كراهية ما لا يقبل الغياب
العدد 299 | 18 آب 2025
حامد بن عقيل


هناك ما يستحق المشاهدة:

أصوات الموتى. طعم الماء. يدان ترفضان غيمة، لا نعرف في أي شيء يفكّر الراحلون. هم هناك، يرتجلُ الخادم أغنية لسيده. تغوي طفلة الحقل العصافير مكسورة الفؤاد. بين فكّي نملة يبدو العالم قابلاً للطي.

ستحبين أجراس القطيع. من العار المرور بكل هذا ولا تتذكرين قبراً من نحاس، جسداً قديماً لإمبراطور، ربما، لزوجة حارس كهف في غابة صغيرة ودافئة، أو ربما لشاعر من زمن المماليك.

هناك معاناة في كل هذا. معنى. حديقة بشَعر فوضوي تتطلع إلى مرآة الكون. الشاعر الذي يسكر دون آلة موسيقية مثل الحبار الذي يقعي أسفل الأمواج بعد أن رحل أطفاله للفراغ. الأنشوطة بلا قضاة كآهةٍ في سرير الرغبة. أنت لا تمشين بساق واحدة، تحفك صلوات المساكين والعاهرات وطلاب المدارس التشكيلية. أنت لا تشبهين نمراً في إفريقيا ولا بطريقاً ضالاً في جنوب الكرة الأرضية. الأبدية لا تقبل الغياب. الأنبياء لا يقبلون الكذب. الأراجيح لا تقبل المساومة. لديّ في الحياة كما لديّ في الموت، ذاكرة، خطوات بلا عدد، نبرٌ في وسط كلمة معقوفة، وشاحٌ لبرودة الوجبات الخاوية.

هناك ما يستحق أن نذهب إليه معاً. سأقول كلاماً اعتباطياً. ستبكين. سأحتضن زنبقةً بدلاً من إرهاقك بالنشيج. سأقول كلاماً موؤداً. ستفكرين قليلاً في جثة لا ملامح لها. تضحكين فألقي بزنابق الأرض في منتصف حفلة شواء. وسأنساك كثيراً. أنت لا تصلين مبكرة، لا تقرعين طبول الهنود الحمر المهجورة تحت شمسٍ حارقة. أنت لا تعنين ما لم يقله هذا الفضاء الجالس بيننا وهو ينشج. أنت حِبر. وجع. قصة جرفها الطوفان.

هناك ما يستحق الرقص. الخائف يشعل النار. المارد يتوضأ بدماء المغدورين. الجزر تجرّب غير الأزرق. الأرق يستوطن فكرةً غبية. أنت والموسيقى طفلان. سأتنفس وحدي. حطّمت في سبيل ذلك النبيذ وبخور مراقد الشهداء، ولون الفقر العالق في الأيام.

هناك قبر نصف مفتوح. عرجاء نصف عاشقة. كتابة نصف مطفأة. نهرٌ نصف خصب. صديق نصف راحل. في شجر طويل تتثاءب مشيئتان، السماء قوطية وبعد الجذور يحل صيف استوائي نادر. هكذا سنعود للمشي معا. سأقول كلاماً عن الأقمار النافقة. ستجلسين بجانبي وأنت تتظاهرين بالعشق

من العار أن يمضي الكون على هذه الوتيرة

هناك ما يمكن لمسه بنصف روح.

*****

خاص بأوكسجين


شاعر وناقد من السعودية. صدرت له خمس مجموعات شعرية. وله في النقد "فقه الفوضى" و"عصر القارئ"، ودراسة في شعر عبداللطيف خطّاب. من رواياته: "الرواقي" و"منازل الموت".