الخروج من دمشق
العدد 145 | 28 كانون الثاني 2014
محمد دريوس


 إن ثوراً هائلاً يقف على لساني  

أسخيليوس – مسرحية أجاممنون

I.

الأنباء لا تسرُّ جهةَ الشرق

ودمشق صارت في المفاتيح.

 

الأنباءُ لا تسرُّ

حماة الثغور

وصلوا الدار لاهثين

أيديهم مدماة 

وخيولهم ترعف

لبثوا قليلا أمام المرايا

كأنهم يعاينون انخطافة الموت

ثم أخبرونا

وضعنا الماء في مشارب الخشب

ثم

ارتجفنا.

 

خرج الأطفال من مسابقات الجمعة

خرج الربيع من مبارزة الفصول.

الغلالات الوردية المتجمعة ظهراً 

فوق تلال الصنوبر والمصبوبات الاسمنتية

رحلت مسرعة

 

لم نعد قادرين على مواصلة آذار كما عرفناه

 

الأيام الواهنة

الأيام التي جرحت أعرافها نبالٌ ضالّة

الأيام البيضاء

استمرّت، هناك، في المختليات، وراء الوقت

بدوننا

بدون معارفنا المهملة وأحاجينا المقفاة

أيام الغلال متروكة 

لندى يتكثّف ويزول، يتكثّف ويزول

الأيام الراقصة 

الأيام الجانحة 

الأيام المطوية كصيف رطب والمفرودة كصيف رطب

بقيت هناك، خيطاً أسود في ليل 

وفي العتمة الكثيفة الجافة

في كثافة العتمة الكثيفة الجافة

وضعنا برتقالاً للقادمين من الأرياف البعيدة

برتقالاً من الأرياف البعيدة

وسكاكين مطبخ 

وأحزمة جلدية ومناديل.

 

خرجنا خفافاً من طرق الرعاة

خفافاً كأن من حريق

وكتمنا ألماً كاد لفتنته يضيء.

 

وضعنا على المائدة 

حبقاً

وأزهاراً شاحبة

لتذكّرهم بقصائد قديمة 

وضبطنا الوقت على أغنية

تتحدث عن الحصاد في القرى النائية

وعن أرق الحاصدات اليانع

لئلا يقلقوا من خوفنا

ويغضبوا من بساطتنا السخيفة

ومن إطلاقنا اسم الحسين على كل حيّ

وخرجنا.

 

كانت الأرغفة محروقة قليلاً 

فاستبدلناها بوسائد القشّ.

 

الأسماء أيضاً غادرناها مسرعين

وتدبرنا قصصاً تلطف معانيها

بالكاد

بقي لنا ما ننادي به أصغرنا.

 

العربات تئنّ من الأحمال في المماشي الضيقة

واللهاث يضجُّ

حملنا ما استطعنا من أهالينا

وأجزاء خفيفة من أدعية السفر

من المصائر ما خفّ

ومن المشاعر أقلّها عناداً

أما

تواريخ الولادات الأخيرة وبطاقات الزفاف

والعبارات التي نتبادلها صباح الأضحى

فتركناها تنشج في العراء.

 

الكلمات تقلصت 

والأحرف أخشاب سوداء في الحلوق

بالكاد

بقي لنا ما نتوجع به

بالكاد

نجا 

اسم النبي من الطغيان.

 

لا نصرخ

بل نتفحّص كلمات سوداء على الأضلاع

لا نبكي

بل نهجر الأبدية، في طريق دمشق.

*         *          *

 

قدمت فتاة من خلف شعاع يهوي

وركعت عند كعب الجبل

وقالت: سنعود

ليس في الصباح الذي ينثر الرماد

لكن المذابح لا تستمر إلى الأبد

والأطياف تعود

غداً

عندما تعود الأميرة إلى خاتمها سنعود

ثم

جاء والدها

ورمى تفاحة في النهر وقال: سنعود

كما تعود الحروب

ليس في الصباح الذي يلي المغفرة

لكن 

من سيعّد للأحقاد عرباتها

إن لم نعد 

غداً

عندما يعود الإمامُ سنعود.

 

ثم

جاء متوهّمون وطلاّب ثأر وناقلو أثاث

ثم

فتية يرفعون مصابيح زيت

ثم 

نساء بوجوه نحاسية وخلاخيل في الكواحل

وقفّالون

وراهبات ألمانيات وأصحاب تراجم

ثم

جند خائفون من سلاح الجو

ومشّاؤون وعتاة ومسرحيون

واستلقى الجميع على الرماد الساخن

يحسبون التمثال حياً.

 

قالت الفتاة: دمشق في حقيبة زينتي

وقال الوالد: ستمطر بعد قليل.

تركا في الدم الأسرّة 

تركا صلاة الفجر على الوسائد.

 

وقال الجند الخائفون من سلاح الجو

ماذا فعلنا للرصاصة العمياء

ماذا زرعنا

لنجني هذا الرغيف المرّ؟

 

دمشق صارت في المفاتيح

في صور السياح، في البساتين الصغيرة 

حيث يبكي المجد

دمشق صارت في تواريخ الولادة، في نهاية تقارير

المراسلين، في القصائد المحترقة وفي الصحف القديمة

يجمع راع قطيعه على عجل

ويبيت قرب الدم

يجمد المجاز على كرسي محطم

وتتنهد التلال الماكرة

دمشق صارت خالية من الشعراء.

