلت السجن من دون كدمة أو خدش. وبدا لي وضوحاً أن إخضاعي كان سهلاً. في الاثنين الذي تلا الحادثة، خُففت التهمة التي كانت جنحة سرقة سيارة ومقاومة السلطات، واعترفت بذنبي في تعكير صفاء الجو العام والإيذاء المتعمّد، هذا لأن الحادثة وقعت في كوكب آخر، كوكب عيد الشكر عام 1967، حينها كنت في الثامنة عشرة بلا سوابق فحُكم عليّ بالحبس 41 يوماً في سجن المقاطعة.

خُصّص الطابق الأرضي في السجن للمكاتب ومنطقة الاستقبال وما إلى ذلك من غرف إدارة السجن، وفوق الطابق الأرضي طابقان للمساجين، كان مكاني في الطابق الأول مع الأشقياء والبلطجية، “هنا إن استيقظت متأخراً، ستفوّت وجبة الفطور”، قال لي المأمور. كانت للسجن رائحة مطهّر امتزجت برائحة شيء ما، كان من المفترض أن يقتله المطهّر. ظلّت أبواب الزنازين مفتوحة وكنا أحراراً في الدخول والخروج والتجمع في الساحة المركزية أو السير في الممر الذي يلف الطابق بأكمله. وجراء هذه الحرية في السجن، تجول الكثير من المساجين بالجينز وقمصان العمل الزرقاء بأحذية خفيفة قماشية ونعال مطاطية، يمشون ويتوقفون… يجلسون أو يسندون الحائط، ثم يتابعون سيرهم. بدا جناح الأمراض العقلية مناسباً لمعظمنا، وكثر ٌمنا أمضوا فترة فيه، بمن فيهم أنا.

شريكي في الزنزانة يكبرني سناً، في الأربعينيات أو أواخرها، برأس أصلع وبطن منتفخ ككرة البولينغ، وينتظر موعد البت في قضيته والنطق بالحكم. سألته عن سبب سجنه، فقال لي: “شيء فضائحي”. في ليلتي الثانية، سمعته يتحدث إلى دونالد دندن، وهو صبي في مثل عمري اعتاد التجوّل في الممر بعد إطفاء الأنوار، يتسلق القضبان، ويمد ذراعيه ورجليه من بينها، يمسكها ويعلّق نفسه في الهواء ويبدأ أحاديث لا معنى لها.

قال له شريكي في الزنزانة: “لقد أبرم محاميّ الصفقة”. “أنا بانتظار موعد المحكمة والاعتراف بالذنب لقضاء خمسة وعشرين عاماً. سيتم إطلاق سراحي في اليوم الذي أستصدر فيه ضماني الاجتماعي.

قال دندن: إذا كنت لا تمانع سؤالي، فما هو جرمك؟

“اختلاف في وجهات النظر مع زوجتي”.

“هاااه هاه! قد تستطيع التفاهم مع زوجتي إذن!” قالها دندن وهو يقفز مغادراً كالسعدان تاركاً إيانا لوحدنا. قبضوا على دندن وهو ينسلّ من نافذة شقة في الطابق الثالث، وهو حريص على لياقته البدنية ليعود إلى العمل في المستقبل على ارتفاعات أعلى.

خفتت الأصوات القادمة من الزنازين، وساد الهدوء مع تلاشي السعال والدقات من هنا وهناك، وسألني زميلي من سريره في الأسفل: “أنت من يسمونه دينك، صحيح؟”

“لدي اسم آخر”. استلقيت على السرير العلوي، والجدار المعدني على بعد أصابع من شفتي كأني أوجّه له الكلام.

“هنا لديك اسم واحد.”

“ما هو اسمك؟”، سألته.

“بوب الخنّاق”.

بعد مرور بعض الوقت، استرقتُ النظر من على حافة السرير وتفحّصت وجهه؛ كل ما رأيته كان شكلاً بيضاوياً غارقاً في السواد يشبه قناع المبارزة، وبعد أن أرهقتُ عينيَّ في الظلام بدأ وجهه بالتموّج والتشوّش.

كان المقيم في الزنزانة التحتانية شاباً ضخماً بشعر أشقر وتسريحة “بومبادور”، له وجه طفل شقي، ووجنتان منتفختان ورديتان، وجبهة عريضة، وعينان ضاحكتان. سمّاه الحرّاس في السجن مايكل، ولكنه يعرّف عن نفسه باسم جوكو، ويناديه به المساجين. يتسكّع جوكو طوال اليوم باحثاً عمّن يصغي إلى آرائه أو يتصارع معه بمنازلات الأذرع.

