الطفل و الماتش
العدد 297 | 22-7-2025
عادل حامدي


الذي يعرفه الطفل الآن وقد قُضي أمر “الماتش” الحامي، أنه ما كان له أن يلقي بنفسه، بحجمه المتواضع وبنيته الهزيلة، في تلك القاعة الغاصة بالناس في يوم “الماتش” المصيري، ويتخذ لنفسه موقعاً متقدماً أمام جهاز التلفاز الصغير الذي يبث المباراة، ويعرض قفاه للصفع المتلاحق من الشاب المتعصب الذي يجلس خلفه. لقد حجب رأسه عنه متابعة المباراة على الشاشة، وهو يصرخ بصوت حانق:

  • وطّي راسك يا خرا خنشوف …

كانت قاعة متوسطة الحجم في معهد ثانوي، ليلتها، ليلة المباراة النهائية. تدفقت نحوها حشود من التلاميذ المقيمين، وحشود أخرى من المراهقين المقيمين في الجوار، لكن رغم الأولوية المنطقية للتلاميذ ليجلسوا في المقدمة فإن الجموع في النهاية اختلطت، فلم يعد ممكناً تمييز من هو تلميذ ممن هو قادم من الجوار .

كان توزيع الكراسي عشوائياً شديد السوء، عدا أن القاعة ليست على مستوى واحد، والقاعة ليست مدرَّجاً. المحظوظ هو من جاء مقعده على مسافة خطوة من الجهاز الموضوع على مصطبة منخفضة، إذا لا سبيل للحصول على مشاهدة متصلة إلا بإحناء الرأس أكثر من اللازم أو رفعه فوق اللازم، ولا راحة في الحالتين. ناهيك عن الازدحام والصياح.

حشر الولد نفسه في القاعة، وتابع “الماتش” بعين الشغف، بينما خصص الثانية للحرص، وهو يتفقد دراجته التي ركنها حذو الرصيف، مسكوناً بهاجس أنها قد تُسرق في أية لحظة وهو يتابع المباراة، لكنه كان واثقاً من أن ذلك لن يحدث، طالما أنها على مرمى بصره.

الرجل الذي خلفه كان طويل القامة، لكن مقعده منخفض جداً. والآخر الذي بجوار طويل القامة على عكسه تماماً، شديد القصر يكاد يكون قزماً، ونظراً لموقع الطفل الغريب، فإن قامته غطت مجال بصرهما وحالت بينهما وبين مشاهدة مجريات المباراة، فتآكلهما الغيظ.

  • وطي راسك يا خرا خنشوف…

عاد الطويل فشحطه وهو يلوح بإصبعين، مهدداً. أحنى رأسه منصاعاً، فلم يعد يرى شيئاً. في تلك اللحظة انفجر الجمهور:

– هوووووووببب

غاص رأسه في الحشد ثم عاود رفعه بمنتهى الصعوبة، وكلّه خشية من شحطة جديدة، فأحس بوخزة مؤلمة في جنبه أتته من ناحية القزم:

– بعّد راسك نعن مك… خنشوف…

– هدف؟

-لا.

رد صوت من أحشاء الجمهور الذي وجد صعوبة في الاستماع إلى تعليقات المذيع، لانخفاض صوت التلفاز أو بعدهم عنه، وغياب مكبر صوت، علاوة على عدم مشاهدتهم شيئاً، وبالتالي فإنهم يسألون عن التفاصيل من جيرانهم المتقدمين عنهم، وكل ذلك ناجم عن غرابة توزيع المقاعد على هيئة هرمية في جزء منها وهيئة حلزونية في جزء آخر .

– ضربة جزاء؟

– لا…

في تلك اللحظة أمال الطفل رأسه باحثاً عن دراجته المركونة حذو الرصيف، فلم يرها. تطاول برأسه بحثا عنها، فوجدها مرمية على الرصيف. سكن وجيب قلبه واطمأن إلى أن أحدهم مرَّ مسرعاً واحتكّ بها فقلبها. “لم تذهب، دعها هناك…” قال لنفسه، “لن تغيب عن بصري الآن”، وانتفض بعنف راداً رأسه إلى الوراء، ليستعيد حقه في المجال المخصص لهذا الرأس، فإذا بشحطة عنيفة تنزل على مؤخرة عنقه جعلته يهمد في مكانه.

