كيف يتطور السيناريو
العدد 163 | 12 كانون الأول 2014
بيتر هانت/ ترجمة وتقديم:قيس الزبيدي


يعرض الكتاب الألماني: «السيناريو: درامية فيلمية عملية» لمؤلفه بيتر هانت تجارب اكتسبها المؤلف من خلال عمله في مجال الكتابة والتدريس في أميركا. وإضافة إلى تجاربه الخاصة في حقل الأصول الدرامية الأدبية، فإن المؤلف يرجع إلى تلك المفاهيم الحيوية والفعالة، التي طورها كتّاب مثل فيلد وميليه وسيغر، كما يرجع إلى أصول درامية سينمائية أخرى طورها كتّاب مثل فالتر ومكرام وكنغ وآخرون. وكل هذه التجارب تستند أصلاً إلى بناء درامي خاص بأفلام تقف كأمثلة على نجاح كبير. ونحن هنا ننشر الفصل الأول من الكتاب في ثلاث حلقات توضح بداية العمل على السيناريو – السيناريو الأدبي بالعلاقة لما سبق ان نشرناه في الأعداد السابقة.

 

(1)

 

يقرر وودي ألان: أن كل شخص عنده، على الأقل، حكاية يرويها. إذن الرغبة في سرد الحكايات أساس الكتابة للسينما، لكن يبقى أن نتعرف على بعض الأصول والقواعد قبل الشروع في الكتابة. ومثلما يقول مؤلف هوليوود الناجح في فترة الثلاثينات بن هيشت: «إن سرد المؤلف الدرامي أمر سهل: إنه كلبين وعظمة». ويضيف هانت أن هذه المعادلة تقود آلياً إلى الصراع. فصراع كل كلب للاستئثار هو الهدف الذي ينهي صراع القوى المتعارضة. ولا يغير من طبيعة البناء الدرامي، كون القصة المكتوبة تعرض في السينما أو في التلفزيون. 

 

 في البدء كانت الفكرة

في رأس كل منا تصعد يومياً صور من اللاوعي إلى الوعي اليقظ. وتذهب أكثر هذه الصورة مرة أخرى إلى النسيان، لكن بعضها يبقى قوياً في الذاكرة، وتصبح «مادة»، تصنع منها أفلام. 

ويحتاج نقل فكرة من ملكوت الأحلام والخيال إلى الواقع اليومي أمراً هو المثابرة. وسيجد كل من يكتب طريقته الخاصة في الذهاب من الفكرة إلى السيناريو. وتستطيع الطرق المختلفة أن تتآلف سوية وتتنوع وتترابط، ولن تصطدم حرية المؤلف هنا بأي حدود. 

إن ما يؤكد طاقة الفكرة على التطور والخلق، هو القدرة على مرافقتها والانجذاب إليها والتعرف عليها ومن ثم عدم فقدانها أو بالأحرى عدم تركها تسقط في النسيان. وعندما تتشبث الفكرة بوجودها في رأس المؤلف، فإنها تطارد أحلام يقظته وتذهب معه أحياناً إلى النوم، عندها تنضج وتلبس لباس الكلمات، إلى أن تتوضح وتختصر وتكتسب متانة وبساطة. 

بعد هذه المرحلة ترتبط الفكرة بشخصية رئيسية وقصة هذه الشخصية، عندئذٍ يُعثر على جوهر القصة. ويؤكد هانت هنا، بأن الفكرة تُختصر باستمرار، إلى الدرجة التي يمكن التعبير عنها بجملة واحدة تصف الشخصية والحدث. تُدون الفكرة الموجزة على الورق وتنهال الأسئلة: 

*هل القصة شيّقة بما فيه الكفاية؟ 

*هل القصة شيّقة درامياً؟ 

*الدراما تحتوي على صراع مستعر بين طرفين متواجهين، فهل شكل السيناريو هو الشكل السردي المناسب لتطوير هذه الفكرة؟ 

*الأفلام تسرد قصصاً وتصف أحداثاً متعلقة بشخصيات، فهل تستطيع هذه الفكرة أن تتجسد في أحداث وشخصيات؟ وهل هي جذابة بصرياً؟ 

أم أن الحوار هو ما يناسب بشكل أفضل تطور الفكرة؟ وهل تكون المسرحية هي الوسيط المناسب لنمو الفكرة؟ 

وإذا ما وجدنا بأن الفكرة تعتمد على وصف الحالة النفسية الداخلية، فهل يكون شكل الرواية هو ما يناسبها أكثر من السيناريو؟ 

الفكرة عماد الفيلم، غير أن الحصول على فكرة فيلم هو ليس بالأمر الصعب. إنما الصعب هو أن تكون الفكرة صالحة حقاً لتصبح فيلماً، وهذا يعتمد، بدوره، على الصياغة المناسبة. فمن دون العمل الدؤوب، ومن دون المثابرة لا يمكن صنع فيلم حتى من أفضل فكرة. 

 

سيل الصور 

 

ثمة إمكانية تقود الفكرة إلى صور، وذلك حينما تتحول إلى سؤال أولي: ماذا يحدث إذا ما..؟ 

لنفترض أن فكرتنا وهي من الفيلم الغرائبي TOTAL RECALL  من بطولة أرنولد شوارزنيغر ، على النحو التالي: حينما يُخضِع رجل وعيه للبرمجة وفق تجربة صناعية، يحدث عطب، ينشأ عنه تداخل بين عالم البرنامج وعالم حياة الرجل اليومية. ويُطرح السؤال: ماذا يحدث لرجل يخضع وعيه لبرمجة وفق تجربة صناعية، إذا ما فقد التمييز بين المبرمج فيه وبين المعاش من قبله يومياً؟ 

سؤال كهذا يقود إلى أسئلة أخرى: 

كيف كان عالم الرجل قبل حصول البرمجة؟ 

وكيف يعمل البرنامج الذي تمت تغذية الرجل به؟ 

وهل يرتبط البرنامج بمغامرة ما؟ 

وكيف تبدو المغامرة؟ 

وهل على الرجل أن يكافح في هذه المغامرة، وضد من؟ 

وما جدوى الكفاح؟ ولماذا يحصل العطب؟ 

وأي نتائج تترتب على حياة الرجل اليومية بسبب العطب الحاصل؟ 

وما هو الدور الذي يلعبه المبرمجون؟ 

إن مثل هذه الأسئلة تخلق تداعيات حرة، ينتج عنها سيل من صور غير مترابطة، لكن يمكن جمعها بدون تقييم، إذ إن المطلوب أولاً، هو أن تتم عملية الإيحاء بدون عوائق، وأن يترك كل شيء يظهر على «رصيد» الفكرة. وكلما تمكنا من قنص صور أكثر، كلما كان ذلك أفضل. وقد نحصل في البداية على صور قليلة، وهذا أيضاً جيد، وأن نتحلى بالصبر ونبذل جهداً أكبر، فالتجربة تبين، أنه كلما تلاعبنا بالفكرة أكثر، كلما ظهرت صور أخرى تلقائياً من مجال اللاوعي. ويجب على المؤلف أن يتمسك فقط بالفكرة، وسوف ترتبط الأحداث اليومية تدريجياً بالقصة النامية، وسوف تتكامل القصة بدون دوافع قسرية، ويتم تناميها عبر تطور تلقائي دافعه ليس «البحث» عن القصة إنما «إيجادها». 

 

(يتبع)