بمزيجه الفريد بين البراعة الجسدية والحكمة الميتافيزيقية، واقتران ذلك بوفاته المأساوية المبكرة، يُعد بروس لي (1940 – 1973) فنان القتال والفيلسوف وصانع الأفلام الصيني الأميركي الأسطوري، أحد تلك الرموز الثقافية النادرة التي تظل قيمها وجاذبيتها عابرة للزمن، لتستقطب جيلاً تلو الآخر من المريدين.
استلهم “لي” مسيرته من المبادئ الأساسية لـ “وينغ تشون”، وهو فن قتالي صيني قديم عماده المفاهيم، تعلمه على يد معلمه الرسمي الوحيد ييب مان بين سن الثالثة عشرة والثامنة عشرة. وعندما غادر هونغ كونغ عام 1959، طوّر لي “وينغ تشون” إلى نسخته الخاصة التي أسماها “جون فان غونغ فو” (ترجمتها الحرفية: كونغ فو بروس لي) وعمل على نشرها في أميركا.
في عام 1971، وفي ذروة مسيرته المهنية، شارك لي في أربع حلقات من المسلسل التلفزيوني قصير العمر “لونغ ستريت” وفي إحدى هذه الحلقات، قدم استعارته الأكثر شهرة لـ “فلسفة الغونغ فو”، المستمدة من المفهوم الصيني “وو وي”. لكن هذا المقطع الشهير لا يفي الاستعارة حقها من حيث العمق، ولا يوضح شيئاً عن كيفية توصل لي إليها. ولحسن الحظ، ففي كتاب “بروس لي: فنان الحياة”، وهو مجموعة من رسائله وملاحظاته وقصائده الخاصة التي لم تُنشر من قبل، قدّم نظرة غير مسبوقة على فلسفته في الحياة وقناعاته حول الفنون القتالية والحب والأبوة، حيث يتتبع “لي” الفكر الذي ولّد استعارته الشهيرة، والتي جاءت بعد فترة من الإحباط جراء عدم قدرته على إتقان “فن التجرد” الذي كان ييب مان يحاول تلقينه إياه. كتب بروس لي:
“عندما تفاقم وعيي الحاد بذاتي إلى ما يسميه علماء النفس بنوع من أنواع (المأزق المزدوج)، اقترب مني معلمي مرة أخرى وقال: (حافظ على نفسك باتباع الانحناءات الطبيعية للأشياء ولا تتدخل. تذكر ألا تفرض نفسك أبداً ضد الطبيعة؛ ولا تكن أبداً وجهاً لوجه مع أي مشكلة، بل سيطر عليها من خلال التأرجح معها. لا تتدرب هذا الأسبوع: اذهب إلى البيت وفكّر في الأمر).
وهذا ما فعله، حيث أمضى الأسبوع التالي في بيته:
“بعد تمضية ساعات طويلة في التأمل والتدريب، استسلمت وخرجت للإبحار بمفردي في قارب، وحين وصلت عرض البحر فكرت في كل تدريباتي الماضية، فغضبت من نفسي ولكمت الماء! وفي تلك اللحظة تحديداً، خطرت لي فكرة فجائية؛ أليس هذا الماء هو جوهر (الغونغ فو) بعينه؟ ألم يوضح لي هذا الماء للتو مبدأ هذ الفن القتالي؟ لقد ضربته لكنه لم يتألم. ضربته مرة أخرى بكل قوتي، ومع ذلك لم يُجرح! حاولتُ بعد ذلك أن أمسك حفنة منه، فتبين أن ذلك مستحيل. هذا الماء، أرقُّ مادة في العالم، والذي يمكن احتواؤه في أصغر جرة، يبدو ضعيفاً فقط، لكنه في الواقع قادر على اختراق أصلب مادة في العالم. وجاء الحل! لقد أردتُ أن تكون لي طبيعة الماء.
“فجأة، طار طائر بجانبي وألقى بظله على الماء. وفي تلك اللحظة التي كنت مستغرقاً فيها بدراسة الماء، تكشف لي معنى خفي آخر بحس صوفي؛ ألا ينبغي للأفكار والعواطف التي تنتابني أمام الخصم أن تمر مثل انعكاس الطيور المحلقة فوق الماء؟ هذا هو بالضبط ما كان يعنيه البروفيسور ييب بـ “(تجرد) ، ليس بأن تكون بلا عاطفة أو شعور، بل إنساناً لا تكون المشاعر لديه “لزجة” أو متمنعة. وعليه، فإن سيطرتي على نفسي، تتطلب مني أولاً أن أقبلها بالسير مع طبيعتي لا ضدها”.
إن الظاهرة الطبيعية التي يراها ممارس “الغونغ فو” الأقرب شبهاً بمبدأ الـ “وو وي” يتمثل بمبدأ العمل العفوي الذي يحكمه العقل لا الحواس – كما الماء:
لا شيء في الوجود أضعف من الماء
لكنه حين يهاجم شيئاً صلباً
أو مقاوماً، فلا شيء يقوى على صدّه،
ولا شيء يثنيه عن طريقه.
توضح لنا تلك الأبيات المأخوذة من كتاب “تاو تي جينغ”، طبيعة الماء: فالماء متناهي الرقة لدرجة أنه من المستحيل أن تقبض على حفنة منه؛ اضربه ولن يتألم؛ اطعنه ولن يُجرح؛ اقطعه ولن ينفصل. ليس له شكل خاص، بل يشكّل نفسه وفقاً للإناء الذي يحتويه. وعندما يُسخّن يصبح بخاراً، يكون غير مرئي لكنه يملك قوة كافية لشق الأرض نفسها. وعندما يتجمد، يتبلور ليصبح صخراً عتيداً. تارة يكون هائجاً كشلالات نياجغرا، وتارة هادئاً كبركة راكدة، مخيفاً كالسيول، ومنعشاً كينبوع في يوم صيفي حار. هكذا هو مبدأ “وو وي”:
“الأنهار والبحار أسياد مئات الوديان، لأن قوتها تكمن في تواضعها (انخفاضها)؛ لذا فهي ملكة عليها جميعاً. وهكذا، فإن المعلم الحق الذي يرغب في قيادة الناس، يتبعهم. وبذلك، رغم كونه فوقهم، لا يشعر الناس بوطأته كأذى. ولأنه لا يصارع أحداً، لا أحد يصارعه”.
*عن موقع “مارجليان”
*****
خاص بأوكسجين