ظل هكذا في موضعه لمدة لا يعرفها، بينما أطوار كثيرة من “الماتش” تنقضي وتمر، وعينا الطفل مسددتان نحو دراجته الملقاة فوق الرصيف. لو أعاد رفع رأسه ليتابع المباراة، لما عادت العين التي تراقب الدراجة تبصر غير الشخص الذي يجلس على يمينه ولا يكف عن الاهتزاز تفاعلاً مع أطوار المباراة، أما العين المثبتة على الشاشة، فكانت قد امتلأت بالزّغللة جراء الصفعات والوخزات والدفع ودخان السجائر التي اجتاحت جو القاعة.

  • بطاقة حمراء…

اهتزت القاعة بالزمجرة.

  • صرنا أحد عشر مقابل عشرة… يا سلام!

أمال الطفل رأسه محاذراً، لاحت لعينيه فرجة صغيرة تحت ذراع من كان جالساً على يمينه، شاهد من خلالها دراجته نائمة. فكر أن يخوض في الزحمة ويخرج ويعيد ايقافها حذو الرصيف، ليكون سهلا عليه رؤيتها من مكانه وسط الزحام، فخنقه المعترك ولم تتسن له الحركة.

كان الهدير يشق سماء القاعة. الموضع المرتفع قليلاً الذي أتاح له أفضلية المتابعة انقلب لعنة عليه. لا حق له الآن في رفع رأسه ليشاهد، لأنه سيغطي على الذي خلفه، وهذا الذي خلفه لن يتردد في وخزه وصفعه ليبعد رأسه اللعين، كما لن يسمح له بأن يتحرك أصلاً، فلو تحرك من مكانه يريد الخروج، لغطّى تباعاً على من وراءه، وأشبعوه وخزاً وشحطاً ودفعاً وسباباً، وإذا نجح في أن يخرج، فلن يسمحوا له بأن يخترقهم مرة أخرى في طريق العودة، ويدعوا له أن يضيع عليهم لحظات ثمينة من عمر “الماتش”.

لكنه وهو في مكانه لم يعد ير شيئاً؛ لا المباراة على الشاشة ولا دراجته الممددة على الرصيف. صرخ من موقعه المنحصر بين المقاعد الذي بات أشبه بالجحر:

– دراجتي.. شوفها بالله.. هل هي هناك؟

-إنها هناك…

رد عليه صوت لا مبالٍ.

مدَّ الطويل الذي خلفه إصبعين في وجهه مهدداً!  كانت لحظة الذروة، لحظة الاحتكام لضربات الجزاء.

  • إياك أن تتحرك وإلا…

صرخ القزم وقبضة يده ترتطم بطرف رجل عملاق أخذ مكانه إلى جانب الطفل:

–  وطّي راسك يا محمد العسكري.

– ضربات الجزاء…

رد العملاق ذاهلاً. لم تفته ثانية واحدة من “الماتش” ولا يريد أن يضيع ثانية منه، فهو عملاق وله الأفضلية.

– هل أنت منفذ ضربة الجزاء، وتخشى أن تضيع لو زاغت عيناك لحظة عن الشاشة؟ وطي راسك ها عبد الفز!

– اصمت أنت.

رد العملاق وابتلع اللكمة كأنها لمسة من عاشق. كانت أطوار “الماتش” قد استغرقته كلياً، فلم يعد يشعر بشيء.

امتلأ الطفل بشعور الضآلة، مد يده ومسح عينيه، فرأى من خلال الأجساد التي تهتز فوق المقاعد، والأذرع التي تلوح بجنون، والأقدام التي ترفس، اثنين من رفاقه وقد خُصّا بمقعدين أمام التلفاز مباشرة، فكانا يتابعان المباراة براحة تامة، ولم يكن أحد منزعجاً منهما، لأنهما اتخذا موضعيهما في مكان منخفض تماماً عن مستوى بقية المقاعد، فلم يحجبا الرؤية عن أحد.

