لا تنس أن السيدة لايكا تنتظرك في البيت
العدد 154 | 15 حزيران 2014
قيس الزبيدي


في كتاب “ولا تنسَ أن السيدة لايكا تنتظرك بالبيت”، حاول المؤلف فاضل عباس هادي أنْ يرسم في أكثر من ألف صفحة صورة شاملة عن عالم التصوير الفوتوغرافي في ماضيه وحاضره، وحتى في مستقبله.

ولا شك أن من يريد التعريف بالكتاب سيكون حاله حالَ مؤلفه الذي أراد بصعوبة قصوى الإحاطة بالموضوع من جميع جوانبه عندما كان يتابع الدراسات ويزور المعارض ولا يغفل الاجتهادات الجديدة.

يحتوي الكتاب على أول مقال كتبه المؤلف عام 1987 وكان يقارن فيه بين الكاميرات الألمانية واليابانية. وآخر مقال “لا تنسَ السيدة لايكا” كتبه عام 2009.

الجدير بالذكر أن الكاتب لم يطبع من كتابه سوى نسخ محدودة وزّعها على الأصدقاء، وأن الكتاب رغم أهميته الفائقة لا يزال ينتظر ناشرا نبيها يضعه بين يدي عشاق الفوتوغرافيا.

“آلة عرض الأخوين لوميير استطاعت أن تعرض الطبيعة مليئة بالحياة ومتحركة على سجيتها، لدرجة يصبح فيها الواقع يفوق الخيال. ولعل من باب المصادفة العجيبة أن تعني كلمة لوميير الضوء باللغة الفرنسية”

لماذا لايكا؟

قبل فترة ليست بالطويلة اجتمع 31 عضوا في رابطة الصورة الصحفية والتقنية المعروفة باللغة الإنجليزية بأحرفها الأولى “تيبا” لاختيار أهم الأحداث في القرن العشرين، ووقع اختيارهم بالإجماع على كاميرا “لايكا” الألمانية لمنح جائزة الرابطة التي تمنح كل مائة عام.

وجاء في قرار المنح أن “لايكا” أهم كاميرا في القرن العشرين، وأنها بتحويرها الفيلم السينمائي المتحرك إلى فيلم لكاميرا ساكنة خفيفة تحمل باليد جعلتها تلتقط صورا متحركة.

في البدء كان الضوء. ومنذ أقدم العصور والإنسان يحب النهار ويحاول أن يختصر فترة نومه في الليل، وقد أصبح بفضل أديسون يُحوِّل الظلام في البيت إلى ضوء والليل إلى نهار. ولم يكن الليل للإنسان وقتاً ضائعاً لأنه سيخطط عندئذٍ لما سيفعل في نهاره القادم.

إن محاولات التوصل إلى التصوير الضوئي قديمة قدم الإنسانية، وإن العرب والصينيين -وبعدهم الإغريق واليونانيون- ساهموا في اكتشافه. وقد تجسد هاجس الخلود عند البابليين في ملحمة غلغامش، وعند المصريين في الأهرامات والمومياء، وعند الإزتيك في تلك الهياكل الحجرية الجبارة التي لا يعرف العلماء حتى الآن كيف أفلح سكان البيرو والمكسيك القدماء في نحتها، وكأنهم كانوا يريدون الاقتراب من الشمس.

هاجس الخلود

ليست الإشارة إلى هاجس الخلود اعتباطاً لأن التصوير الفوتوغرافي كما الأهرامات المصرية والأساطير البابلية كانت تجسيدا حيا لتطلع الإنسان نحو الخلود ورغبته في أن يخلق شكلا يجسده في نصب أو صورة.

والفرق بين الأهرامات والصور الضوئية أن الثانية أصبحت الآن الطريقة الأسهل للحفاظ على الذاكرة، خصوصا أنها أصبحت في متناول الجميع.

مصطلح “فوتو، غرافوس، فوتو، غرافيا” يوناني الأصل ويعني حرفيا الرسم بالضوء أوْ “كتابة النور”.

وكان يوم 19 أغسطس/آب 1839 يوما مشهودا في تاريخ البشرية لأنه كان قرن التوسعات الإمبريالية والتجارية والجغرافية وقرن الاكتشافات الأدبية والصناعية، وقرنا عاش فيه شاتوبريان وستندال وبلزاك وفيكتور هوغو وبودلير.

