عن المدن العائمة في الذاكرة: البحر يكتب قصيدته الأخيرة
العدد 294 | 25-5-2025
إيمان محمد


هذه المرة أنا الزائرة، لستُ بقاطنة. لم تكن الوجهة “سيدي جابر” حيث مضت بي السنون، بل فندق أثري في محطة الرمل. في اللقاء الأول، لم أجرؤ على المشي ناحية البحر. شيءُ ما في صدري أراد أن يخرج كلما ظهر لي البحر بين الشوارع الفرعية. مشيت بين الزواريب متجاهلةً ظهوره، تصلني رائحته الممزوجة بالملحِ والنسيم، كانت النفحات الباردة تداعب وجهي، تُنعش روحي رغم حرارة الجو. لحظة مثالية لنفسٍ عميق.

قادتني خطواتي إلى مقهى كنت أجلسُ فيه بعد يومٍ طويل في الكلية. أشربُ القهوة وأتأمل من نوافذه المشرّعة، شكل الحياة الحافلة بالأحداث. من هناك، كنت أنتظر “الترام” المؤدي إلى وجهتي. تلك اللحظات كانت نوعًا من المصالحة المؤقتة مع معارك دراسية وليتها ظهري.

ذلك المقهى البسيط، بجدرانهِ المتهالكة وطلائه القديم الذي تشقق بفعل الزمن، احتضن كل لحظاتي. الكراسي الخشبية المصبوغة بالأزرق النيلي، والطاولات الداكنة التي توزّعت بشكل عشوائي، كانت تحمل آثار أكواب روّاد المقهى على مر السنين. لطالما شعرت أن هذه العلامات تحمل رسالة شجيّة من أصحاب المكان: “أهلًا بك في الإسكندرية”، حيث الأزرق والبني، البحر والرمل، والإنسان الذي يمتزجّ بالألوان التي تهدأ لها نفسه.

الجدران كانت مزينة بصور قديمة باهتة لفناني مصر العظماء. إحدى لحظاتي الممتعة هي محاولة تخمين هوية أصحاب الصور، حتى يلتبس عليّ الأمر فأهرب إلى أفكاري. في وسط الجدران، نافذة كبيرة مشرّعة تُطل على الشارع المزدحم، كانت تُدخل الهواء المشبّع برائحة القهوة الطازجة وأصوات المارة. إلى جانب لمحة من زُرقة البحر التي تظهر خلف قسوة الإسمنت. حين أُطل برأسي إلى الأسفل، تخطفُ بصري حديقة غنّاء من الألوان الزاهية، نعم إنهم البّاعة الجوالة، بعرباتهم الخشبية الضخمة، حيث تتكدّس أنواع مختلفة من الفواكه والخضار، ويحرص كل بائع على ترطيب بقعته بالماء، فتتباين الألوان بشكلٍ مُلفت، سواد الأرض بعد ارتوائها، ولون البرتقال، الفراولة، الكرز، والفلفل الرومي بأنواعه المختلفة.

أجلس على الكرسي المصبوغ بالأزرق، يشبه تمامًا الكراسي الموجودة في المقاهي الشعبية، كان يصدر عنه صريرٌ خفيف مع كل حركة، لكني، وبفعلِ الاعتياد، لم أعد أسمعه. طلبي الدائم: قهوة تركية بدون سكر، لتعيد إليّ الهدوء بعد يومٍ طويل في المستشفى. كانت أغاني أم كلثوم تنساب بصوتٍ خفيض من مذياع قديم في الزاوية. تمتزج تلك الألحان مع ضحكات الأصدقاء المتناثرة في الأرجاء، ونقاشاتهم الشغوفة حول أحلامنا التي كانت يومًا ما تبدو قريبة، قريبة لدرجة أنني شعرت أنني أستطيع لمسها بيدي.

في ”سيدي جابر“، حيث الشقة التي عشتُ فيها، أصحابها أم ماجد وزوجها الطيّب، العجوزان القبطيان اللذان أنارا عزلتي قبل أن أفعل ذلك. كان ير قّ قلبي لها حين أزورها لدفع الإيجار، أشعر أنها تذبل كل مرة؛ صوتها يخبو وحركتها تتباطأ، لكنها رغم ذلك تأتي لاحتضاني وضيافتي. كنت أغضب من نفسي أحيانًا حين أحاول التملّص من هذه اللقاءات الطويلة، لأني أرى السعادة تتوهج في أعينهم لمجرد زيارتي العابرة. كنت أغيّر روتين زوجين يعيشان وحدتهما في مثل هذه السن، أبناء مغتربون، ليل طويل بلا صخب، وأيام متشابهة -كما كانت تقول- حين أسألها عن حالها.

كنت أجلسُ في الصالون الذي يعجّ بالصلبان وتماثيل مريم العذراء، براويز متعددة للأبناء والأحفاد، وصورة ضخمة للزوج حين كان ضابطًا في البحرية. أتأمل لوحة “العشاء الأخير” المعلقة في المنتصف، والأثاث الكلاسيكي الذي يشبه أفلام الثمانينيّات، وأقتفي أثر الحياة التي كانت هنا يومًا.