هبط من مقعده، فضاع جسده في غابة من الأقدام، لكن بصيصاً من الشاشة ظلّ يصل لعينيه من فَرجة تشكلت عشوائياً من خلال الأقدام المتحركة دون انقطاع.

مرت أمام عينيه لمحة خاطفة للاعبه الشهير يرفع الكأس، فوضع يده على طرف أول مقعد لامسه ورفع جسده بخفة لينتصب فوقه والنشوة تهز كيانه. يجب أن يراه، يجب أن يرى لاعبه المفضل يرفع الكأس ليشبع نشوة وشماتة وغروراً. إنه نصره هو…نصره الشخصي. فكّر أن اللاعب الشهير لم يكن يلعب إلا من أجله، وأنه وهو يرفع الكأس لم يكن يعني غيره بتلويحة يده المنتصرة.  كان يناديه من خلف الشاشة، وأحس بوخزٍ، أشد إيلاماً من كل الصفعات والوخزات التي تلقاها في ساعته هذه، وخز إحساسه بأنه مقصر في حق لاعبه المفضل، وأنه لا يرد له الجميل كفاية لقاء ما قدمه من جهد وما أهداه من فرحة، فراح يصعد، ولامست ساقاه طرف المقعد، وأوشك على الانتصاب فوقه، لكن شحطة أخرى نزلت على قفاه..

  • بعّد بدنك يا خرا.. راك تغطي علينا.

رجع الطفل لصوابه، وفكر بيأس في دراجته. لا شك أنها قد سُرقت، فقد ابتعدت عن عينه أمداً كافيا ليأتي السارق ويفر بها دون عناء، أين هي الآن؟ إنه لا يراها، الآن وهو يعاود التّدحرج للأسفل لم تدر بخلده غير فكرة واحدة، وهي أنه وطيلة زمن “الماتش” لم يكد يشاهد شيئاً منه، وأن جسده كان الكرة التي يدحرجها الجمهور يميناً ويساراً، وأن أكثر من سجل أهدافاً هو الذي سدد له أكبر عدد من الشحطات في قفاه والوخزات في جنبه. مضى مهزوماً وراح يحبو بين الأقدام نحو الباب، ثم شرع الجميع في مغادرة المكان وهم سعداء. وحده هو لم يكن سعيداً، وسرعان ما أصبح الأشد شقاء حين لم يجد دراجته على الرصيف، وراح يجهش بالبكاء. إن لاعبه الشهير الذي فاز بالكأس سيعرف ما حلّ به وسيبحث عنه ويشتري له دراجة جديدة لقاء وفائه له.

خفّت الزحمة وشرع الطريق يقفر. راح الطفل يبحث بجنون عن الدراجة. بحث عنها خلف المبنى وأمامه، على يمينه وعلى يساره. سأل حارس المبنى، فرد عليه بتوبيخ عارم:

-تأتي لتتفرج على الكرة وتترك دراجتك في العراء؟ تستأهل ما حصل لك.

مضى نحو البوابة ودموع اللوعة على الدراجة تنصب من عينيه. هناك شعر بوخزة في جنبه، لم تكن هذه المرة آتية من شخص يجلس خلفه ولا كانت خيالا سكنه. كان رفيقاه اللذان شاهدهما في مقدمة القاعة يمسكان الدراجة ويسلمانها له .

– هل كنت تظنها لا تُسرق؟ كانت أنظارنا طوال الوقت مصوبة عليها. أمّا أنت فلا نجحت في التفرّج على الماتش ولا أفلحت في مراقبة دراجتك.

عادت إليه الروح. احتضن رفيقيه وقبّلهما بحرارة، ثم أمسك الدراجة واعتلى مقعدها، ودعا الولدين ليركبا معه، فجلس الأول فوق المقود ورجلاه تتأرجحان في الهواء، بينما أخذ الثاني مكانه فوق الصندوق الذي يعلو العجلة الخلفية، ودرج الجميع آخذين سمتهم في الظلام نحو المنزل.

*****

خاص بأوكسجين

 


كاتب من تونس