تنحى الرجل جانباً أمام باب المطعم. أشار برأسه للصبي الذي كان ينظر إليه مستغرباً. قال له:
- ادخل.
يرتدي الصبي سترة عسكرية كبيرة بدت قديمة ومهترئة، كما لو أنه تلقفها من حاوية القمامة. توقف في منتصف الباب الذي يمسك الرجل درفته، ونظر إلى الداخل. قال له الرجل:
- ادخل.
سترة الصبي تغطي ركبتيه ونحو الأسفل قليلاً. دفع الرجل الصبي برفق إلى الداخل. تقدم الصبي خطوة واحدة ثم توقف.
هرع النادل من الداخل مسرعاً نحوهما، وعلى وجهه أمارات الغضب وكأنه جاهز للانفجار. قال الرجل للصبي:
- هيا ادخل ما بك.
ترك الرجل درفة الباب الأحمر ينغلق لوحده معلناً صوت الانغلاق. كان الصبي ما زال واقفاً. قال له الرجل:
- هيا أجلس.
لكن الصبي لم يستطع الجلوس. أشار الرجل برأسه ليطلب منه الجلوس. أومأ له بعينيه أن أجلس.
وأخيراً ضاج منه وقال:
- هيا اجلس يا ولدي.
اصطبغ وجه الصبي باللون الأحمر. التقط الكرسي الذي سحبه النادل ليجلس عليه. كانت تحت السترة العسكرية الكبيرة قميص ممزق متسخ يغطي صدره العاري. كان يمكن رؤية عظام صدره من خلال اسمال قميصه الممزق و هو يرتفع وينخفض بسرعة. قال له:
- هيا قرّب كرسيك إلى الطاولة.
نظر الصبي إلى الرجل ورسم على وجهه الذي ازداد احمراراً ابتسامة صغيرة مؤلمة.
دفع النادل الصبي هو وكرسيه إلى الطاولة. وقال له:
- هيا اسند ظهرك.
عدل الصبي جلسته وأسند ظهره. جمع النادل فتات الخبز الجاف المتناثر على الطاولة بقطعة قماش متسخة كانت في يده وأزاحها نحو كفه المفتوح. من ثم أخذ يده بشكل لا إرادي إلى خلف ظهره ليرمي ما بكفه خلف ظهره لتتساقط خلف قدميه.
أومأ الرجل برأسه وكأنه يلقي التحية على النادل. انتظر النادل. قال له الرجل وهو ينظر في عينيه:
- نود أن نأكل.. ماذا يوجد لديكم؟
نظر النادل إلى المطبخ في الأسفل كما لو أنه يريد أن يستطلع ماذا يوجد لديهم. وقال:
- من المشواات كفتة مشوية، شيش كباب، كستليته، كفتة على السيخ، بيض خروف، كلاوي.
- هل يوجد شيء آخر؟
راح النادل يفكر بشكل عميق محاولاً تذكر ماذا لديهم.
- دجاج مقلي، روستو بقر، لحم غنم مقلي، كواج، شاكرية بالحمص، كفتة متبلة، كبسة، أقراص لحم متبلة مع الأرز، فاصولياء جافة، بازلاء، سبانخ.
كان الصبي ينظر الى وجه النادل ذو الشاربين الرفيعين من دون أن يستوعب الكثير من الأطباق التي ذكرها النادل. عندما انتهى النادل من تقديم ما لديهم، التفت الطفل أولاً إلى الرجل الجالس أمامه، ثم أزاح عينيه بعيداً، وأسدل برأسه إلى صدره.
- ماذا تريد أن تأكل؟
ابتلع الطفل ريقه، دون أن يرفع رأسه. سـأل الرجل:
- ألا يوجد شاورما؟
أجابه النادل مندهشاً:
- هل سيأكل الصغير أيضاً؟
أجابه الرجل بصوت صارم.
- بالتأكيد سيأكل الصغير.
قال له النادل بنبرة المهزوم:
- بالطبع، سأذهب لأرى إن كان قد تبقى شاورما.
ذهب النادل. وعاد وهو يحمل طبقين أخذهما من الطاولات الخلفية، ووضعهما أمامهما بعدما مسحهما بالمنشفة المتسخة التي كانت بيده وقال.
- يوجد شاورما يا سيدي.
- احضر لنا وجبتين من الشاورما.