لطالما نبّهتني أم ماجد أن شبابيك الغرف عندي مغلقة أغلب الوقت. كانت تنصحني بفتحها كل صباح كي يغمرني هواء حقيقي. وفي بعض الأحيان، كانت تتصل لتطمئن إن كنت أنا من دخل الشقة بعد عودتي من السفر. تدريجيًا، أصبحت أشعر بمسؤولية أن يزعج هذا الضوء، الجهة المقابلة لسكان العمارة. كنت أطفئ كل الأنوار، عدا الممر، أمشي في الشقة الفارغة وتنساب عند قدماي المتباطئة، ظلالي. رغم محاولات أم ماجد الحثيثة في التواصل، إلا أنني كنت أرنو إلى العزلة التي طاردت طيفها في النهار. ليبدأ معي ليلًا جديدًا، بلا نهاية واضحة، حيث يعود كل شعور تائه إلى مكانه الصحيح.

حين أشعر بالضيق كنت أذهب إلى البحر على قدمي، يبعد عني مسافة عشرة دقائق. أخرج من شقتي الصغيرة إلى رحابة البحر، بهذا الفعل، كنت أُهدي رئتي ما كانت تصبو إليه. لم أكن أتخيل أن أحب البحر بهذه الطريقة، لطالما كان شيئًا عابرًا في المدينة التي وُلدت فيها، رؤيته كانت تذكرني بعجزي عن الاندماج به والتحرر أمامه، هذا الشعور الغريب بعدم الانتماء، أو الشعور الطاغي أني موجودة في بلادٍ أخرى ظل يكبر فيّ، في الحقيقة، الأمر لا يتعلق بالعائلة، إنه المكان، الذي يحكّ جلدي، ويخبرني أنه يجب علي الانتقال كثيرًا حتى تهدأ روحي. هنا في الاسكندرية أو ماريّـا -كما يحلو لعشاقها تسميتها-، الأمر مختلف، عرفت شكلًا آخر للون الأزرق، بكل تدرجاته، كنت أظن أني سأعتاد الأمر. أمرّ من خلاله كل يوم، لكن قلبي يبتهج في كل مرة، إنها سلسلة غير منتهية من الشَهَقَات الصغيرة التي تملأني عند رؤية البقعة الزرقاء الممتدة للسماء.

حين وصلت إلى المقهى، جئتُ إليه وأنا أحمل الحنين في يد، وفي اليد الأخرى شوق ساكن، حتى لا يراني خالية اليدين. جلست في نفس الطاولة. لا شيء تغير عدا النادل. قاموا ببعض الترتيبات في أرفف الكتب، زادوا طاولة لبيع المقتنيات اليدوية، وهناك عبق حزين تعثّر بي قبل أن أُدركه.

تأملت المكان. شعرت أننا نُحمّل الأماكن أكثر مما تحتمل. صنعنا لها مجدًا خياليًا يطوف في أذهاننا. أبصرَت أعيننا الغضّة الشعور أكثر من تفاصيل المكان. اخترنا ما نريد لعقولنا أن تحتفظ به إلى الأبد، وتركنا الصورة الأكبر حبيسة الأيام. عادت موحشة وباردة؛ ذكرياتنا وحدها من كانت تنعشها.

كنت أستمع إلى موسيقى عمر خيرت. اختيار عشوائي، لكنه كان يتناغم مع اللحظة. تأملت الشارع وكأني المتفرج الوحيد، صوت السيارات المتعاقب مع الموسيقى جعلا عقلي يهدأ. حين رأيت أفواج الطلبة يسيرون في الشارع المجاور للكلية، حاملين معاطفهم البيضاء، تساءلت: هل أحلامهم بيضاء مثل معاطفهم؟ أم أن الأيام لطختها بالواقع الذي ارتطم بهم بُغتة؟

ذكرتني الإسكندرية بنفسي التي أضعتها. كنت أعتقد أني تحولت إلى كائن لا يطيق الجلوس وحده. العودة هنا جعلتني أدرك أني كائن معجون بوحدته، يحملها كعباءة دافئة أينما حلّ، لكن البقعة التي عشتُ فيها لم تساعدني على ذلك؛ جعلتني كائناً يفزعه الصمت الطويل. كنت أهاب مواجهة التفكير فيما مضى، ظننت أنني إذا فعلت، سأفتح جراحًا قديمة، إلا أن الإسكندرية همَست لي أنها النور الذي يخترق سواد الذاكرة، يكشف كل شيء على حقيقته، حتى الألم الخَفي. هذا التصالح جعلني أشعر بالأمان، وأطمئن لفكرة العودة كزائرة مُخلصة.

تُوشك الرحلة القصيرة على الانتهاء، ها أنا في مقهى تريانون. أجلس في انتظار السيارة التي ستقلني إلى المطار. أتأمل شكل هذه العودة المليئة بالحنين لروح قديمة، تركتها هائمة في الطرقات، فتيّة، غير مبالية إلا بعالمها. إنها العودة بعد غياب أعوام، الغياب الذي كان منحوتاً داخل مكعبات إسمنتية، لا شكل واضح للحياة فيه، لا أعرف كيف نجوَت، نسيت شكل المشي بطريقة عشوائية في أي مكان وزمان، لذة العيش استقامت بعد أول خطوة خطوتها في شوارع “ماريا“، نهلتُ من طرقاتها عبق الحرية، وسمحت لنفسي أن تضيع في تفاصيلها كما كنت أفعل في الماضي. الآن، وأنا أستعدّ للمغادرة، أدركتُ أنني لا أترك هذه المدينة خلفي، بل أعود إلى ذاتي، إلى ذلك الجزء الذي ظننته تلاشى في الزحام، حيث تنكشف لي الحياة بحقيقتها المعقدة والبسيطة معًا، دون الحاجة إلى تفسير.

*****

خاص بأوكسجين


كاتبة من مصر