قال إنه زار أكثر من سجن مقاطعة لثماني عشرة مرة، وفي كل مرة كانت مدة إقامته لا تقل عن ثلاثين يوماً. قُبض عليه هذه المرة لأنه ضرب رجلاً يستحق ذلك في مطعم “هاورد جونسون”، ولم يكن هذا المطعم المكان الأمثل لمثل هكذا عراك. جوكو من مشاهير السجن، يعرف كل الحرّاس والموظفين، وهمس لي مرة إن زوجة المأمور والتي تعمل في الإدارة في الطابق الأرضي، عرضت عليه الزواج أكثر من مرة. ولم أتمكن من إنكار ذلك أو تصديقه.

لم يرغب جوكو بتتويجه بلقب زعيم السجن، فهو لم يخطط ولم يطمح لذلك، إلا أنه بلا شك كان نجماً، يحيط به من هم أقل منه والذين يناديهم بـ “الأتباع”.

في صباحي الأول في السجن، استيقظت متأخراً لتتحقق نبوءة المأمور، فأحدهم سرق فطوري، بعدها أصبحت من أوائل المستيقظين لتناول الفطور، فما عدا الطعام، لم يكن هناك شيء في السجن نتطلّع إليه كل يوم، والجوع الذي أحسسنا به كان أكثر ضراوة من جوع طفل رضيع. رقائق الحبوب للفطور، ولحوم باردة مع خبز للغداء، وللعشاء إحدى إبداعات علب الطعام الجاهزة من شركة “بوياردي” أو إذا كنا محظوظين، فمن شركة “دينتي موور” التي كانت ألذ ما أكلت.

ينظم جوكو، في أغلب الأيام، لعبة بوكر بعد الغداء؛ يحصل كل لاعب على خمس أوراق وعند انتهاء السحب، يفوز صاحب الورق الأقوى حسب قواعد البوكر، لم يكن الرهان نقوداً، بل يحظى الفائز بضرب كل مشارك في اللعبة على كتفه صفعةً يُسمع صداها في جميع أرجاء السجن، عادةً يشارك ستة سجناء في اللعبة وبقيتنا تراقب ألم الخاسرين، كنت أقف على الهامش متحاشياً أي اختلاط، وبطول متر وسبعين ووزن خمسة وخمسين، لقبي “دينك”- لم يكن خياري.

كان هناك سجين بلا اسم، بلا أصدقاء. لم أسمع أحداً يناديه، ولم يلقِ التحية على أحد، ولا مرّة قال “مرحباً” أو “كيف الحال”، يمضي ساعات يمشي في الممر متثاقلاً بقدمين معوجتين للداخل، وجسمه النحيل منكمش وأعوج جراء توتره، موجهاً اللكمات إلى الأسفل كل حين وآخر وكأنه يضرب طفلاً يراه هو وحده، متمتماً “يا ابن الشرموطة” “أيها الشرطي الخنزير”، وعند كل شتيمة يضيف مؤثرات صوتية إلى لكماته “طج… بوووم… تطراااخ”، له أذنان كأذني الفيل، وذقن متصلة بالرقبة، وجبهة متجعدة، وجهه صغير وكأنه إضافة لا غنى عنها لأنفه الكبير، يمكننا اعتبار أنفه منقاراً، فوجهه يشبه أحد أقنعة كرنفال “ماردي جرا”. بعد نوباته تلك يجلس على الأرض ويفرك مؤخرة رأسه من جانب إلى آخر بالمسامير الفولاذية في الحائط… السجناء الآخرون يراقبونه عن بعد، ولكن باهتمام.

في بداية شهر ديسمبر، وفي ظهيرة لا تختلف عن أي ظهيرة أخرى، بطيئة كلعنة لا نهاية لها، صرخ جوكو “أتلعبون اثنتين وخمسين؟”، ورمى أوراق اللعب في الهواء مغادراً المنطقة المركزية ليختفي في زنزانته، كانت تلك لحظة فاصلة في يومنا، حيث غدا الوقت بلا بداية أو نهاية، فقد مر الكثير منه منذ موعد الغداء، وظل موعد العشاء بعيداً، حتى قضبان الزنازين صارت أقسى والحبس أضيق، وقتها أحسست أني سجين. الطابق بأكمله، المنطقة المشتركة والزنازين المحيطة بها والممر الذي يحيط بكل شيء، لم يكن أكبر بكثير من ملعب كرة السلة، ويمكن لأي شخص هناك أن يخبرك أنه إذا بدأت المشي في الممر من نقطة ما فإن مئتين وستين خطوة ستعيدك إلى تلك النقطة.