- هل يكون وجبة أم وجبة ونصف في كل طبق؟
- ليكن وجبة ونصف.
- أمرك يا سيدي.
- هل يوجد خبز مرقد؟ احضر لنا خبزاً مرقداً. ليكن الخبز ساخناً. لا تضع الخبز فوق الشاورما. أحضره بشكل منفصل.
- أمرك سيدي.
- وسلطة أيضاً، لتكن بالخس والجزر.
- سأعد سلطة لذيذة.
- ماذا ستشربون ؟ عيران أم ماء؟
- عيران.
- حسناً.
- هيا لنرى، لكن أسرع في إحضار الطلب.
انطلق النادل. وهو يحدث نفسه في طريقه. رفع الصبي رأسه قليلاً. رأى طرف ربطة العنق الذي زحف نحو الطبق الفارغ الموضوع أمام الرجل. كانت ربطة العنق تمتد بشكل مستقيم إلى الأعلى. في وسطها، كانت هناك ثلاث زهرات حمراء صغيرة. عند نهاية ربطة العنق، كان هناك ياقة قميص نظيف يميل إلى الاصفرار، وفوقها مباشرة، بدا عنق الرجل الوردي. جاء النادل حاملاً بيده كوبين زجاجيين ذات أعناق طويلة.
- الشاورما على وشك أن تجهز.
نظر الطفل إلى الشوكة والسكين الموضوعين إلى جانبي الطبق، نظر إليهما بتمعن، راح يقلبهما بين أصابعه. من ثم ترك الشوكة، وأمسك السكين اللامع بأصابعه المتسخة.
مسح حافة السكين بين أصبعيه، ثم مررها على سترته ليجعلها تلمع جيداً. قربها من وجهه ونظر في مرآة السكين اللامعة، ليرى طفلاً تحت أشعة الشمس بعينين كبيرتين.
ترك السكين وأخذ الشوكة. مسحها أيضاً بأصبعيه، وحاول تلميعها بسترته كما السكين. لكنها لم تلمع. راح يمرر أطرافها المدببة على يده، وراحت رؤوس الشوكة المدببة تترك على يد الصبي خطوطاً بيضاء. عندما رفع رأسه، رأى الدفء الودود في عيني الرجل. شعر بالخجل. أراد أن يبتسم. لكن الابتسامة تجمدت مُرة أليمة على وجهه الصغير.
بينما كان النادل يضع الطبق الطويل المخصص للسلطة المزخرف في المنتصف ببطيخ أصفر، وحبات الزيتون في الأعلى وشرائح الفجل الأحمر، بينما أعاد الصبي شوكته مرة أخرى إلى مكانها على الطاولة مستغرباً.
ثم راح يتابع ارتفاع منسوب العيران في الكوب الطويل أمامه. وقد امتلأ تماماً. ارتجف للحظة خوفاً من أن يفيض. لكنه لم يفض.
- حسناً، لنبدأ بالعيران .
مد كلتا يديه. ممسكاً بالكوب الأبيض بإحكام وكأنه يمسك حجر قد بإحكام. رفعه بحذر نحو شفتيه كي لا يندلق منه. ارتشف رشفة.
سأله الرجل:
- هل هو لذيذ؟
أومأ الصبي برأسه بمعنى نعم لذيذ.
من ثم أفصح:
- إنه لذيذ.
فرح الصبي لأنه لم يتلعثم أثناء تفوهه بهذه العبارة. أعاد الكوب إلى مكانه. أصابع يده تركت علاماتها الداكنة على الكوب. نظر الصبي مندهشاً إلى الطبق الجديد المغطى بقطع اللحم المحمرة التي وضعت مكان الطبق الفارغ أمامه. توفزت رئتيه من رائحة اللحم المحمر، ومعدته أيضاً. رائحة الخبز كانت مألوفة بالنسبة له. حسناً، لنبدأ في الأكل. رأى الرجل وهو يأخذ قطعة من الخبز ويضعها في فمه.
– هيا لا تدع الأكل يبرد.
مد الرجل يده إلى المملحة ورش الملح الناعم على قطع اللحم التي أمامه. نظر الطفل بعناية إلى الرجل وهو يأخذ شريحة اللحم الرقيقة بشوكة ويدفعها في فمه.