 

لو بقينا هناك، آذار النهوض

وبقي الدم يانعاً في لمعة التلفاز

وبقيت

الحافلات تروح بالأجساد الغضة

وتعود بالتحويلات

لو طمعنا بالنجاة

وبقينا

نهرم قرب الحيازات الصغيرة

وننجب أطفالاً في الخشية

لو بقينا: قالوا

نقص الليل عن خبزنا

ونتجادل حول أقنية الري الشحيحة

وبقينا

وتركنا الشرق ملقى في نصيبه من الدمع

لو ذهبنا للنجاة

وبقينا في الجانب الآخر.

 

نمر بالسهول الغائمة

فرادى، ننصب الأفخاخ للغد المرهق

علينا ما على الأجراس من غطاء

ولنا

ما للرمية من الفريسة.

 

تركنا كل شيء لمصيره

 

تركنا المزارعين الذين كانوا ينحدرون مع الفجر

تركنا المحلة فارغة

سيأتي بعدنا من يجر العربة ويملأ المشارب

سيسقط جانب من الأغنية

ويقع في الخلاء أمامنا، سنستعير حياة لندمغ أطفالنا بخاتم الحب

 

تركناها لهم، تركناها

المدينة الناقصة، المزارع المرهقة

والأزقة الملعونة، تركناها

للجند 

للموتى

للأحبة النائمين على أسرتهم

تركنا موتنا معهم، ليقتلونا متى شاؤوا

تركنا 

الألعاب 

والأبناء

تركنا دمشق.

 

دمشق القليلة في المقابر

تركناها

لتصدأ في الهدير

لو بقينا

مثلما بقي آباؤنا

جائعين 

وخائفين 

وصامتين

لكنا الآن مرميين

كما نحن الآن مرميين، في طريق يتهدّم.

 

II.

تعرف

أنك إن لم تجد ما تحبه في آذار

لن تجده أبداً في آب.

*         *          *

 

لم تكن الحقيقة، كانت اللافتات

لم تكن الظهيرة المندّاة عرقاً حامضاً

كان الصراخ

وكان وهم الأبدية يجري من حناجر غاضبة

ودرعا كانت قد تملّصت من فم الذئب

وهوت 

في الشعاع الأشفّ.

 

لم يكن الاسفلت الدبق

وأجنحة الحشود الدامية

كان السخط

وكانت الرايات قد تسممت

بهواء الحرية العاري.

 

خرج ساسة من إسطبلات أقيمت على عجل

وروّعوا النهار المزهر

ورقصاً بالسيوف الحادة 

في ساحة البلد

كانت الصرخات المبتهجة تتعالى

من كوى المآذن

وتقطر 

دم صاف من شقوق في الأبنية

وحمل أبناء جدهم الكهل على الأكتاف

وكانت تشرق في يده 

صورة باهتة

لابن قتيل

فرمينا ما بأيدينا من أعوام هزيلة

وهرعنا

إلى الصوت.

 

بعض آذار وليس كله

بعض آذار الشهر 

أي آذار الجريح 

أي آذار

المنكسر على أغنية

والمدمّى على بلاط

أي

العاشق قليل الحظ 

الذي خرج مسرعاً من على مقعد في حديقة

وهوى في المنتصف

أي 

التفاحة التي تدحرجت من بقالية مسنّة

الجثمان الذي دفق

والصوت 

الذي 

برد.

 

حين

جنوبيون نهضوا 

من صقيع باهظ وطويل

كاد يهلك الأنسام

آذارهم يضحك في الجباه

وفي عيونهم مسحة حزن

وزرعوا شتولا غضة على المنحدرات

ونصبوا

في الفراغ المطير، بين فوهتين

خياماً رقيقة

والدم لسع الوقت

حين 

الدم غطى جنوب الدم.

 

الطريف في آذار أنه يحتمل ثورات وانقلابات وعواصف ويمكن أن تفقد فيه فتاة سناً لبنياً ويمكن أن تجلس فيه على كرسيك في المقهى، مفكراً باللاشيء وصانعاً إياه بجدية وانهماك، كما يمكن ألا يحدث فيه شيء ذو بال، سوى الموت الاعتيادي: جابي فواتير الكهرباء العجوز، الخياطة العمياء، الممرضة التي تمضغ الإبر، جامع الخبز الجاف 

ويستمر آذارا يشبه رداءات تأتي بها الصحف

وقد يأتي في آذار الحب الجنوني

وربما تتأخر العادة الشهرية

فيرتجف في آذار حبيب ما أو خائنة ما

لكن آذار يأتي دائماً

وآذار 

ينتصر لآذار آخر.

 

بعض آذار 

حيث الضوء تخثّرَ على المدرّعات

وتصدّع 

جدارُ الكوكب من هديرِالفيالق

بعضُ آذار التفه

آذار البسيط 

آذار النائمين على حرير قلوبهم

آذار المتريضات على الشارع العام

آذار المنمّش

المحبوك بأحرف عريضة على كنزات فريق محلي

آذار

الذي يعرج بخفة

الذي يسيل كساقية هشة المقصد

حيث 

رقدتْ نجمة وتألمتْ وهاد

آذار الضعيف يا رب، آذار المُقعد

الذي رميته وحيداً

أمام قصف المعادن

آذار الفتى المخذول

آذار

آذار الفتى المخذول.

 

آذار 

الذي وقع النبيُّ فيه عن وسادة عشب.

______________________________

شاعر من سورية

 

الصورة من أعمال الفنان التشكيلي السوري بسيم الريس

*****

خاص بأوكسجين


شاعر من سورية صدر له: "خَطُّ صوتٍ منفلش"" 2008، و""ثلم في تفاحة طافية"" 2010، و""التتمات وتفسير الربع الأول من السيرة الناقصة للأخير"" 2014، ""لا شيء مسلّ في الحرب"" 2015.rnrn"