في ما يلي مقتطف من كتاب “الدجاج السياسي – ثلاث سنوات في سجن صيدنايا” للفنان مهند توفيق قطيش الصادر أخيراً عن “محترف أوكسجين للنشر”:
دبي-25/9/2002: سِجْن الحرّيّة
“أأعودُ لأُعتقَلَ؟ أم أبقى هارباً إلى أبد الأبدين؟”
لا شيء في رأسي المتعب من الخوف، إلّا هذا السؤال الذي سيغيّر جوابُه منحى حياتي إلى الأبد. بالرغم مِن وجودي الآن خارج دائرة التهديد، فإنّني أصبحتُ سجين أفكاري وخوفي، أمشي بالشوارع صامتاً أدخِّن، أحسد كلّ حيوان أراقبه على شعوره بالأمان، فلم يعد الإنسان مثالاً كافياً يعبِّر عمّا أنا فيه.
بعد عدّة اتّصالات مع محيطي ومعارفي في دمشق، أكّدوا لي:
“لا تَعُد! المخابراتُ بانتظارك!”
عارضَ الجميعُ قرارَ عودتي، قرار تَطَلَّب منّي التفكير لأسبوعين كي أتّخذه، فلن أستطيع العيش في هذا السجن الكبير على أنقاض مستقبل صديق، فعودتي هي مَا يُبرِّئ ساحته، وبالاتّفاق مع ضابط أعرفه من خلال عملي، أخذ منّي وعد العودة، وأخذتُ منه وعد عدم الاعتقال في المطار تحت أنظار الناس ومعارفي، والموافقة على تسليم نفسي بعد أسبوع.
على متن الطائرة، وقبل الهبوط في مطار دمشق، نظرتُ من النافذة، كانت القفار ذاتها تُلوِّح لي وأنا أقترب، تشنّج جسدي كوتر مشدود على وَشْكِ الانقطاع، وضعتُ يدي على صدري لأطمئنَّ أنّني ما زلتُ أتنفَّسُ مع هبوط الطائرة، ليتصاعد الخدرُ مِن قدميَّ إلى رأسي مع دخولي مبنى المطار.
لا وجوهَ مألوفة! ما مِن إشارات عن هبوب رياح مُعادِية! فقط مسافرون وحقائب، ومع خروجي من قاعة الجوازات متوتِّراً، تقدَّمَ منّي مبتسماً رجلٌ يرتدي ثياباً مدنيّة، صافحَني بودٍّ قائلاً:
– الحمد الله على السلامة، أعطني جواز سفرك أستاذ!
ارتعبتُ.
– ماذا يَحْدُثُ؟ هناك صفقة أُبْرِمَتْ مع رجلٍ في الظّلّ!
مشيتُ الى جانبه صامتاً وهو يحادثني ويسألني عن أعمال رمضان التلفزيونيّة القادمة، وأنا أجيب رغم كلّ الخوف الذي بداخلي، هو يسأل عن مسلسل قادم، وأنا أسأل نفسي عن موت قادم.
على طابور الجوازات مدَّ هذا المعجب مِن رجال الأمن جوازَ سفري للشرطيّ، فسمعتُ دقّاتِ قلبي أعلى من صوته وهو يفتح الصفحات، وبدأ الوقت بالتباطؤ، نظر إليَّ الشرطيّ مبتسماً وهو يختم الجواز:
– الحمد الله على السلامة أستاذ!
العرق يتصبّب منّي رغم برودة الصالة، كلّ خطوة أخطوها في حِضْنِ الوطن تحفر تحتي حفرة، عكس إحساسي قبل أسبوعين وأنا أغادره مِن نفس المكان.
أقبَلَ مَن استقبلني يجرُّ لي الحقائب، وأنا غير مصدّق أنّه سمح لي بالمرور.
– إذا احتجتَ إلى شيْء خبِّرْنا!
قالها لي مودِّعاً، هل أنا في كمين؟ هل هناك من سيربِّتُ على كتفي ويقول:
– تفضَّل معنا!
بالعادة هكذا نُستقبَلُ في مطار الوطن كممثّلين يحبُّهم الجمهور، لا كحَمَلةٍ للبطاقات الأمنيّة، خرجتُ متلفِّتاً حولي وكأنّ عيون الكلّ تترصَّدُني، وبعد سيجارة حارقة، دخلتُ دمشق بلا شوق، دخلتُها كنفق مظلم لن أخرج منه كما أنا اليوم.
توجَّهْتُ إلى بيتي، وقد كانت زوجتي وابنتي، وصلتا البيت قبلي بساعتين، وبعد استراحة قصيرة مع سيجارة وفنجان من القهوة، رنَّ الهاتف، وجاءني صوت ذلك الضابط يقول بحزم:
– اخرج فوراً! البيت مراقَب، سوف يُداهم بعد قليل!
الكابوس أصبح حقيقة، الأمن أطلق كلابه برحلة صيد، والطريدة هي أنا، مِن اليوم تُطارِدُني الدولةُ بأسرها، لتبدأ معهم رحلة التواري عن الأنظار، ليس هرباً هذه المرة، لو كنت أريد الهروب لما عدتُ، إنّما لتنفيذِ ثلاث مهمّات عاجلة عليّ إنجازها بنفسي قبل أن يصلوا إليّ، أوَّلُها تطعيم ابنتني جود فقد حان وقت لقاحها، وكانت معتادة أن تأخذ لقاحاتها وهي بحضني، وثانياً أن أزور قبر أخي جهاد المتوفَّى قبل أشهر، لأضعَ الشاهدة على قبره في مكانِ سُكناه الأبديّ.
