لم يكن قادراً على رؤية شقيقه أو الحصان من حيث كان يقف. كان يستطيع رؤية الحلقات البطيئة تبتعد فوق المياه من حيث كان الحصان واقفاً ليشرب وراء مجموعة القصب وكان يمكنه رؤية الزمّة الوضيعة للعضلة تحت جلد فك الهندي الهزيل والخالي من الشّعر.
التفت الهندي ونظر إلى الخزّان. كان الصوت الوحيد المسموع هو صوت تقاطر الماء من خطم الحصان المرفوع. نظر إلى الصبي.
قال: يا ابن العاهرة يا تافه.
لم أفعل شيئاً.
من هذا الذي معك؟
أخي.
كم عمره؟
ستة عشر.
وقف الهندي. وقف مباشرة بدون أي جهد ونظر عبر البركة حيث كان بيلي يقف ماسكاً الحصان ثم نظر إلى بويد مرة أخرى. كان يرتدي معطفاً مبطّناً قديماً وبالْ وقبعّة ستيتسون[i] قديمة مرنّخة بالشحم بتاج منزوع وكانت جزمته مربّطة بالأسلاك.
ماذا تفعلون كلكم هنا؟
نجلب الخشب.
لديكم أي شيء للأكل؟
لا.
أين تعيشون؟
تردّد الصبي.
سألتك أين تعيشون.
أشار إلى أسفل النهر.
كم يبعد؟
لا أعرف.
يا ابن العاهرة يا تافه.
وضع البندقيّة فوق كتفه وخرج من على شاطئ البركة ووقف ينظر عبرها إلى الحصان وإلى بيلي.
قال بيلي: مرحبا.
بصق الهندي وقال: أفزعت كل شيء في المنطقة، أليس كذلك؟
لم نعلم بوجود أي شخص هنا.
أليس معك ما يؤكل؟
لا يا سيدي.
أين تعيش؟
على بعد ميلين من أسفل النهر.
هل لديك أي شيء يؤكل في منزلك؟
نعم سيدي.
إذا ذهبت هناك هل ستحضر لي شيئاً؟
يمكنك القدوم إلى المنزل. ستطعمك ماما.
لا أريد الذهاب إلى المنزل. أريدك أن تحضر لي شيئاً.
طيب.
هل ستحضر لي شيئاً؟
نعم.
هيا بنا إذاً.
وقف الصبي ممسكاً بالحصان. لم يرفع الحصان عينيه عن الهندي. قال بويد: هيا بنا.
هل لديكم كلاب هناك؟
واحد فقط.
هل ستحبسه؟
طيب. سأحبسه.
ضعه في مكان بالداخل حيث لن ينبح.
طيب.
لست ذاهباً هناك ليطلق عليّ النار.
سأحبسه.
هيا بنا إذاً.
تعال بويد، لنذهب.
وقف بويد على الجانب الآخر من البركة وهو ينظر إليه.
هيا بنا. ستعتم الدنيا هنا قريباً.
قال الهندي: اذهب وافعل ما يقوله لك أخوك.
لم نكن نزعجك.
هيا بويد، لنذهب.
عبر حاجز الحصى وتسلق الترفة.
قال بيلي: اركب هنا.
خرج من كومة أفرع الأشجار التي جمعاها ونظر وراءه إلى الهندي ومد جسده وأخذ اليد التي كان بيلي يثبّتها وتأرجح خلفه حتى أصبح على الحصان.
قال بيلي: كيف سنجدك؟
كان الهندي يقف حاملاً البندقية فوق كتفيه ويداه معلقتان عليها. وقال: تخرج وتمشي باتجاه القمر.
وإن لم يكن طالعاً بعد؟
بصق الهندي. هل تعتقد أنّني سأخبرك أن تمشي نحو قمر لم يكن موجوداً؟ هيا اذهب الآن.
ركل الصبي الحصان ليسير إلى الأمام، ومضيا عبر الأشجار. جرجرت قضبان الترفة صفوفاً صغيرة من الأوراق الجافّة بصوت هامس جاف. الشمس منخفضة في الغرب. راقبهم الهندي وهم يغادرون. ركب الصبي الأصغر على الحصان وهو يضع ذراعاً حول خصر أخيه، بوجه محمر في الشمس، بشعر شبه الشائب متورّد في الشمس. لا بد أن أخوه أخبره بألّا ينظر إلى الخلف لأنّه لم ينظر إلى الخلف. بحلول الوقت الذي عبروا فيه قاع النهر الجاف ومضوا إلى السهل كانت الشمس وراء قمم جبال بيلونسيّو إلى الغرب سلفاً وكانت سماء الغرب بلون أحمر قانٍ تحت شعاب من الغيوم. انطلقوا جنوباً على طول فواصل النهر الجاف وعندما نظر بيلي خلفه إلى الهندي كان يتبعهم من على مسافة نصف ميل في الغسق حاملاً البندقيّة بدون إحكام بيد واحدة.
