24 ساعة من حياة على الضفة الأخرى
العدد 300 | 15-9-2025
خلود الدباسي


ماذا لو لم يحدث ذلك كله يا صفية؟ وكله وصفٌ قاصر لما يحدث[1]. لفلسطين أكتب؛ من فرد متلبس بشعور حربٍ لا يعيشها.

المشهد الأول:

يُعتقد أن الصينيين القدماء في القرن السابع الميلادي توصلوا إلى اختراع البارود، لأغراض التتبع وإرسال الإشارات على الطريق. وهنا تبدأ سلسلة طويلة، طويلة جدًا من “ماذا لو؟”. ماذا لو لم يته الرفاق على الطريق؛ لم تكن لتوجد معضلة تستدعي الحل بالبارود. ماذا لو كانت المعاني أقل دقة في وصف مفرداتها، ماذا لو أن مفردة “إبادة” لا تعني الهلاك الشامل، أيّ الإفناء والقضاء الكامل على جماعة أو شيء ما. ماذا لو اقتصر معناها على اشتباه باشتباكاتٍ عسكرية. 

المشهد الثاني:

يجلس على أريكته مرخيًا ظهره للخلف، يسمع حركة الرياح القوية المحملة بالغبار آتية من جهة النافذة، يفكر… ربما هذا هو صوت سرعة اختراق الصاروخ للزجاج قبل أن يهدم البيت؛ إذا ضربته في مئة؟ ألف؟.. لا يهم العدد. هكذا أنهى مونولوجه الداخلي بعد أن سرق انتباهه سؤال: كيف هو شعور سماع اقتراب الصاروخ من ملجئك قبل إدراك حضوره، أو محاولة حشد ما يلزم من الطاقة للصمود ليوم آخر؟ يكمل شرب كوب الشاي البارد، ويستعد للذهاب للعمل قبل مغادرة المنزل.

الأخبار تكثر بعد الواحدة ظهرًا، تحليل حيثيّات المشهد السياسي، طفل آخر قرر شجاعةً البدء بممارسة العمل الصحفي، وخبير جديد ينشر رأيه في نقد الأداء الصحفي، أعداد الجرحى، وقصص الوفيات؛ إنها الساعة الأكثر إثارة للأعصاب، إن لم تُحضِر معك طعامك، سيتوجب عليك الاختلاط مع أناس كثُر إما للحديث عن الطعام أو المشاورة الحذرة في المطعم الذي سيقع الاختيار عليه؛ سيجد نفسه الآن محاطًا بضجيج أصواته «مقاطعة! مقاطعة! مقاطعة!».

المشهد الثالث:

في الطريق المؤدي إلى قطاع غزة، تتوقف سيارة أمام ضابط التفتيش، سيستغرق المرور حوالي ثلاث إلى خمس ساعات، خاصة وأن والدته أوصته بإحضار تمر ذي جودة عالية «خواتك وولاد خواتك بيحبوا تمر السعودية إكثير». وهذا يعني أن على الضباط تفتيش عشرة كيلوات من التمر بعناية «كرمال عينك يا حجة» لأنه حسب أنظمة الاحتلال، يمنع مرور أي كمية من التمر غير منزوع النوى إلى الداخل! حدث ذلك عقب المعارك والاشتباكات الدموية التي حصلت عام 2007، قام الاحتلال بفرض قائمة بالمواد التي يُحظر دخولها إلى القطاع من ضمنها حَب التمر الكامل، وذلك لأنها تحتمل “الاستخدام المزدوج”؛ أي تندرج تحت صناعات عسكرية أو مدنية بغض النظر عن الغرض الأساسي من هذه المادة أو تلك.

– سألته: ليه؟! كيف يمكن لنوى التمر أن يكون مزدوج الهوية!

– درءًا لأي محاولة صريحة أو غير صريحة لمنافسة الإنتاج الوطني، وزجرًا لمن تسول له نفسه! يزرعون التمر المجهول/ المجدول في أراضي القطاع، وخير أراضينا إكثير، ثلاثة عشر ألف طن تمور يخرج من مدينة أريحا سنويًا، ساعدهم ذلك في الانضمام لقائمة أوائل الدول المصدرة للتمور في العالم.

– أبناء القبيحة!

– كل هذا لا يهم، الفلسطينيون يعلمون أن عاجلًا أم آجلًا سيكون الزرع للزارع، والأرض لأهلها.

