كذبة كبيرة رُتّبت بعناية
العدد 296 | 1 تموز 2025
ميخائيل تشيخوف | ترجمة: ضيف الله مراد


من الصعب أن تكتب سيرتك الذاتية وأنت في السادسة والثلاثين من العمر، أي عندما تكون الحياة في مطالعها والكثير من طاقات الروح بدأت تتفتّح وتبرز في الوعي مثل الجنين، مثل البذرة الواعدة. فإذا ما توافَرَ شيء من الوعي لهذه المزايا الروحية المتبرعمة، وإذا ما توافَرَ شيء من الإدراك الواضح للاتجاه الذي سيحدثُ فيه هذا التطوّر، وأكثر من ذلك: إذا ما توافَرَت الإرادة للتطوُّر في هذا الاتّجاه، عندئذ يمكن أن نرسم بخطوط عريضة لوحة لهذه الحياة التي لا تحيط بالماضي والحاضر فقط، بل بالمستقبل النموذجي. وإذا لم يتحقّق ذلك النموذج المأمول كاملاً فسيبقى بمنزلة لوحة صادقة عن الشيء الذي كان يعتمل في أعماق روحك المتأمّلة لذاتها.

منذ خمس أو ستّ سنوات كنت أعاني خجلاً قاتلاً! لم أكن أحتمل نفسي كممثّل ولم أتصالح مع المسرح الذي كان عليه في ذلك الوقت (والذي لم يزل كما كان حتّى الآن). لقد أدركتُ بجلاء ووضوح أنّه في المسرح، وفي الممثّل تحديداً، تظهر القباحة وعدم الصدق.

كنتُ أنظر إلى عالم المسرح على أنّه كذبة كبيرة رُتّبت بعناية، وتراءى لي الممثل كمجرم عتيد ومخادع. تخيّلتُ الحياة المسرحية فضاء عظيم الأبعاد، وفي المركز من هذا الفضاء يومض الكذب. يومض، عندما تكون صالة المسرح ممتلئة بالجمهور، وخشبة المسرح بالممثّلين. ومضات من الكذب تحدث ما بين الخشبة وصالة المتفرّجين!

في فضاء الحياة المسرحية الرحب يوجد عمل متواصل، عمل حثيث: هناك كُتب حول المسرح والممثّل والمخرج وبحوث وتجارِب واستوديوهات ومدارس ومحاضرات ونقّاد ومداولات ومناقشات وخلافات وإعجابات، وانبهارات وخيبات أمل، وغطرسة، غطرسة مرعبة وإلى جوارها المال والألقاب والخضوع والخوف… وأبنية ضخمة موزّعة على مِساحة الوطن، وكوادر من الموظّفين: منها المحترمة ونصف المحترمة وغير المحترمة على الإطلاق… وكلّها تعيش، تتحرّك، تقلق، تصرخ (تصرخ بأعلى صوتها!)، تطير قادمة من مختلف الأماكن البعيدة تجاه المركز، وهناك تنتهي بومضة، بشرارة، بكذبة!

في هذه اللوحة العامّة شاهدتُ بقدر كبير من الوضوح جميع التوافه والتفاصيل الصغيرة. شاهدتُ عدم الصدق ولم أرَ الصدق. كنتُ أنظر إلى نفسي باشمئزاز بصفتي مشاركاً في هذه المهزلة الكبرى وبالخوف من هذه المهزلة. ولم يكن هناك أمل.

وعلى نطاق واسع تكشّف في داخلي وأمام ناظري الشيء الذي عشتُه في طفولتي والذي سأسمح لنفسي بذكره هنا. في الصفّ الأوّل الثانوي أظهرت حماسة غير عادية للتعلُّم. كانت علاماتي الأسبوعية ممتازة. كنتُ معجباً بتفوُّقي الدراسي وبنفسي. وهكذا كُلِّفْتُ بالعمل على تدريس اللغة الفرنسية لزملائي بالصفّ. انشغلتُ بالتدريس ولم أعد أهتمّ بدراستي. ومضى بي الوقت وأنا على هذه الحال. وبعد حين من الزمن دُعِيَ طلّابي إلى السبّورة فأخطؤوا، أمّا أنا فكنتُ لا أزال خارج دائرة الشكّ. وجاء اليوم الذي دُعِيْتُ إلى السبّورة لأبيّن لأحد طلّابي فيمَ أخطأ عندما كتب vous êtes[1] تقدَّمتُ وكتبتُ بكلّ فخرwu zet! تسمَّرَت المعلّمة من الدهشة! وعندها حدث لي شيء فظيع وغير مفهوم. سقطتُ في وادٍ سحيق. لقد انكشفتْ حقيقتي، لا أمامَ المعلّمة وحدَها ولا أمام رفاقي، ولكن أمام نفسي أيضاً. wu zet هكذا بدا لي عملي في المسرح منذ خمس أو ستّ سنوات مضتْ: لقد ذبتُ من الخجل ولم أعرف كيف أكتبُ الكلمة بشكل صحيح. وكانت ذروة يأسي هي نقطة تحوُّلي كفنّان وإنسان. ومن هذه الذروة سأحاول إلقاء نظرة إلى الوراء وإلى الأمام، وأربط بين الماضي والمستقبل.