كانت اللحظة مناسبة لقيلولة أخرى، أو لمشاهدة التلفزيون. لكن في ذلك اليوم، أدار لاعبو الورق، المرهقون والمتألمون في غياب قائدهم، أعينهم نحو بقيتنا. بمجرد أن وقعت أعينهم على الشخص المجهول، الصبي المجنون بقناع “ماردي جرا”، سرى التوتر في الأجواء، وكأن شيئاً قارب الانفجار.

كان لاعبو البوكر في أوائل العشرينيات واثنان منهم في الثلاثينيات، ينتظرون المحاكمة بتهم جنائية أو يقضون عقوبة طويلة لجنحة ما ارتكبوها، سماهم جوكو “الأتباع”، رجال يلعبون أوراق الشدّة بعنف، وانضم دونالد دندن إليهم، كانوا اليوم يلعبون لعبة أكثر جنوناً على الممر، أصواتهم مسموعة في كل السجن ويصرخون وهم يمشون جيئة وذهاباً مطاردين الفراغ، اتخذ كل منهم موقعاً على الممر كأنهم قطيع من الضباع التي تستعد للانقضاض على فريستها، كانت تلك المجموعة مسيطرة على الزنزانات بأكملها وكانوا يتحدثون فقط عن الصبي، يتآمرون عليه بينما هو يشاهد التلفزيون مظهراً عدم الاستماع.

قالوا له: “تعال إلى الممر”.

لكنه لم يبرح مكانه.

“تعال، لن نؤذيك”.

جلست أنا وبوب الخنّاق في زنزانتنا جنباً إلى جنب على سريره، كنت خائفاً لذلك لم أصعد إلى سريري.

“فليضغط أحدكم الزر!”

“من قال هذا؟”

نهض الصبي من على كرسيه باتجاه الزر، وقال “لست أنا”.

“لا تضغط الزر” قال دندن.

“لن أفعل”.

“من قال إذاً اضغطه؟”

كان الزر الأحمر على حائط الممر، بين ولاعة السجائر الكهربائية والباب الحديدي، الذي يصدر صريراً عالياً عند فتحه، الباب الذي يصلنا بالطابق السفلي ومنه تأتي وجباتنا، ووظيفة هذا الزر تنبيه الحراس في الأسفل في حال حدوث أي طارئ، ولكن عادة ما يكون هناك سجين ما مرابط عند الزر للتأكد من عدم استخدامه.

هذه المرة كان دور دندن بحراسة الزر. “انتبه، لا تحاول.”

قال الصبي: “لم يكن في نيتي استخدامه”.

بشعره المنكوش، وعضلاته المفتولة، بدا دندن كإنسان كهف بغيض، وقال: “من الأفضل لك أن تواجه الموقف بدلاً من الاستعانة بالحراس”.

عاد الصبي إلى المنطقة المركزية وجلس. أمسك مسندي كرسيه بكلتا يديه وتظاهر بأنه يشاهد التلفزيون المثبّت في زاوية الغرفة.

لحق دندن الصبي ووقف بجانب كرسيه، وشاهدا فاصلاً إعلانياً لنصف دقيقة قبل أن يذكّره دندن قائلاً: “ما سيحدث، سيحدث”.

“تبدو مصمماً على ذلك” قال الصبي.

فقد جوكو أعصابه. هاج داخل زنزانته وخرج منها يشتعل غضباً. قفز على طاولة الطعام الطويلة ووقف ينظر إلى السقف ربما متخيلاً السماء، كمشهد سينمائي يظهر فيه البطل في ذروة بطولته، وكانت طاقة هائلة تنضح منه، تماهت معه، وبات من الصعب التفريق بينهما.

إما أنه كره فكرة قتل الصبي المجنون أو اعتقد أن أتباعه استغرقوا أكثر من اللازم لفعل ذلك، لم يكن موقفه واضحاً حيث أدى مشهده السينمائي، صرخ بغضب: “لقد سئمت ذلك” وهو يقف على الطاولة، رافعاً يديه كأنه يحاول التحرر من قيود وهمية أو أنه أحس ربما أن السجن ضيّق على جسده، بدا وقتها ضخماً، هائلاً ولكن مفتول العضلات وبديناً في الوقت نفسه، فهو بالعادة يبدو منفوخاً، كل جزء فيه مثل بالون، لكن في حالته هذه، انقلبت البالونات إلى أحجار من شدة غضبه. تلوّن وجهه بالبنفسجي المزّرق تحت شعره الأشقر، صرخ مجدداً: ” لقد سئمت ذلك”، وبخفّة مذهلة، نزل من سطح الطاولة إلى كرسي ثم إلى الأرض، دار في أرجاء المكان بخطوات عنيفة. أراهنُ أنه كان ليدمر كل ما يعترض طريقه، دوّت خطواته في السجن وعاود الصراخ: “لقد سئمت ذلك.. سئمت”.