قال بويد: وكيف إذن تنظر إلى الخلف؟
هكذا.
هل سنحضر له بعض الطعام؟
نعم. يمكننا ذلك على ما أظن.
قال بويد: كل ما تستطيع أن فعله لا يعني أنها فكرة جيّدة.
أعرف ذلك.
راقب السماء في الليل عبر نافذة الغرفة الأماميّة. سكّت أولى النجوم من العتمة وتقوّبت إلى الجنوب وهي تتعلّق بتشابك أغصان الأشجار الميّتة على طول النهر. يربض ضوء القمر الذي لم يطلع في سديم كبريتي فوق الوادي إلى الشرق. راقب كيف يتصدّع الضوء على طول حواف براري الصحراء وبزغت قبّة القمر من الأرض بيضاء وسمينة وغشائيّة. ثم نزل عن الكرسي حيث كان راكعاً وذهب لإحضار أخيه.
كان لدى بيلي لحماً وبسكويتاً وفاصوليا في كوب من الصفيح ملفوفة بقماشة ومخبّأة خلف جرار الفخّار على رف النمليّة بجوار باب المطبخ. أرسل بويد أولاً ووقف ليصغي السمع ثم لحق به إلى الخارج. خرخر الكلب وخدش باب حجرة تدخين اللحوم عندما مرّا به وأمر الكلب بأن يصمت وفعل ذلك. مشيا منحيان على طول السياج ثم شقّا طريقهما إلى الأشجار في الأسفل. عندما وصلا إلى النهر كان القمر قد ارتقى إلى السماء وكان الهندي يقف هناك حاملاً البندقيّة بالعرض حول رقبته مرّة أخرى. كان يمكنهما رؤية أنفاسه في البرد. استدار وتبعاه عبر الحصى المجروف وأخذوا مسار المواشي على الجانب البعيد من أسفل النهر على طول حافّة المرعى. كانت هناك رائحة لاحتراق حطب في الهواء. بعد ربع ميل أسفل المنزل وصلوا إلى مخيّمه بين أشجار الحور وثبّت البندقيّة على ساق إحدى الأشجار والتفت ونظر إليهما.
قال: أحضرها هنا.
مشى بيلي إلى النار وأخذ الصرّة من تحت ذراعه وأعطاها إياه. أخذها الهندي وقرفص بجانب النار بنفس تلك المرونة التي تتمتّع بها الدمى المتحرّكة ووضع القماشة على الأرض أمامه وفتحها ورفع الفاصوليا ووضع الكوب على الفحم ليدفأ ثم أخذ قطعة من البسكويت واللحم وبدأ يأكل.
قال بيلي: ستتسبّب في تسويد ذلك الفنجان. علي أن أعيده إلى المنزل.
مضغ الهندي طعامه بعينيه الداكنتين نصف المغمضتين في ضوء النار. وقال: ألا يوجد لديكم قهوة في المنزل؟
إنها غير مطحونة.
ألا تستطيع أن تطحن القليل؟
من دون أن يسمعني أحد لا أستطيع.
وضع الهندي النصف الثاني من البسكويت في فمه وانحنى قليلاً إلى الأمام وأخرج سكّيناً صغيرة من مكان ما في جسده ومد يده وقلّب الفاصوليا في الفنجان ثم رفع رأسه ونظر إلى بيلي ومرّر النصل على جانب من لسانه ثم الآخر كأنّه يشحذها ببطء ثم ثبّت السكّين في نهاية قطعة حطب التي وضعت أمام النار.
قال: منذ متى تعيشون هنا.
عشرة سنوات.
عشرة سنوات. هل تمتلك عائلتك هذا المكان؟
لا.
مد يده والتقط قطعة البسكويت الثانية وقضمها بأسنانه البيض المربّعة وجلس يمضغ.
قال بيلي: من أين أنت؟
من كل الأنحاء.