– ميخائيلو

هكذا كان والدي يدعوني.

– ميخائيلو، اذهب ونظّف الأحواض من النباتات الضارّة! أنت تلعب طَوال الوقت! يا لك من طفل!

لقد كنتُ بالفعل طفلاً صغيراً، ولم أكن أعرف على ماذا كان أبي يوبّخني، ولماذا لا يحقّ لي أن ألعب مثل الأطفال.

– أتركْ كلّ شيء من يدك ونَظِّف!

كنتُ أعرف جيّداً ماذا يعني “التنظيف”! يعني أن تجلس مَحْنيَّ الظهر بين الأحواض لساعات متواصلة من دون أن ترفع رأسك، وتعاني آلاماً في الظهر والكتفين وتبكي من الأب بغضب عاجز جرّاء التوقُّف عن اللعب والألم في الظهر والساقين.

لم أكن أتمتّع في طفولتي بصحّة جيّدة، وكنتُ أعاني بشدة كلَّ مجهود جسدي. ولكنّني كنتُ أخشى والدي ولا يمكن أن أرفض له طلباً. لم يحدث أن ضربني، فلم يكن عندي خوف من ذلك. كنتُ أخاف من سطوة عينيه ومن صوته المزلزل.

لم يكن والدي يعرف معنى الخوف والمصاعب، فكلّ شيء كان يخضع بالفعل لإرادته، تلك الإرادة العظيمة والقوّة الجسمانية التي لا يقتصر تأثيرها عليّ فقط، فهو عندما كان يُجلسني ساعاتٍ طويلةً بين الأحواض لم يكن يتصوّر، كما أعتقد، أنّ في العمل مشقّة كبيرة، فقد كان هو نفسه ينظّف الأحواض لساعات طويلة دون أن يظهر عليه التّعب.

لم أكن أخشى والدي فحسب بل كنتُ أحترمه وأُجِلُّه. كثيراً ما كان يحدّثني، دون النظر إلى صغر سنّي، عن مختلف التعاليم الفلسفية بأسلوب مدهش وشائق وواضح جدّاً، مقارناً بينها ومنتقداً لها. كنت أستمع إلى أحاديثه بإعجاب منقطع النظير، وسعة اطلاعه تثير الدهشة حقّاً: إذْ لم يقتصر فهمه على المسائل الفلسفية فقط، بل أيضاً في الطبّ والعلوم الطبيعية والفيزياء والكيمياء والرياضيات، مُجيداً عدّةَ لغات، وحين كان في سنّ الخمسين، على ما أعتقد، تعلّم اللغة الفنلندية في غضون شهرين أو ثلاثة.

لكنّه… كان أنموذجاً فريداً في الحياة وهذا الشيء هو ما عطّل عليه استخدام معارفه وقدراته الهائلة في الحياة بطريقة ممنهجة وفي سياق معيّن. كان يضيق ذرعاً بكلّ ما هو عاديّ وبسيط ومألوف. ولا يكتفي، على سبيل المثال، بساعة جيب واحدة كسائر البشر، بل بأربعَ عَشْرَةَ ساعةً أو خمسَ عشرةَ، ولم يكن لهذه الساعات غطاء معدِني كالساعات العاديّة، كلّا، كانت تُنزع أغطيتها وتُستبدل بقطع خشبية رقيقة ملتفّة ومتلاصقة بمهارة وإتقان. وكانت ساعاته الجدارية فظيعة. تتكوّن إطاراتها من سدادات القوارير ومن طحالب الأرض والعيدان وأشنيات الأشجار وغيرها. وبَدَلَ الأوزان تتدلّى قوارير مملوءة بالماء وإلى جوارها تنتصب فوق الأرض ساعات قديمة رائعة صُنِعت من الخشب الأحمر وتُرِكت على حالها ربّما احتراماً لكبر سنّها.

كان من أسباب شقائي أنّني كنتُ مشاركاً تقريباً في كلّ اختراعات والدي الجديدة، فأنا الأقرب إليه من بين كلّ المعاونين. ذات يوم أمرني بأن أحرّك بعصاً كبيرةٍ صحفاً قديمة موضوعة داخل برميل وأن أسكب عليها الماء بشكل تدريجي حتّى تتحوّل إلى خبيصة سميكة. والفكرة من هذا الاختراع هي أن توضع هذه الخبيصة الورقية على شكل طبقة سميكة على أرضية مكتبه وعندما تجفّ يُفترض بها أن تشكِّلَ نوعاً من المشمّع.