هو أيضاً مد يده إلى المملحة ورش القليل من الملح على شرائح اللحم. عض قطعة من خبزه. حاول أن يغرز شوكته في شريحة اللحم المسطحة أمامه، لكنه لم يتمكن. غرزها مرة أخرى، علقت الشريحة على طرف الشوكة. عندما أدرك أن الشوكة التي أخذها إلى فمه فارغة، وشريحة اللحم سقطت على الطاولة. حاول أن يأخذها بشوكته. لم ينجح. اضطر أن يمسكها بيده ويضعها على الشوكة، ويضعها في فمه. لقد نجح. لم تكن الابتسامة على وجه الرجل ابتسامة سخرية على الإطلاق.
وهو أيضاً ضحك. راح يمضغ قطعة اللحم في فمه بكل شهية.
- هل أعجبتك؟
أبدى اعجابه بابتسامة. كان يأكل هذا النوع من الطعام لأول مرة في حياته. كان له طعم مختلف. حاول أن يستخدم الشوكة ثانية لكنه فشل . لم يستطع تثبيت شريحة اللحم على طرف شوكته. كان يغرز شوكته في شريحة اللحم. وعندما يسحبها تكون خالية الوفاض، بينما شريحة اللحم تبقي في الطبق مرة أخرى.
قال له الرجل وهو ينظر الى يديه بخجل:
- كل كما يحلو لك. كل بيدك. لا تهتم.
ترك الصبي الشوكة جانباً وراح يأكل بيده. الآن يستطيع الأكل بسهولة. وضع شريحة لحم صغيرة بجانب قطعة خبز كبيرة ودفعها في فمه.
- خذ من السلطة أيضاً.
- بيدي؟
- نعم بيدك.
لم يتلعثم الصبي ثانية. مد يده وأمسك بقطعتي خس ودفع بهما في فمه.
- اشرب من العيران أيضاً.
شرب الصبي من العيران. كان الصبي يمد يده نحو شريحة لحم صغيرة بعد كل قطعة خبز يضعها في فمه، تقلص الخبز بسرعة لكن اللحم في الطبق لم ينقص أبداً. ملأ الرجل كوبه الفارغ من العيران. وشرائح اللحم في طبقه على وشك النفاد. كان يستخدم شوكته ببراعة، يثبّت قطع الخس الكبيرة بسهولة، ويمضغ ما في فمه بسرعة ويبتلعه.
- أكثر من اللحم وقلل من الخبز أثناء أكلك.
يبدو أن معدة الطفل قد امتلأت. ألقى شريحة لحم أخرى في فمه. كان الرجل يمسح طبقه بالخبز الذي في يده. كما أفرغ كوب اللبن في جرعة واحدة. مسح فمه بمنديله وأشعل سيجارة طويلة رفيعة. بينما كان الطفل يمضغ بلا توقف. وكلما مضغ، كانت الأشياء في فمه تتضخم، وتكبر ككرة الثلج. كان يشعر بألم في جزء من معدته. لم يستطع ابتلاع ما في فمه.
أتكأ الرجل إلى الوراء.
- هيا أنهِ ما في طبقك. سنأكل الحلوى أيضاً.
راح الصبي يمضغ باستمرار. وأمسك بشريحة لحم وراح يهرسها بكلتا اصبعيه حتى تفتت. في النهاية، تمزقت شريحة اللحم. تلاقت أصابعه من خلال ثقب واسع ظهر في شريحة اللحم. أدخل سبابته من خلال الفتحة. أطراف أصابعه تبللت وأصبح لونها وردي من شدة ما لعقها.
- دع الخبز جانباً وكل اللحم قليلاً.
سقطت شريحة لحم من يده إلى حضنه، ومن هناك تدحرجت إلى الأرض. نظر حوله بخوف.
- دعها تسقط، ولا تهتم، انظر إلى طعامك.
تعلم الطفل أيضاً أن يتجاهل سقوط شريحة اللحم. مد يده إلى شريحة لحم أخرى. كان الرجل متكئاً على ظهر الكرسي الذي سحبه للخلف، راح ينظر إلى قدمي الطفل اللتين تتأرجحان تحت الطاولة. كانت قدما طفل وقد زحفت خارج الحذاء المبلل والمهترئ. قدماه تتراقصان باستمرار في الفراغ. قدماه كبيرتان قياساً بعمره. رأى كيف انحنى إلى الوراء، وفتح ذراعيه على جانبيه. كان يبدو مثل دمية صغيرة داخل معطفه العسكري الرث الكبير. كانت شرائح اللحم المسطحة في الطبق أمامه قد بردت وتيبست.
