جزيرة مهجورة أم منفى مسكون؟
العدد 286 | 29-4-2024
قيس الزبيدي


كانت حكمة هيغل “الحقيقة الملموسة” ترافق دائماً برتولد بريشت في منفاه في الولايات المتحدة، ويضعها أمامه على مكتبه معتبراً أنه من غير الكافي معرفة ما نريد قوله، بل علينا أن نمتلك الحيلة والدهاء لقوله، إلا أن المخرج والمسرحي جوزيف لوزي، الذي تعرّف عام 1946 على بريشت في أميركا وعاشا سوية في الشقة نفسها لشهور طويلة، كان يقترح عليه أن يستبدل “حيلة أو دهاء” بـ “موهبة أو عقل أو فن”.

وحينما تم استدعاء بريشت إلى واشنطن ليمثل أمام لجنة النشاط المعادي لأمريكا رافقه لوزي، وأمضيا كامل الرحلة وهما يتناقشان حول الاستجواب المخيف الذي ينتظر بريشت في اليوم الثاني. وفي يوم آخر رافقه أيضاً إلى طائرته التي أقلته هارباً إلى سويسرا، وليكون هذا آخر لقاء بينهما. وفي وقت متأخر كان لوزي من بين الأشخاص العشرة، التي شملتهم القائمة السوداء والذين منعوا من العمل ومن حماية القانون، بعد أن رفضوا الإدلاء بشهاداته أمام لجنة التحقيق المكارثية المتعلقة بالنشاط المعادي لأمريكا.

كان شعار لوزي: “يتوجب على الذين يعتقدون أن الفن ليس له وظيفة اجتماعية الذهاب إلى جزيرة مهجورة نموذجية”، ولأنه لم يذهب إلى تلك الجزيرة، فقد اضطر للذهاب إلى المنفى.

كتبت دفاتر السينما الفرنسية في عام 1963: “لوزي أولاً انكليزي في أمريكا وأمريكي في انكلترا وهو الآن أوروبي مئة بالمئة”. وعقّب لوزي في عام 1964: “أعيش في أوروبا بشكل دائم بعد أن أمضيت في انكلترا اثنا عشر عاماً متتالياً، أخرجت خلالها ضعف الأفلام التي أخرجتها خلال السنين الخمس التي عشتها في هوليوود”. وأضاف في عام 1977: “خلال 26 عاماً قضيتها في الغربة، أشعر بأنّي أمريكي لكني لم أجنِ من هذا الوفاء أي فائدة، بل العكس لم أحظَ سوى بالمتاعب، بينما قدمت لي انكلترا وفرنسا وأوروبا أكثر من وطني”: حصل لوزي على ثلاث جوائز اوسكار فرنسية “سيزار” والسعفة الذهبية في “كان”، وحصل فيلم “الخادم” (1963)، سيناريو هارولد بينتر، في أمريكا على أوسكار أفضل فيلم أجنبي، أما بريشت الذي عانى في المنفى هو الذي يقول في قصيدته الشهيرة “إلى الذين سيولدون من بعدنا”: “كنا نغيّر البلاد/أكثر من الأحذية”، وصمد حتى النهاية ليستطيع أن ينجح أولاً في تأسيس فرقته الشهيرة “برليننر أنسامبل” في برلين الشرقية وينشر مسرحه الملحمي الجديد الأكثر روعة في العالم.

بعد وفاة بريشت المبكرة كتب لوزي: “أنظر إلى قناع موت بريشت الموضوع على مكتبي بسخرية، وأظنه الأقل موتاَ بين الأموات الذين عرفتهم، فقناعه يشبهه عندما كان حياً. كان أكثر الناس معرفة بالمسرح وأكثر احترافاً من بين المحترفين. وتعلمُنا مسرحياته، مجتمعة، ذروة روح المسرح الذي يقوم بتجريد الواقع من كل ما يُزينّه، ليبتدعّه من جديد”. كما كتب لوزي عن التأثيرات التي مارسها بريشت على علاقته المباشرة بالسينما: “تجريد الواقع” و”تصعيد الواقع” و”إعادة بناء الواقع” بدقة، عن طريق انتقاء رموزه، لإظهار قيمته التامة وتزويد كل عين منفردة برؤية أوسع.

كانت رغبة الحياة لدى بريشت هدفه من النشاط الفني، لهذا دوّن في “اورغانونه”: “نعرف أن للبرابرة فنهم. لنصنع نحن فناً آخر”.

*****

خاص بأوكسجين

 


مخرج ومصوّر وباحث سينمائي. رائد من رواد السينما التسجيلية العربية، من أفلامه التسجيلية: "بعيداً عن الوطن""، و""فلسطين سجل شعب""، و""شهادة للأطفال الفلسطينيين زمن الحرب""، و""وطن الأسلاك الشائكة"". وقدّم روائياً ""الزيارة"" 1970 وهو فيلم تجريبي قصير، و""اليازرلي"" 1974 فيلم روائي تجريبي طويل عانى من لعنة الرقابة أينما عرض. من كتبه: ""فلسطين في السينما""، و""المرئي والمسموع في السينما""، و""مونوغرافيات في تاريخ ونظرية الفيلم""، و""مونوغرافيات في الثقافة السينمائية""."