والهدف من وراء ذلك رُخْص التكلفة، فهو لم يستسغ فكرة أن ينفق الناس أموالهم على الأشياء التي يمكنهم أن يصنعوها بأنفسهم وبثمن بخس. كان العمل في تحريك الصحف يستمرّ عدّة أيّام. وبعدئذٍ تُمَدُّ الخبيصة الورقية على الأرضية وتُلوَّن بصباغ أحمر فاقع و… بعدها تبدأ عملية كشط “المشمّع” المتشقّق والمتعرّج مِن على سطح أرضية المكتب.

في الاستراحة بين الاختراعات كنتُ ألعب بطريقة مجنونة والتوق يملؤُني والقلق.

وإلى هذا اليوم ما زلتُ أرغبُ في إنجاز ما أحبّ وأرضى بأسرع وقت ممكن، إذْ كان لعبي محدوداً لا بالزمان فقط إنّما بالمكان أيضاً، وساحة بيتنا الريفي (كنّا نعيش خارج المدينة طَوال العام) يشغلها حوض الخَضْراوات وخُمُّ الدجاج، منها ما هو دجاجات من سلالات نادرة ومتنوّعة، إلّا أّنها ضعيفة القوام لا تحتمل برد الشتاء، وهذا ما تسبَّبَ لوالدي بالكثير من المتاعب والقلق. كانت علاقته بالدجاج معقّدة جدّاً ومَشُوبة بالغموض، ولكنْ كان من السهل التعرُّف عليها. إذا سعى الديك خلف الدجاجة التي لم يحدِّدها أبي لهذه المهمّة، علا صوته من الباحة بالصياح والسباب، فيهرب الديك من والدي طالباً النجدة، وينقلب خُمُّ الدجاج إلى حالة من الهيجان، وعندها ينصرف والدي غاضباً إلى غرفة مكتبه. وحين يأتي وقت شحن فقّاصة البيض (كان البيض، بالطبع، يُفقَّص بطريقة اصطناعية)، يسود النشاط بين أهل البيت. كان الخادم يسخن الماء وينقله أخي إلى الغرفة حيث توجد الفقّاصة، بينما أقوم أنا بمراقبة ميزان الحرارة وزجاجة المصباح، أمّا والدي فيضع البيض على الشبكة، ويسجّل عليها التواريخ ونوع السلالة… وعندما تفقص الصيصان بعد ثلاثة أسابيع، كان عليّ أنا ووالدتي أن نقوم معاً بتقليد الدجاجة الحاضنة، ونقول “تيو – تيو – تيو”، ونضرب الطاولة بأصابعنا أمام مناقير الصيصان مباشرة، بينما يقوم والدي باختراع مختلف الأدوات التي تتنزّل من الأعلى على ظهور الصيصان المولودة حديثاً فتصبح مثل البطن الأزغب للدجاجة الحاضنة.

كنتُ أعيش أوقاتاً سعيدة عدّة مرّات في السنة حين أتمكّن من اللعب قدر ما أحبّ، وهذا مرتبط بسفر والدي، الذي لم يكن يسافر بل يغيب فجأة، وبعد غيابه بأيّام تتسلَّم منه والدتي رسالة تلغراف مختصرة: “أنا في القرم”، “أنا في القوقاز”. لقد كان محبّاً للترحال ويجيد فعل ذلك، من دون أن يأخذ معه أيّة أغراض على الإطلاق. يلقي على كتفه حقيبة صغيرة مخصّصة بالأصل لآلة تصوير ويضع في داخلها بعض الغيارات الداخلية ويأخذ عصاه في يده. بهذه الصورة كان والدي يغيب عن البيت.

—–

من كتاب “درب الممثل” الذي سيصدر قريباً عن “محترف أوكسجين للنشر”

*****

خاص بأوكسجين

 

[1] العبارة الأولى أتت باللغة الفرنسية وتعني “أنت!” أمّا العبارة الثانية wu zet فليست صحيحة بل تهجئة خاطئة.


ميخائيل ألكسندروفيتش تشيخوف: ممثل ومخرج ومفكّر روسي (ابن أخ أنطوان تشيخوف)، ولد في سانت بطرسبورغ عام 1891، حيث قدّم أعمالا ًاستثنائية على خشبة المسرح، ومقاربات منهجية في التمثيل والإخراج، كما في كتابه الشهير "فن الممثل"، كما شارك في العديد من الأفلام في هوليوود حين هاجر إلى الولايات المتحدة وتوفي فيها عام 1955.