وطن يحفظ وجوهنا
العدد 286 | 29-4-2024
تماضر كريم


وحدها ملامحك كانت تطلّ من نافذة المطبخ، حيث شجرة النارنج في حديقة المنزل، بعينيك اللتين يصعب تحديد لونهما، كأنك تراقبني أعدُّ الفطور لأمي العاجزة وشقيقتي ذات المتلازمة (الداونية) الطيبة. في كلّ صباح أعيش تلك اللحظة الموجعة، تدعوني فيها لترك كل شيء والرحيل، إلى حيث نجد وطننا الحقيقي، الوطن الذي يحفظ وجوهنا وأسمائنا ويعانقنا كل ليلةٍ مثل أبٍ رحيم.

قلت لي تعالي معي، سنولد من جديد وتولد معنا جميع الأحلام المؤجلة، وتكتمل أنصاف قصائدنا المبتورة. هل تصدق أنني لا أذكر ماذا قلت لك! أذكر فقط أن عينيّ تورمتا من البكاء، فقد عدت إلى البيت بقلبٍ أجرد، كما لو أنك ضعت مني، ربما للأبد، وستصبح ابن المدن الغريبة الهادرة الباردة. كان ذلك هو اليوم الوحيد الذي لم أستطع فيه معانقة شقيقتي، آلمني ذلك فقد دفعتها برفق وأشحت بوجهي عنها، بينما كانت هي مبهوتة بفمها المفتوح وعينيها البريئتين. للحظة صغيرة واحدة كرهت أني عالقةٌ معها في هذه البقعة القاتمة من العالم، من دونك، من دون كفيك الأشبه بعصفورين من عصافير نخلنا في الجنوب أو رغيفين ساخنين من أرغفة أمي.

والآن هذه الصباحات تتوالى، مملة، ضاجة بصياح الباعة المتجولين، وهدير سيارة الغاز، وعمال النظافة.  كلّ شيء كما تركته تماماً؛ أنا وأمي وشقيقتي وحفنة من الحزن المتراكم وأشجار الحديقة الكالحة، والكتب المهجورة. لم يتغير شيء البتة، عدا أنني أفكر الآن باللحاق بك. لا يمكن أن أسحق رغبات هذه الروح للأبد، كل يوم أعد حقيبتي – هل تدري؟ – وأتفقد جواز سفري، ثم ألقي نظرة على أمي وشقيقتي وهما نائمتين؛ إنهما بحاجة إلى من يغطيهما، إذا صرتْ إلى جانبك لا أعلم من سيفعل ذلك! لكن لا يهم! علينا أحياناً أن نتحلى بالقوة الكافية، ربما حتى ببعض القسوة، سيعتني بهما الأقارب، ربما أخي وزوجته ذات الملامح العابسة، أو ربما دور المسنين والعجزة، دائماً هنالك حلول لهذه الأمور، أما قلبي المفعم بالحزن والحنين إليك، فلا حلّ له سوى قرار واحد، كلّ ما عليك فعله أن تنتظرني، إنهما نائمتان، مثل طفلتين، حتى عندما أصدرت صوتا وأنا أرتدي ملابسي لم تستيقظا، وعندما سحبت حقيبتي ذات العجلات الصغيرة، ظلتا ساكنتين ببراءة. إنها المرة الأخيرة التي أغطيهما، وأقبلهما، برائحتهما الطيبة، وتنفسهما المتلاحق السريع. خطر لي أن أضع قربهما قدح ماء، ولا بأس بأن أحضر دواء أمي، وأقرّب هاتفها ونظارتها وبعض المناديل، ومع خروجي عدّلت وضع كرسيها المتحرك وشالها القطني الأبيض.

على اليوم الأول أن يكون سهلاً عليهما! هيأت لهما الفطور، وأدرت مقبض الباب بيد لم أفهم سبب ارتعاشها، كنت أريد الرحيل، بكل جوعي للحياة الجديدة ولك وللوطن الذي لم نحظ به، لكن قدمي كانتا جامدتين، كأنهما تخشبتا، وأنا أسمع صوتها تناديني، ربما هي عطشى، أو متوعكة، يا إلهي، كان الطقس في الخارج مبهراً على نحوٍ غير مألوف، وصوتها ضعيفاً خائراً، ودموعي لا تتوقف عن الهطول.

*****

خاص بأوكسجين