إلى أين أنت متوجّه؟
انحنى الهندي وأخذ السكين من قطعة الحطب وقلّب الفاصوليا مرّة أخرى ولعق النصل مرّة أخرى ثم وضع السكّين عبر المقبض ورفع الفنجان المسود من النار ووضعه على الأرض أمامه وبدأ يأكل الفاصوليا بالسكين.
ما يوجد لديكم أيضاً في المنزل؟
سيدي؟
قلت ما يوجد لديكم أيضاً في المنزل.
رفع رأسه ونظر إليهما وهما يقفان هناك في ضوء النار، وهو يمضغ ببطء، بعينين نصف مغمضتين.
مثل ماذا؟
مثل أي شيء. شيء أستطيع بيعه.
لا نملك شيئاً.
لا تملكون شيئاً.
لا يا سيدي.
مضغ.
تعيشون في منزل فارغ؟
لا.
إذاً لديكم شيء.
هناك أثاث وأشياء. أدوات المطبخ.
هل لديكم أي رصاص؟
نعم سيدي. بضعة منها.
ما هو عيارها؟
لن تناسب بندقيتك.
ما هو عيارها.
أربعون- أربعة وأربعين.
لم لا تحضر لي بعضاً منها.
أومأ الصبي باتجاه البندقية التي تستند إلى الشجرة. عيارها ليس أربعون- أربعة وأربعين.
ليس هناك فرق. يمكنني بيعها.
لا أستطيع أن أحضر لك رصاصاً. سيلاحظ العجوز اختفاءها.
إذاً لماذا ذكرتها؟
قال بويد: من الأفضل أن نذهب.
علينا أن نعيد الفنجان.
قال الهندي: ماذا تملكون أيضاً؟
قال بويد: لا نملك شيئاً.
لم أكن أسألك. ماذا تملكون أيضاً؟
لا أعرف. سأرى ماذا يمكنني إيجاده.
وضع الهندي النصف الآخر من قطعة البسكويت الثانية في فمه. انحنى إلى الأسفل وفحص حرارة الفنجان بأصابعه ورفعه وابتلع حبات الفاصوليا المتبقيّة في فمه المفتوح ومرّر أصبعاً حول الكوب من الداخل ولعق أصابعه عن آخرها ووضع الفنجان على الأرض مرّة أخرى.
قال: أحضر لي بعضاً من تلك القهوة.
لا أستطيع أن أطحنها، سيسمعون ذلك.
أحضرها لا عليك. سأضربها بحجر.
طيب.
دعه يبقى هنا.
لماذا؟
ليسلّي وحدتي.
ليسلّي وحدتك.
نعم.
ليس عليه أن يبقى هنا.
لن أقوم بإيذائه.
أعلم أنك لن تفعل. لأنّه لن يبقى.
مصّ الهندي أسنانه. هل لديكم أيّة فخاخ؟
ليس لدينا فخاخ.
نظر إليهما. مص أسنانه بهسهسة. قال: هيا إذاً. أحضر لي بعض السكّر.
طيب. دع الفنجان.
يمكنك الحصول عليه عندما تعود.
عندما وصلا إلى مسار المواشي، نظر بيلي خلفه إلى بويد ثم نظر مرّة أخرى لضوء النار بين الأشجار. كان القمر في السّهل لامعاً لدرجة أنّه يمكنك تعداد المواشي على ضوئه.
قال بويد: لن نحضر له قهوة، أليس كذلك؟
لا.
ماذا سنفعل بشأن الفنجان؟
لا شيء.
ماذا إن سألت ماما عنه؟
أخبرها بالحقيقة. أخبرها أنّني أعطيته إلى هندي. أخبرها أن هنديّاً جاء إلى المنزل وأعطيته إياه.
طيب.
يمكن أن أقع في مشاكل معك.
ويمكنني أن أقع في المزيد من المشاكل.
أخبرها أنّني فعلت ذلك.
أنوي ذلك.
عبرا الأرض الخالية باتجاه السياج وأضواء المنزل.
قال بويد: لم يكن علينا أن نذهب إلى هناك منذ البداية.
لم يجب بيلي.
لم يكن علينا فعل ذلك.
لا.
لماذا فعلنا؟
لا أعرف.
كانت الدنيا ما تزال مظلمة في الصباح عندما جاء والده إلى غرفتهما.
قال: بيلي.
جلس الصبي منتصباً في السرير ونظر إلى والده يقف محاطاً بالضوء من المطبخ.
لماذا يجلس الكلب مقيّداً في حجرة تدخين اللحوم؟
نسيت أن أخرجه.
