“الدوّار الجنوبي”: رجال المعلّم مروا من هنا
العدد 297 | 22-7-2025
أوكسجين


صدر عن “محترف أوكسجين للنشر” للروائي السوري مفيد عيسى أحمد، رواية بعنوان “الدوّار الجنوبي”، اتخذت من دمشق ثمانينيات القرن الماضي مجالها الحيوي، ومن السلطة ورجالتها والمجتمع الذي تأسس حولها بؤرتها الدرامية.

لا تحدد الرواية تاريخ أحداثها، والخلوص إلى أنها تجري في الثمانينات، نابع من الأحداث والوقائع، وطبيعة الشخصيات التي ستكون في جلّها قادمة إلى العاصمة السورية من قرى بعيدة، تنتمي للقوات والسرايا التي يقودها “المعلّم”، فهو القائد الملهم والضابط واسع السلطة والنفوذ، الممسك بكل مفاصل الدولة، العسكرية والسياسية والأمنية، وصولاً إلى الاقتصادية، فالتجار وزعماء العشائر يشاركونه أعمالهم ومشاريعهم بحثاً عن الحماية والمصلحة والتقرّب من السلطة.

تؤسس الرواية لمجتمع كامل تشكّل حول قصر “المعلّم” وسلطته، وتأتي الشخصيات جميعاً من خلفية ريفية قصدت دمشق للمرة الأولى، لتدور في فلك المعلّم ومصالحه، سواء كانوا ضباطاً أو جنوداً (كما هو عسّاف الذي يطلق الرصاص بأكثر مما يتكلّم، بحيث يمكن أن يطلق النار على “اللمبة” وهو يحاول النوم وهي مضاءة) أو عمال وبستانين وخدم وتقنين في قصره مثلما هو المهندس حسن الشخصية الرئيسة في الرواية، والذي سيكون بشكل أو آخر معبر الراوية إلى شخصيات القصر الكثيرة، بما في ذلك زوجة المعلّم الشابة.

في المجتمع سالف الذكر، سنتعرف على عجوزين فلسطينيين ووحدتهما وهما يجدان في رجال المعلم مؤنساً لهما، وعلى “الجوجانية” وقصة حبها لأحد رجالات المعلّم، كما أن الأحياء التي يصلها “سرفيس الدوار الجنوبي” على أطراف دمشق ستكون متأسسة على التهريب والدعارة وعلاقات مأزومة ومتشابكة ومتصارعة. وحده رامي الذي يقصد دمشق للدراسة سيجد عملاً في سوق الحميدية، وفي هذا معبر إلى نوع آخر من العلاقات.

يضعنا مفيد عيسى أحمد من بداية الرواية في عوالم “المعلّم”، فمع توظيف المهندس حسن في “القصر” يكون على موعد مع حفلة تُرسم فيها الملامح الأساسية لشخصية المعلّم:

” بدأ المعلّم يضحك بصوتٍ عال، ويضرب فخذه اليمين بكفّه اليسرى، وهي عادة قال أحد المسؤولين من رفاقه إنّها رافقته منذ الطفولة. هكذا هو في حالات الندّية التي يكون جليسه من مستواه، يعود إلى سجيّته ويتصرّف بطفولةٍ أحياناً، لكنّ هذا لا يلغي مزاجيّته المتقلّبة كما هو شهر شباط، التي كان يحاذرها كلّ العاملين. فقط في حضرة الشيخ تنتفي هذه المزاجيّة نهائياً.

لم يستطع الشيخ الخروج على حركاته المعتادة ولهجته المقعّرة القويّة، وفي كلّ ما يفعله تتبدّى تلك الحالة الموصوفة بعدم التوافق العصبي العضلي، خاصّةً في رقصه الميكانيكي، فحركات ذراعيه وقدميه الفجائية المتوتّرة والمشدودة تتعاكس مع تصلُّب جذعه واتجاه رأسه وتتناقض مع رجرجة كرشه. لم يكن في موروث الشيخ رقصةٌ تناسب هذه الحفلة، لذلك بدا مرتبكاً، وهو ما أسرّ به إلى المعلّم وأردف قائلاً:

– لو أنّكم أتيتم بيسرا البدوية.

ردّ المعلّم:

– سأبعث وآتي بها فوراً تكرم يا شيخ.

– لا داعيَ، لا داعي… في المرّات القادمة.

لكنّ المعلّم صاح:

– محيي الدّين.

مَثَلَ أمامه رجل أدّى التحيّة ووقف متأهّباً، قال دون أن ينظر إليه:

– أريد يسرا البدوية هنا خلال نصف ساعة.

أجاب الرجل بارتباك:

– سيّدي يسرا ماتت من سنتين.

حوّل المعلّم نظره إليه، وحدّق الشيخ أيضاً فيه بدهشةٍ وقال:

– خلص، ماتت الله يرحمها ما كنت أعرف.

أومأ المعلّم لمحيي الدّين أن ينصرف، وقال موجِّهاً كلامه إلى الشيخ:

– المرّة القادمة لا تقبل إلا بسميرة توفيق”.

لن تستعصي على قارئ سوري أو عربي عايش أو قرأ عن تلك الحقبة من تاريخ سورية معرفة من يكون المعلّم واقعياً وتاريخياً! لكن أهمية الرواية لا تكمن في تصوير تلك الشخصية فقط، إنما في تتبع مصائر وصراعات شخصيات كثيرة أيضاً، صاغها مفيد عيسى أحمد بحنكة وتوقد، وحكاية كل واحدة منها تتنامى وتتصاعد وتصل إلى نهايات، تارة تكون غير متوقعة، وأخرى شديدة الدرامية والمأساوية، كما ليقول لنا الروائي “رجال المعلّم مروا من هنا”، وبمرورهم حدث كل هذا، حدث في الدوَّار الجنوبي، في القابون، في الحميدية وصولاً إلى شتى أرجاء دمشق، ولنخلص في النهاية إلى رواية لا تهادن على شتى الصعد، لها أن تقدم للقراء حبكة درامية شديدة الإحكام، وسردية استثنائية لسورية، عبر استعادة الأمس القريب، ورهانها في ذلك على الحب وهو يصارع القسوة، والبحث عن حياة كريمة، فإذا هي لعنة ومشقّة، سرعان ما تندثر باندثار المعلّم.

جاءت “الدوّار الجنوبي” في 240 صفحة، ومؤلفها مفيد عيسى أحمد كاتب وصحافيّ سوريّ. صدر له في القصّة القصيرة: “ثلاثة نداءات وتصبح نجمة” (2010)، و”البطل في وقفته الأخيرة” (2011)، و”ثلاثة أهداف لبرشلونة” (2016)، و”حارس الفلّة البنفسجيّة” (2019). له رواية بعنوان “الماء والدَّم” (2014). ومجموعة شعريّة بعنوان “وشاة يقرؤون كتب الحكمة” (2022). فاز بالعديد من الجوائز، منها: “جائزة العجيليّ للقصّة القصيرة”.