حتى هذه الرسالة التي ستصيبني حتماً بنوع من الوهن لم أتحصل عليها، لكنني تحصلت على رسالة أخرى فور إرسال روايتي إلى دار النشر: سيقوم أعضاء التحرير بقراءتها ثم سنوافيكم بالتفاصيل.
ها قد مرت الشهور الثلاثة التي زعموا أنهم سيعاينون روايتي خلالها وما من مجيب!
هل أخطأت في كتابة عنوان البريد الالكتروني؟ أراجع الحروف حرفاً بحرف، لا! لم أخطئ! أنوي إرسال رسالة أخرى، لكن قد يظنون أنّي متلهف على النشر، وهذا حقيقي، لكنني لا أريد أن أبدو كذلك.
لا بد أن لجنة القراءة وجدتها غير صالحة للنشر! إلا أن أحد أعضاء اللجنة طلب من الآخرين أن يمنحوا الرواية فرصة ثانية. لكم أحب هذا الشخص المتخيل، أتخيله أنثى، شاعرة على مشارف الستين. لابد أن كتابتي ذكرتها بشبابها، قبل أن تتحول إلى مسخ يمارس أعمال الوصاية والتقييم! لكم أكره هذه السيدة التي تحولت من شاعرة تكفر بالمعايير إلى عضوة حقيرة في لجنة قراءة لدى دار نشر هزيلة، نعم إنها دار نشر هزيلة، لا باع لها، قلت إن فرصتي لدى دار نشر كهذه تبدو مؤكدة! لم أكن أعرف أنه حتى دور النشر التي لا تاريخ لها تمارس الوصاية هي الأخرى، لكن السيدة تستدرك، تدفعها روايتي إلى الكفر مرة أخرى بوجود قوالب محددة سلفاً للعملية الأدبية. لكم أحب الشخصيات التي تستدرك، التي تفيق من حقارتها، ترى ما وزن هذه السيدة داخل اللجنة؟ لو كانت جميلة ولما تحتفظ بقوامها نتيجة لتناولها الأطعمة الصحية وتمارين الأيروبيكس ستكون فرصتي قائمة، من بمقدوره أن يقاوم جسدا يحتفظ بنضارته ممزوجا بخبره السنوات؟ أما لو ترهل ثديها، لو انتشر السيلوليت في ساقيها، فستكون فرصتي في النشر منعدمة تماماً، هل يعقل أن يتوقف مصير روائي شاب على السيلوليت المنتشر في ساقي عضوة لجنة القراءة؟ غير أنه في بعض الأحيان تمتلك السيدات المترهلات سلطة الإقناع نتيجة لقربهم الشديد من دوائر السلطة، ربما تكون السيدة زوجة الناشر، ساعتها تكون أبواب السماء قد فتحت لي، تفكر السيدة التي ستحتفل في الشهر المقبل بعامها الستين أن الرواية المليئة بالجنس انعكاس لفحولة كاتبها، تحلم السيدة بمضاجعة عظيمة مع الفحل المتخيل، لعلها تخيلت أن بطل الرواية الذي يبلغ من العمر أربعة وعشرين عاما هو العمر الحقيقي لمؤلفها، مساكين هن السيدات، يصدقن الروايات، لكن ماذا عساها أن تفعل وزوجها الناشر يقضي يومه بين رفوف الكتب وحفلات التوقيع والمرور على المكتبات لتحصيل رسوم بيع كتبه التي قلما تباع أو في اسوأ الأحوال أن يسترد بضاعته من المكتبات ذاتها ويذهب بها إلى مكتبات أخرى بعد أن يقدم تخفيضات أو يقدم بعض العروض على بضاعته: مع كل ثلاث روايات ستحصل على ديوان شعر مجاني. لا تفكر أن الأمر اعتباطي، لقد أدرك الرجل من خلال التجربة أن الشعر طيزه تقيله، وأن الرواية هي فرس الرهان، ربما هذا ما جعلني أنا الآخر أتوقف عن كتابة الشعر وولوج عالم الروايات، ليس من الجيد أن تظل على الرف، الكتب التي تظل على الرفوف تصفر أوراقها وهذا بدوره يرتد على مؤلفيها، تجدهم في أغلب الأحوال أكبر من أعمارهم، نعم هذا يبدو جليا على ملامحهم، لأنهم ينتظرون اللحظة التي تنفد فيها طبعتهم الأولى، وأنت تعرف أن الانتظار يسرع بالشيب وأمراض الشيخوخة، انظر إلى أصحاب الكتب الأعلى مبيعاً ستجدهم في أفضل صحة وأحسن حال، أسنانهم بيضاء، قلما تعثر على شعرة بيضاء في رؤوسهم، لا هالات داكنة أسفل العين، حتى حين تظهر التجاعيد على وجوهم فإنها تبدو وكأنها دليل حياة، فيما تجاعيد المؤلفين الذين لا تنفد طبعتهم الأولى تبدو وكأنها إرهاصات موت وشيك. لنعد إلى السيدة التي لا ينام معها زوجها الناشر، ربما لأن المؤلفات الصغار يمنحونه ما تعجز عنه الشاعرة الستينية: مرونة العشرينات ونضارتها، عنفوان الثلاثينات، خبرة الأربعينات. لكن الستينية تنتمي إلى التاريخ، حفرية قديمة زج بها الزوج في لجنة القراءة لتنشغل عنه، ربما فكّر الناشر بينه وبين نفسه أنها قد تلقى حتفها فيما هي مستغرقة في تقييم رواية من سيل الروايات الرديئة التي تصل دار النشر، لكن هيهات أيها الوغد، ها قد جاءت روايتي لتستعيد الستينية زمام الأمور، فكما تعلمون أن الروايات الحقيقية بمقدورها أن تعيد الشيوخ إلى شبابهم كما بمقدورها في الوقت نفسه أن تجعل من الشباب شيوخاً، هذه عظمة الفن العظيم، يختصر الطريق، يصنع المعجزات، يولد الدموع في العيون المتحجرة، يسرق ابتسامة من الفم المزموم، يولد شحنة حنين في القاسية قلوبهم، يصلب عود المائعين، وهذا ما سوف تفعله روايتي بالسيدة.