نسيت أن تخرجه؟
نعم يا سيدي.
ماذا كان يفعل هناك في المقام الأول؟
نزل متأرجحاً من السرير على الأرض الباردة ومد يده إلى ملابسه. قال: سأطلقه.
وقف والده لدى الباب للحظة ثم عاد عبر المطبخ ونزل إلى الردهة. شاهد بيلي، في ضوء الباب المفتوح، بويد نائماً متكوّماً على نفسه في السرير الآخر. رفع بنطاله والتقط جزمته من على الأرض وخرج.
بحلول الوقت الذي أطعمه فيه وسقاه طلع النهار وأسرج بيرد وركبه وقاده عبر فسحة بين عمودين خارج الحظيرة إلى أسفل النهر بحثاً عن الهندي أو ليرى إذا ما كان لا يزال هناك. لحقه الكلب بين كعوب الحصان. عبروا المرعى وساروا أسفل النهر ومروا عبر الأشجار. سحب اللجام وأوقف الحصان. وقف الكلب بجانبه وهو يتحسّس الهواء وهو يرفع خطمه بحركات سريعة: يفرز ويجمع معاً بعض مشاهد أحداث الليلة الماضية. قاد الصبي الحصان إلى الأمام مرة أخرى.
عندما وصل إلى مخيّم الهندي كانت النار باردة ومسودّة. انزاح الحصان وخطى متوتّراً ودار الكلب حول الرماد البارد بأنفه إلى الأرض بينما انتصب الشعر على طول ظهره.
عندما عاد إلى المنزل كانت والدته قد أعدّت الإفطار وعلّق قبّعته وسحب كرسيّاً وبدأ بوضع البيض في طبقه. كان بويد يأكل سلفاً.
قال: أين بابا؟
قالت أمه: لن تشم الرائحة حتّى تتلو دعاء المائدة.
نعم سيدتي.
أخفض رأسه وتلى الكلمات على نفسه ثم مد يده ليأخذ قطعة بسكويت.
أين بابا.
في السرير. أنهى أكله.
متى عاد.
منذ ساعتين تقريباً. لقد ركب حصانه طيلة الليل.
لماذا؟
أظن أنّه كان يريد الوصول إلى المنزل.
كم سينام؟
حتّى يستيقظ على ما أعتقد. تسأل أسئلة أكثر من بويد.
قال بويد: لم أسأل السؤال الأول.
بعد الإفطار ذهبا إلى الحظيرة. قال بويد: أين تعتقد أنّه ذهب؟
لقد رحل.
من أين تظن أنّه جاء؟
لا أعرف. الجزمة التي ارتداها كانت مكسيكيّة. أو ما تبقّى منها. إنّه مجرّد متجوّل.
قال بويد: أنت لا تعرف ما الذي يمكن أن يفعله هندي.
قال بيلي: ماذا تعرف عن الهنود.
أنت لا تعرف.
أنت لا تعرف ما الذي يمكن أن يفعله أي أحد.
أخذ بويد مفكّاً قديماً بالياً من دلو المعدّات والفراشي المتدلّي من دعّامة الحظيرة وأخذ أنشوطة من ربطة الحبال وفتح باب الحجيرة حيث أبقى حصانه ودخل ووضع الرسن على الحصان وقاده إلى الخارج. ربط الحبل نصف ربطة على الحاجز ومرّر يده حتى أسفل ساقه الخلفيّة حتى يرفع حافره وينظّف نَسْر الحافر ويفحصه ثم ينزل الساق.
قال بيلي: دعني أنظر إليه.
لا يعاني أيّ مشاكل.
إذاً دعني أنظر إليه.
طيب أنظر.
رفع بيلي حافر الحصان إلى الأعلى وضمّه بين ركبتيه وتفحّصه. قال: أعتقد أن كل شيء على ما يرام.
قلت ذلك.
امش به.
فكّ بويد الأنشوطة وقاد الحصان إلى الفسحة ما بين عواميد الحظيرة وعاد.
قال بيلي: ألن تجلب سرجك؟
طيب أعتقد أنّني سأفعل إذا كان مناسباً لك.
أحضر السرج من غرفة السُّرُج ورمى البطانيّة على الحصان واشتغل على السرج وثبّته في مكانه وسحب حزام السرج وثبّت حزام الظهر ووقف ينتظر.
قال بيلي: تركته يعتاد ذلك. لماذا لا تقسو عليه؟
قال بويد: لا يقسو علي ولا أقسو عليه.