لم يفهم أحد منّا معنى هذه الجلبة التي أحدثها جوكو. لكن بغض النظر عن دوافعه، أحدثت أفعاله تأثيراً مهدّئاً على المشهد، أو ربما لأن الحراس سمعوا بها. هدأ جوكو شيئاً فشيئاً أثناء الظهيرة، وفي اليوم التالي عاد من جديد إلى سلوكه البغيض، متسلطاً ومخيفاً مرة أخرى.

 

في هذه الأثناء، وفي ظهيرة المؤامرة على الصبي المجهول، تحوّل المهابيل من قطيع ضباع جائعة إلى مجموعة حائرة مشوّشة، وتمخّضت خطتهم الجهنمية فتسلّلوا من خلف الصبي وحاولوا مضايقته برمي أشرطة مطاطية عليه، وهو غارقٌ في مشاهدة برنامج عن المتزوجين حديثاً، لم يرفّ له جفن ولم يمنحهم حتى أقل قدر من الاهتمام. في صباح اليوم التالي، نادى الحرّاس على الصبي المجهول أثناء تناوله للفطور، ونقلوه إلى الطابق العلوي.

كان مسموحاً أن يأتينا زوارنا بالأشرطة المطاطية والكتب والمجلات والحلوى والفواكه… حتى السجائر، وإذا لم نحصل عليها من زوّارنا، فإن المقاطعة توفر، كل يومين أو ثلاثة، لكل سجين علبة من التبغ المقطّع الخشن ماركة “برينس ألبرت” ومجموعة من ورق لف السجائر. أذكر عام 1967… كانت الحيوانات الأليفة والأطفال يتجولون بكل حرية وأمان في الشوارع، والمواطنون الشرفاء يلقون القمامة أينما رغبوا، أما نحن المخالفون للقانون، فقد أشعلنا سجائرنا مستخدمين ولاعة بوشيعة كهربائية تعمل بالضغط ومثبتة على حائط الممر.

علّمني دندن لف سيجارة، كان دندن من أبناء الكارفانات، أما أنا فابن الطبقة الوسطى التي لم أنتمِ إليها وخرجت من عباءتها، ولكننا قضينا الوقت معاً، ربما جمعنا شَعرنا الطويل، وبحثنا الدائم عن أي مادة مخدرة… دندن، الذي يبلغ من العمر تسعة عشر عاماً، كان بالفعل مدمناً ميؤوساً منه على الهيروين، وبالإمكان معرفة ذلك من عروق يديه التي خرمتها الإبر.

والأمر نفسه مع بي دي، الصبي الذي وصل قبل عيد الميلاد بأسبوع، عرفناه باسم “بي دي” فقط، وكما قال “لا يمكن نطق اسمي، يمكن تهجئته فقط”، تلك كانت حيلته كي لا نعرف اسمه، أما أنا “دينك”، فلم أعرف معنى لقبي، يمرُّ السجناء المتجهمون بقربي ويرمقونني بعيونهم المنتفخة بتحية مقتضبة: “دينك”.

كان دندن قصيراً ومفتول العضلات، وأنا قصير هزيل، أما بي دي فهو أطول المساجين، له جسم عريض إلا أن هذا العرض يتناقص عند أكتافه الضيقة التي تحمل رأسه الضخم بشعر بني مجعد. بعد خلافه مع حبيبته، واساه الشراب، وفي إحدى سكراته، قرر سرقة حانة. صعد إلى سطح الحانة بعد إغلاقها باحثاً عن طريقة للدخول ليجد نافذة في السقف، تدلّى منها وسقط على وجهه من على ارتفاع خمسة أمتار تقريباً مصطدماً بطاولة البلياردو، وليوقظه رجال الشرطة في الصباح.

________________________

يتبع في العدد المقبل…

*****

خاص بأوكسجين


دنيس هيل جونسون (1949 - 2017) روائي وكاتب قصة قصيرة وشاعر أمريكي. اشتهر بمجموعته القصصية الأولى "ابن يسوع" (1992). تجري أحداث روايته الأكثر نجاحاً، "شجرة الدخان" (2007)، في فيتنام خلال الحرب راسمة صورة عميقة عن المجتمع الأمريكي والتحولات التي عصفت به خلال تلك الحقبة. لجونسون تسع روايات، ونوفيلا واحدة، ومجموعتين قصصيتين، وثلاث مجموعات شعرية، وعدد من المسرحيات.