في البداية ستنفض السيدة عنها الموت، فالدكتوراه، وعضوية لجنة القراءة وكونك حرم الناشر تعني أنك على قيد الحياة، لكن الإفاقة من الموت تستلزم جهدا كما تستلزم وقتا، فهناك خطورة لا شك من الإفاقة المفاجئة، غير أن لاوعي الكائن يتكفل بكل هذا الأشياء، فعند الصفحة عشرين ستتوقف السيدة عن القراءة، ستشعر بثقل في منتصف الصدر، الهواء النقي يبدو ملوثا لمن أعتاد على عوادم السيارات والعيش في المناجم مع أعضاء لجان القراءة والناشرين، لهذا ستعتذر السيدة وتعود إلى المنزل، ستحمل أفكاري إليه، لن تشعر السيدة برغبة في تناول الغداء بمفردها، تفكر أنها في حاجة إلى كائن ما يشاركها هذا الجمال، فإن أول ما يفعله الإنسان حين يتعرف على “الجميل” هو أن يتحول إلى قواد: انظروا لقد عثرت على هذا الجمال، أنا أول من اكتشفه، أنا ساعدته لكي يظهر إلى النور، لقد أزلت عنه التراب، لقد صقلته، وهذا ما نفعله عادة مع “الجميل” نرتب فوضاه، ننسق ملابسه، نقلّم أظافره، نزيل شعر عانته، هلم جرا يا صديق. تشعر السيدة لحظتها كما لو أنها أمي، تفكر أن تدعو صديقاتها إلى حفلة عشاء، تضعني خلف الستائر، وبينما يهم صديقاتها زوجات الناشرين وزوجات أعضاء لجان القراءة وزوجات المؤلفين بتقطيع الفاكهة إلى شرائح، تطلب مني بغتة أن اخرج عليهن. حينها سيقطعن أيديهن وتقول فيما الشر يتطاير من عينيها الحلوتين: ذلك الذي لُمْتُنَّني فيه.
نعم كتابتي تشبه يوسف في جمالها، والحمقاء تظن أن المؤلف جميل قدر جمال كتابته، هذا حقيقي، والأدهى أن المؤلف الجميل لابد وأن يكون أجمل من كتابته، ولذلك يعاود الكتابة مرة إثر أخرى.
ستعود السيدة إلى المنزل فيما كلماتي تسيطر على كل خلية من خلاياها، تعاود القراءة مرة أخرى، صفحة وراء أخرى تستعيد الشاعرة ذاتها من براثن النسيان، تتذكر معاني الكلمات التي فقدت معناها جراء عمليات الطبخ الأدبي ومراسم الاتيكيت، ينهض ما يصيبها بالتوتر الشديد لكنها لا تقوى على الاكتفاء، تذرع الغرفة جيئة وذهابا فيما تحمل الكتاب بين يديها، ترتفع الوتيرة في الرواية فيتسارع إيقاع رواحها ومجيئها، تشعر أنها تفقد اللجام، دوار شديد لكنها تكابد هذا الدوار، تسعى بين الحائط والنافذة، تتذكر كل شيء، تفهم كل شيء، تبصر أخيرا ما يحدث أمام عينيها كل يوم، تبكي بغزارة، نشيج وخوار، وفي لحظة ما تسقط على أرضية الغرفة، ثم تجد نفسها في المستشفى، محاطة بزوجها الناشر الذي يحمل باقة ورد، وأعضاء لجنة القراءة متحلقين حول سريرها كما يتحلق التلاميذ حول المسيح، يطمئنهم الطبيب أن الأمر لا يتجاوز كونه نوبة إرهاق. يطبع الناشر قبلة على جبين رفيقة الكفاح فيما تهمس في أذنه:
“لا تنسَ ان ترسل لصاحب الرواية التي كنت اقرأها رسالة:
نعتذر عن نشر روايتك، فهي لا تتوافق مع سياسات النشر في دارنا”.
*****
خاص بأوكسجين