بصق بيلي في التبن الجاف على الأرض. انتظرا. زفر الحصان. سحب بويد الحزام وأقفله بالمحبك.
قادا حصانيهما عبر مرعى إيبانيز طيلة الصباح وهما يتفحصان الأبقار. حافظت الأبقار على مسافة منهما وتفحصتهما بدورها، الكثير من الأبقار طويلة السيقان وبيضاء مرقّطة الوجه، جزء منها مكسيكي، وبعضها طويلة القرن، بكل الألوان. عادا إلى المنزل في وقت الغداء وهما يجرّان عجلة تبلغ سنة واحدة بحبل وربطاها في دعّامة السياج فوق الحظيرة ليراها والدهما ودخلا واغتسلا. كان والدهما يجلسان على الطاولة سلفاً. قال: أهلاً يا أولاد.
قالت أمهما: هيا اجلسا. وضعت طبقاً من شرائح اللحم المقليّة على الطاولة. وعاء من الفاصوليا. عندما تلوا دعاء المائدة ناولت الطبق لوالدهما وتناول شريحة بشوكته ووضعها في طبقه ثم مرّره إلى بيلي.
قالت: يقول بابا ثمّة ذئب في المنطقة.
انتبه بيلي في جلسته وهو يحمل الطبق والسكين عالياً.
قال بويد: ذئب؟
أومأ والده برأسه. انقضّت على عجل بحجم جيد للغاية في رأس أخدود فوستر.
قال بيلي: متى؟
منذ أسبوع أو أكثر على الأرجح. تعقّبها صغير عائلة أوليفر صعوداً عبر الجبال. جاءت من المكسيك. مرّت عبر مضيق سان لويس ومشت على طول المنحدر الغربي لنهر الأنيماس واستمرّت حتّى أعلى أخدود تايلور ثم نزلت لتعبر الوادي وصعدت جبال بيلونسيّو. شقّت طريقها إلى القمّة في الثلج. كان هناك إنشان من الثلج على الأرض حيث قتلت العجلة.
قال بويد: كيف تعرف أنّها أنثى؟
قال بيلي: كيف تعتقد أنّه يعرف؟
قال والده: تستطيع رؤية المكان الذي قامت بفعلتها فيه.
قال بويد: أوه.
قال بيلي: إلى ماذا ترمي؟
أظن أنّه علينا الإمساك بها، ألا تظن ذلك؟
نعم سيدي.
قال بويد: لو كان العجوز إيكولز هنا لأمسك بها.
السيد إيكولز.
لو كان السيد إيكولز هنا لأمسك بها.
نعم سيفعل. لكنّه ليس هنا.
بعد الغداء، قاد ثلاثتهم خيولهم لتسعة أميال إلى مزرعة إس كيه بار وأوقفوا خيولهم ونادوا على من في المنزل. نظرت حفيدة السيّد ساندرز إلى الخارج وذهبت لتحضر العجوز وجلسوا جميعاً على الشّرفة بينما كان والدهما يخبر السيد ساندرز عن الذئب. جلس السيد ساندرز بمرفقيه على ركبتيه ونظر بتمعّن إلى ألواح أرضيّة الشرفة بين جزمته وأومأ برأسه من حين إلى آخر بينما كان أصبعه الصغير ينفض الرماد عن نهاية سيجارته. عندما أنهى والدهما حديثه نظر إلى الأعلى. كانت عيناه زرقاوتان جدّاً وجميلتان جدّاً وهما نصف مخبأتان في غضون وجهه الجلديّة. كما لو كان هناك شيئاً لم تستطع قساوة الريف المس به.
قال إن فخاخ ومعدّات إيكولز لا تزال في الكابينة: لا أظن أنّه سيمانع أن تستخدم منها ما تحتاجه.
نقر عقب السيجارة إلى الفناء وابتسم للصبيين ووضع يديه على ركبتيه ونهض.
قال: دعني أحضر المفاتيح.