قاد ظهور التصوير الفوتوغرافي الآلي إلى “تحنيط” الأشياء والناس في لحظة زمنية، وكان أساس مكوّنات الصورة المتحركة هو تجاوز تحنيط الزمن إلى إعادة بث الحياة فيه.

التحرر من الأم

وستنتهي عام 1895 مرحلة التحرر من الأم “فوتوغرافيا” بمرحلة ظهور السينماتوغرافيا ابنة التصوير الفوتغرافي التي جاءت تسميتها أيضا من الكلمة اليونانية “كينما-توغراف، أي حركة-صورة.

واستطاعت آله عرض الأخوين لوميير أن تعرض الطبيعة مليئة بالحياة ومتحركة على سجيتها لدرجة يصبح فيها الواقع يفوق الخيال. ولعل من باب المصادفة العجيبة أن تعني كلمة لوميير الضوء باللغة الفرنسية.

ولد الأخوان لوميير في ليون الفرنسية لأب احترف التصوير الضوئي وبرع فيه، وقد أسسا معملا لإنتاج الصور (الثابتة) عام 1883. ولم تمض سوى عشر سنوات حتى أصبح المعمل ينتج في عام واحد ما مجموعه 15 مليون صورة فوتغرافية. وإذ لم يكن في حوزة الأخوين ورق ضوئي حساس يمكنهما من طبع صورة إيجابية، توصلا أولا إلى عرض صور “إيجابية” على شاشة، وصمما في الوقت نفسه جهاز عرض سينمائي كان الأول من نوعه في العالم. وقاد ذلك بالتالي إلى اختراع السينما: وصول قطار إلى المحطة.

“ما زلنا اليوم في عالم السينما آلة الزمن الحاضر، نستمر في رحلة عبر زمن الماضي-الحاضر، ونرى كل أولئك الناس على الشاشة أحياء يبعثون من جديد رغم مرور سنين طويلة على التقاط صور لهم”

آلة الزمن الحاضر

ونحن ما زلنا اليوم في عالم السينما، آلة الزمن الحاضر، نستمر في رحلة عبر زمن الماضي-الحاضر، ونرى كل أولئك الناس على الشاشة أحياء يبعثون من جديد رغم مرور سنين طويلة على التقاط صور لهم.

ويبقى من المدهش اليوم أيضا أن نرى عبر الصور المتحركة ببساطة كيف تبدو مدينة باريس وبكين أو حتى بيكاديلي عام 1809، وكيف يرتدي الناس ملابسهم وكيف يسيرون وكيف تعبر عربات الترام التي تجرها الجياد الشوارع.

لقد أدت الفوتوغرافيا إلى ظهور فلسفة واقعية جديدة بفضل اعتبارها مَعلماً مهماً من صور تعيد إنتاج الواقع كما هو وكما يكون حضوره حتى بعد أن نكون قد غبنا عنه.

ويأتي اختلاف السينما عن بقية الفنون البصرية في الواقع من الصورة الفوتوغرافية التي هي العامل الأهم في إعادة إنتاج الواقع، فحضور السينما ووجودها -حسب المنظر الألماني سيغفريد كراكاور- يرتبطان جزئيا بمسألة الواقعية، فإذا ما ربطنا بين السينما والصورة الفوتوغرافية، سنجد أن السينما لا يمكنها أن تكون بالضرورة سوى فن واقعي.

ومن يعود إلى نظرية السينما وفلسفتها سيجد أن السجال ما زال حيويا حول العلاقة بين الفوتوغرافيا والسينماتوغرافيا، والفرق بين الاثنتين من وجهة النظر الواقعية والبنيوية والسيميائية.

________________________

* عن موقع الجزيرة نت

اسم الكتاب

اسم الكاتب


مخرج ومصوّر وباحث سينمائي. رائد من رواد السينما التسجيلية العربية، من أفلامه التسجيلية: "بعيداً عن الوطن""، و""فلسطين سجل شعب""، و""شهادة للأطفال الفلسطينيين زمن الحرب""، و""وطن الأسلاك الشائكة"". وقدّم روائياً ""الزيارة"" 1970 وهو فيلم تجريبي قصير، و""اليازرلي"" 1974 فيلم روائي تجريبي طويل عانى من لعنة الرقابة أينما عرض. من كتبه: ""فلسطين في السينما""، و""المرئي والمسموع في السينما""، و""مونوغرافيات في تاريخ ونظرية الفيلم""، و""مونوغرافيات في الثقافة السينمائية""."