كان كأس العيران ناقصاً بمقدار أصبعين. بينما الخبز قد تفتت منذ فترة طويلة.
- لمَ لا تأكل يا بني. أدرك الرجل مدى خجله من نبرة صوته. نظر الطفل في عيني الرجل وفمه منتفخ. كانت أذناه قد ازدادت حمرتهما.
- لقد شبعت.
كان سعيداً ثانية لأنه نطق عبارته دون أن يتلعثم.
- دعك من الخبز الآن، ليتك لو أكلت شرائح اللحم على الأقل.
نظر الطفل إلى شريحة اللحم المتجمدة والمتيبسة في يده بتردد.
- ألم يعجبك الطعام ؟.
حاول الصبي أن يبعد نظراته المشبعة وكأنه اقترف مصيبة. بينما حاول الرجل أن يتجنب النظر إلى الطفل كي لا يخجل أكثر. مجموعة مظلات تتراكض خلف زجاج واجهة المطعم هرباً من زخات المطر. نظر بطرف عينه الى الصبي وهو يترك شريحة اللحم ويأخذ قضمة خبز أخرى.
- هل نرغب بأكل الحلويات؟
تململ الصبي.
- أنت لم تحبها. دعها جانباً. وكل من الحلويات.
طرق الرجل الطبق بالشوكة ونظر باتجاه النادل.. كان الصبي ينظر نحو النادل قلقاً. قفز الصبي متوتراً في مكانه من الخوف.جاء النادل مسرعاً من مكان ما.
ما الحلويات الموجودة لديكم ؟
- بتيفور، عش البلبل .
- غير ذلك ؟.
- مهلبية، أرز بالحليب.
وجد الرجل نفسه يسأل النادل والصبي يحدق به مستغرباً وقد تضخمت اللقمة في فمه. شعر الرجل بندم شديد. كان يجب أن يطلب الحلوى التي يعرفها:
- ألا يوجد بقلاوة ؟
- لم يتبقَ، سيدي.
سمع ما قاله الصبي وهو يقول متلعثما:
- لا أستطيع الأكل أكثر.
قال له النادل:
- كل يا هذا طالما وجدت من يطعمك.
وضع الرجل يده على الطاولة. قفز الطبق الفارغ أمامه. قال له:
- أحضر الحساب.
ارتعب الصبي كثيراً. بينما ابتعد النادل مسرعاً. كان الطفل يتململ، ووجهه يزداد شحوباً . قبضتا يديه مشدودتين وذراعيه متوترتين. لم يستطع الثبات في مكانه. كان ينظر إلى الرجل بخوف وهو يرتعش. جاء النادل مسرعاً. وترك الطبق الأبيض الصغير الذي يحمله أمام الرجل متردداً. تراجع خطوتين وانتظر. رأى الصبي سلة المهملات بمحاذاة الورقة المطوية في الطبق. أخذ الرجل الورقة المطوية بتأني، نظر إليها، سحب بعض الأوراق النقدية من محفظته السوداء اللامعة ووضعها في الطبق، ودفع الطبق إلى النادل..
أخذ النادل الطبق واختفى بهدوء. كان الطفل يتململ باستمرار. خاف الرجل. كانت عينا الصبي جاحظتان من الخوف. كان يخفي في فمه وخلف شفتيه المزمومين لقمة لم يبتلعها بعد.
- هل نذهب؟.
قال الرجل عبارته وهو قد نهض فعلاً. كان الطفل يرمش بعينيه وينظر إلى الرجل.
- هيا يا صغيري.
حاول النهوض ووجهه ازداد شحوباً. مد يده نحو قطعة الخبز المتبقية. نظر إلى الرجل بخوف.
- خذ، خذ، قال له الرجل. أمسك الطفل بقطعة الخبز المتبقية، ودسها بين ثنايا أسمال سترته العسكرية البالية. أراد أن ينظر إلى الرجل بحب. تضخم وجهه، وانتفخ قلبه، وجحظت عيناه، وفجأة أفرغ كل ما في جوفه على غطاء الطاولة الأبيض وهو يتألم.
*****
خاص بأوكسجين

