عشاء مع عماد أبو صالح
العدد 301 | 16 تشرين الثاني 2025
عبد الناصر باسل


يقول فوزي كريم في كتابه “القلب المفكر”: “الشاعر المُفكر شاعرٌ أخلاقيّ، لا كراهية لديه، لأن شاغله هو التباس الإنسان على الإنسان”.

يأتي عماد أبو صالح (1967) ليجعل اللغة غابة شرهة، تنادي على طيورٍ جارحة تتقن الاحتفال بصراخ الضعفاء في جحورهم وتعتلي منحدرات اللغة بإتقانٍ لا يصيبها وهنٌ ولا تحجب السماء طرقها العالية عنها.

كان لِعماد رأي آخر عن جدوى قصيدة النثر وانكشافاتها أمام المتلقي، حيث لم يحمل معه أساطير واشتغالات آبائه المؤسسين لقصيدة النثر، بل كأنه ابتدأ كل شيء منذ لحظة الصفر، فنزع عن الكلمات هيبتها المعجمية والأسطورية وراح يلاعب الكلام كأنه يغازل جارته بالسرّ من شرفة بيته في “المنصورة” وهو صغير.

يقول في قصيدة “قلوبهم خشنة.. لم يحُكَّها الحب” بلغة صادمة:

” لم يكونوا يحضنوننا

مثلما كنّا نتوهم

كانوا يثبتون لنا

أنّهم قادرون على تحطيم ضلوعنا

لو عصينا أوامرهم.

الآباء

الذين سعوا لإنجابنا

– بشغفٍ بالغ-

لكي لا يكونوا وحدهم

الذين تعقرهم الحياة”.

إن علاقة عِماد أبو صالح بالمعنى علاقة مضطربة، يبدو أنّه يصرّ على قتل اللغة المعهودة وخلق ما يمكن اعتباره ممرّات سرّية تؤسّس لمعانٍ تبدو للوهلة الأولى في غاية الاضطراب على مستوى الفكرة واللغة، فتارةً تراه يبصر العائلة عبئًا خطيرًا وكثيرًا ما يتقمصُ دور غريغور سامسا بطل كافكا في رواية “المسخ” فيجعل من ذاته زائدًا عن حاجة البيت، عن حاجة الغرفة الوحيدة في ذلك البيت الذي يضيق أكثر فأكثر على ضلوع عِماد وأحلامه الرماديّة.

في الحقيقة ليس لعِماد أية أحلام ورديةً كانت أو سوداء، هو يكتب فقط له وحده وكأنه اكتفى بالجدران أن تسمع شعره، من يدري ربّما لا يقرأ شعره بصوتٍ عالٍ، إنه يخشى أن يضيع خارج قلبه.الشعر

يفتتح ديوانه “عجوز تؤلمه الضحكات” (1997) بقصيدة “سُكوت”

حيث يتوقف العالم أمام عينيه بكامل عبثيته وإنسانيته وقذارته وطبقيته، كأن هذه اللحظة الصامتة هي المسرحية الأطول في التاريخ وشخوصها لا نهائيّون، كلُّ واحدٍ منهم يواصل التجمّد في موقفٍ دراميٍ يوميّ،

من هم جماهير ذلك المسرح؟

بلا شك، الأبطال هم المتفرجون على ذواتهم كيف تخشى من لعنات الآلهة، وحينًا تتوقُ رجلُ أحد الأبناء العاقّين أن تركل أمّه، لكنّ هذا المسكين لا يدري أن الزمن حائلٌ بينه وبين بطن أمّه، أو لعله كان قذرًا وركلها، يتمشّى عِماد بينهم كلهم ويدوّن بسخرية وغرابة:

“انظروا للصِّ الطيّب

الذي يرفضُ أن ينزعَ يدَه

من الخزينة”

 

“نعرفُ أن عاشقَين

سينتهزان هذه الفرصة

ليمسكا يديهما مدّةً أطول”

 

“ليس مجرّد صدفة

أن يظلَّ المجانين

– في هذا الوقت بالذات –

دون نوبة هيستيريّة”

يبدو لي أنه حدثت قفزة غير محسوبة الأضرار من زمن أنسي الحاج إلى الوقت الحالي وضاع بين الزمنين عِماد أبو صالح وأسلوبه الفريد في الدخول لقصيدة النثر بلا أسلحة أجداده ولغة الأوائل الوعرة، هو صنعَ أسلحة خاصّة ومجازاتٍ أقلّ احتفاء بالدهشة اللغوية لكنّها أكثر صراحةً وارتباكًا عند القارئ التقليدي للشّعر العربي، ربّما أفضل ما يمكن أن أنهي بهِ هذه القراءة السريعة في شعرية عِماد أبو صالح لتساعد على محاولة الدخول لعوالم جديدة، هو كلام الكاتب محمد السّاهل في كتابه (الآلهة لا تبتسم لمن يهمل القُدماء) يقول:

“القارئ العربي يشتغل بمنطق الجنديّ فهو يدافعُ عن المُعادِ من الجماليات لأنها تُشرّع للقارئ أبوابًا إلى كنوزها أو لأن كل الطرق تؤدي إلى باحتها، في حين يهاجم الحساسيات الجديدة لأنها لا تهَبُ نفسها لأول طارقٍ أو لأنها لا تطاوع إلا القارئ الملحاح”

*****

خاص بأوكسجين

 


كاتب من مصر