كانت الكابينة مظلمة ونتنة عندما فتحوها وكانت لها رائحة لدنة كرائحة اللحم المذبوح للتو. توقف والدهما لدى الباب للحظة ثم دخل. كان في الغرفة الأماميّة كنبة قديمة، وسرير، ومكتب. مرّوا عبر المطبخ ثم عبر الرواق المخصّص لخلع الأحذية والملابس المتّسخة بالطين في الجزء الخلفي من المنزل. وهناك في الضوء المغبر القادم من نافذة صغيرة وحيدة على رفوف من خشب الصنوبر المنشور بخشونة، انتصبت مجموعة من مرطبانات وزجاجات بأغطية مسطّحة وقوارير صيدلانيّة قديمة تحمل جميعها ملصقات مثمّنة عتيقة بحواف حمراء كتب عليها إيكولز بخط أنيق والمحتويات والتواريخ. كان في القوارير سوائل داكنة. وأحشاء مجفّفة. وكبد، ومرارة، وكلى. الأجزاء الداخليّة من الوحش الذي يحلم بإنسان والذي حلم بتعاقب الأحلام لمئة ألف سنة وأكثر. تأتي أحلام ذلك الإله الأصغر الخبيث به شاحباً وعارياً ومتغرّباً ليذبح كل عشيرته وأقاربه ويطردهم من منازلهم. إله نهم لا تشبعه تركات ولا أي قدرٍ من الدم. انتصبت القوارير مضمّخة بالغبار وكان الضوء المنبثق عبرها مصنوع من الغرفة الصغيرة بزجاجها الخيميائيّ كبازيليكا[ii] غريبة مخصّصة لمهنة بمجرّد انقراضها بين البشر سيدين لها الوحش بكيانه. أخذ والدهما إحدى المرطبانات وأدارها في يده وأعادها مرة أخرى بالضبط على أثر غبارها الدائري. انتصب على رفٍّ سفلي صندوق ذخيرة خشبيّاً بزوايا معشّقة وكان في الصندوق دزينة أو نحو ذلك من زجاجات صغيرة أو قوارير لا توجد عليها ملصقات. كُتِبَ بقلم شمع أحمر على اللوح العلوي للصندوق: رقم 7 ماتريكس. أمسك والدهما إحدى القوارير أمام الضوء وهزّها وأزال السدادة ومرّر الزجاجة المفتوحة تحت أنفه.
همس: يا إلهي.
قال بويد: دعني أشمّها.
قال والده: لا. وضع القارورة في جيبه وتابعوا البحث عن الفخاخ لكنهم لم يجدوها. بحثوا في بقيّة المنزل وعلى الشرفة وفي المدخنة. وجدوا بعض فخاخ القيوط القديمة ذات الزنبرك الطويل رقم ثلاثة معلّقة على جدار المدخنة لكن كانت تلك كل الفخاخ التي وجدوها.
قال والدهما: إنها هنا في مكان ما.
بدأوا بالبحث مرّة أخرى. بعد فترة جاء بويد من المطبخ.
قال: وجدتها.
كانت في صندوقين خشبيين غطيا تحت كومة من خشب الموقد. كانت مشحّمة ربما بالشّحم ومعبأة في الصناديق كأسماك الرنجة.
قال والده: ما الذي دفعك للبحث في الأسفل هناك؟
قلت إنّها موجودة في مكان ما.
نشر بعض الصحف القديمة على مشمّع أرضيّة المطبخ وبدأ برفع الفخاخ. كانت زنبركاتها مرفوعة لرصّها بشكل أكبر وكانت السلاسل ملفوفة حولها. قام بتصويب واحدة منها. جلجلت السلسلة المشحّمة بصوت خشبيّ. كانت مفلوقة بحلقة وكانت تحتوي على إبزيم ثقيل من جانب ومزلقة من الجانب الآخر. قرفصوا هناك وهم ينظرون إلى الفخ. بدا ضخماً. قال بيلي: هذا الشيء يشبه فخ الدببة.
هذا فخ للذئاب. رقم أربعة ونصف نوع نيوهاوس.
وضع ثمانية منها على الأرض ومسح الشحم عن يديه بالصحيفة. أعادوا الغطاء على الصندوق وكوّموا خشب الموقد فوق الصندوقين مرّة أخرى كما عثر عليهما بويد ثم عاد والدهما إلى الرّواق ورجع حاملاً صندوقاً خشبيّاً بغطاء سفلي من الأسلاك وكيساً ورقيّاً من نشارة الخشب وسلّة تحمل على الظهر لوضع الفخاخ فيها. ثم خرجوا وأغلقوا الباب الأمامي بالقفل وفكوا قيود خيولهم وامتطوها وقادوها عودة إلى المنزل.
——————
من رواية “العبور” – الجزء الثاني من ثلاثية “الحدود”
[i] القبعة التي يشتهر رعاة البقر في الغرب الأميركي بارتدائها.
[ii] مبنى روماني كان الغرض من بنائه الاستعراض المعماري.
*****
خاص بأوكسجين