أمّا مهمّتي الثالثة والأخيرة، فهي وداعُ معشوقتي الأولى والأخيرة، أمّي المريضة التي أتعبتها السنون مِن حمل أعبائنا على مدى عمرها الطويل، والسفر إليها قبل أن أغيب عنها الى أجل غير مسمّى، كي أقبّلَ يديها معتذراً عن أخطاء عمري كلِّها، في تلك الأيّام لم أَشْتَقْ لأحد كما اشتقتُ لأمّي، وعدتُها بعد أن أعود إلى دمشق أن أتوجَّهَ اليها بالحال، فقلبُها ودون أن يعلم بالتفاصيل كان يغلي، كانت أمّاً تنتظر، وولداً يعود إليها وهو لا يعلم هل سيُفتح له الباب، أو تُغلق عليه الزنزانة.
بعد إنجاز المهمّة الأولى، وأثناء تجوُّلي بالمدينة رصدتني إحدى العيون الثاقبة لكلاب الصيد، وبعد تعقُّب وتنسيق أمنيّين كبيرين للمطلوب الأخطر بالبلاد، توجَّهَت الوحدات الأمنيّة إلى محيط “المعهد العالي للفنون المسرحيّة” في “ساحة الأمويّين” في دمشق تترقَّب مغادرتي المبنى، ومع خروجي متوجِّهاً إلى مركز المدينة وأمام “فندق الميريديان” سابقاً، وجدتُ نفسي مطوَّقاً بالسيّارات الأمنيّة من كلّ الجهات، بعمليّة كنتُ أعتقد أنّني لا أراها إلّا في أفلام “الأكشن”.
أقام أبو ربيع حاجزاً أمنيّاً على شرف اعتقالي، نصبهُ في ثوانٍ معدودة، في قلب دمشق في ذروة الازدحام، حيث سدّوا الشارع في وجه السيّارات، وكأنّهم يعتقلون أمام أعين البشر مجرماً تسبَّبَ بخراب الأمّة، كان هذا لقائي الأوّل مع رجال المخابرات بوصفي عدوّاً، ترجَّلَ هذا المساعد العتيق من “فرع الخطيب” أمام عناصره بعد أن طوّقوا سيّارتي بهمّة الفاتح، وأشاروا لي بالسلاح حتّى أترجَّلَ أمامهم بلا مقاومة.
جاءت اللحظة التي كنت أخشاها: “الاعتقال”، تفجَّرَ الرعب في وجهي دون تلفُّظي بكلمة، تشبَّثَتْ بي طفلتي خوفاً من همجيّة مَن اقتربوا منها، عانقتني وكأنّها أدركتْ هولَ ما هو قادم، وبعد قبلة أخيرة على جبينها، تركتُها في يدَي القدر الذي سيخطُّ على نفس الجبين الذي قبَّلْتُه الآن حكاية قاسية لطفلة وحيدة تخلّى عنها الجميع، حكاية لن تنساها مهما جمّلت الأيّام حياتها فيما بعد.
في هذه اللحظة لم أكن خائفاً على نفسي فقط، بل عليها، “جود” التي رعيتها وهي في رحم أمها، حين كانت مهدَّدة بالإجهاض من شهرها الأوّل جرّاءَ جرثومة كانت تقتات على غذائها في عرش التكوين، أضحت شغلي الشاغل إلى حين ولادتها، تسعة أشهر قاسية جاءت بها الى هذا العالم الذي سيظلمها ما إن تخطو خطوتها الأولى على عتبة الحياة.
وبولادة مستعصية، جاءت طفلة بوزن الريشة، استدعت منّا اهتماماً خاصّاً، فأصبحَتْ أجمل هموم حياتي، وهي ترافقني كظلّي في كلّ مكان أقصده، أجلس بصحبتها بين النساء في عيادة طبّ الأطفال مع أيّ مراجعة، أقرأ نشرة الأدوية، التي وُصِفَتْ لها مراراً قبل أن أعطيها أيّ دواء، تَحَوَّلَ البيت مِن أجلها إلى مختبر للأغذية الصحّيّة، لتنموَ وتحظى بوزنها الطبيعيّ الذي تحتاج إليه، لقد كانت شقيّة وذكيّة إلى درجة أنّني حسدتُ نفسي عليها.
عندما اعتقلني أبو ربيع تشبَّثَتْ بصدري وكأنَّها تدرك أنّني إنْ ذهبتُ فلن أعود، فحين تُنقل بلحظة من حياة إلى حياة، تسمّى تلك اللحظة بـ “الفارقة”، لحظة يفترق فيها الزمن بين عالمين متناقضين، أَخْرُجُ مِن واحدٍ مودِّعاً مَن أُحِبُّ، لأَدْخُلَ آخَرَ أنا فيه مشروع ميّت مع وقف التنفيذ.
*****
خاص بأوكسجين