المشهد الرابع:

يفكر في لقائه الأخير مع صديقه المتحذلق، الذي أخبره أن أول اتفاقية أثرية في التاريخ كاملًا رُسمت فيها الحدود الجغرافية بين بلدين، هي اتفاقية “قادش” عام 1259 قبل الميلاد بين الفراعنة من مصر يمثلهم رمسيس الثاني والحيثيين من بلاد الأناضول يمثلهم حتوسيلي الثالث، بعد معارك ونزاعات طويلة استمرت حوالي خمسة عشر سنة. لا شيء كان ملفتًا في تحذلقه إلا عندما أخبرني أن واحدة من البنود المضمنة في الاتفاقية (إذا هاجمت قوة ثالثة أيّا من الدولتين، تتعاون الأخرى في الدفاع عنها). بقيت بعدها أفكر، كيف يمكن لدولتين دامت المعارك بينهما ما يزيد عن 15 سنة، الاتفاق على الدفاع المشترك؟ غير أنني أظن وأعوذ بالله من الأنا والنيّ، أن ما دفعهما لذلك، وجود عدو مشترك برمائي، غزاة وجماعات بحرية مهاجرة ظهرت في أواخر العصر البرونزي[2] ساهم هذا العدو بأضرار كبيرة في عظم دولة الفراعنة، وبعد مدة في إسقاط الإمبراطورية الحيثية[3]. وعليه يكون السؤال ماذا يفعل الحيثيين في فلسطين وماذا تفعل مادلين[4] في البحر؟

المشهد الخامس:

لطالما كانت اليابان ذات بصمة حاضرة في الحروب الكارثية، أو الأحداث التي غيّرت مسار العالم عدة مرات. يبدو أنه وبشكل ما أصبح هذا الحضور العالمي الهادئ المترصد سمة تأثرت بها قطاعات الأعمال اليابانية المختلفة، أحدها هو قطاع ألعاب الفيديو: يتنقل الساموراي بسيفه القاطع بين القرى والغابات محاولًا إنقاذ شعبه المحتل من المغول وجمع عدة للقتال[5]، وأنا أحاول المساعدة بالضغط المكثف على زر المثلث، المربع و L1! وفي الخلفية كوهِن يقول: Their graves are safe from ghosts like you[6]

اليابانيون في اللعبة لم يكتفوا بالمبارزة على الأرض، بل إن أشباحهم أيضًا تحت أرض المعركة ظلت تنهش أرواح العدو، وتمتص تاريخه؛ يبدو أن شرف الساموراي المقدس أكثر صلابة من أن يفضّه الموت.

وفي سياق متصل؛ الذين أرهقهم الصمت، وقلة الحيلة. المتشبثون بالأمل والمفجوعون باليأس. يعلمون أن كل الأرواح الغاضبة لن تهدأ حتى تقتص حق الأرض! وأن التاريخ هذه المرة يرُوى كما هو؛ بلا مجال لقول “التاريخ يكتبه الأقوياء”.

ويعلمون أيضًا أن ما يحدث في فلسطين وكل أشكال الحروب والإبادة الممتدة حتى وقتنا هذا قد شكلت شرخًا في ذاكرة التاريخ، لن تشفى منه إلا باقتلاع الجذور الفاسدة، واستعادة الحق المسلوب مهما كانت السبل. فحين يكون كل ما يحدث غير منطقي، يصبح من العبث المطالبة الدائمة بمنطَقة ردود الأفعال.

المشهد السادس:

الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، مثقل أنا بالأسماء والقصص والحكايات، بالطفل المبتور، والمرأة المحروقة، والرجل العاجز، ليس فعل الحرب وحده ما يثقل القلب، فقَد بتنا نعد أزهار التوليب على قبور الشهداء، بدلًا من عد الخِراف يا صفية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] غسان كنفاني، رواية عائد إلى حيفا، بتصرف.

[2] تحالف من الغزاة البحارة الذين هاجموا المدن الساحلية في منطقة البحر المتوسط بين حوالي 1276 و1178 ق.م، بما فيها إمبراطورية الحيثيين.

[3] واحدة من أعظم القوى في أواخر العصر البرونزي، امتدت من وسط الأناضول -تركيا حاليًا- إلى شمال سوريا وأجزاء من بلاد الشام، كانت تخضع لسيطرتها ممرات تجارية مهمة تربط الشرق بالغرب، وصلت لذروة نفوذها في الفترة ما بين 1350 و1250 ق.م تقريبًا.

[4] سفينة أبحرت في يونيو 2025 ضمن “تحالف أسطول الحرية” في مهمة إنسانية لكسر الحصار البحري عن غزة، حاملة شحنة رمزية من المساعدات، قبل أن تعترضها القوات الإسرائيلية في المياه الدولية وتصادر حمولتها. أطلق عليها هذا الاسم تكريما لمادلين كُلاب، أول امرأة تمارس مهنة الصيد من قطاع غزة.

[5]  لعبة أشباح تسوشيما.

[6] Leonard Cohen, Nevermind, 2014.

*****

خاص بأوكسجين