ومشيت في الشارع
العدد 216 | 19 تموز 2017
عبدالله الزعبي


 (1)

حبات القمح التي ملأت بها قبضتي
وبذرتها على الأثلام 
نمت وصارت سنابل شقراء
لكن وجهاً غريباً (قريباً) 
ألقى عليها التحية
بسيجارته التي تترنح بين إصبعيه
فاشتعلت قبل أن ترد السلام عليه

**

حارس الغابة: “الطواف”..
(وهو ليس خمبابا على أية حال)
لا يخاف الضباع ولا الأفاعي
يمضي الليل ماشياً بين الزُّعرور والبَلّان
لكنه بذراعه القوي وفأسه الحادة
لم يبقِ من الغابة حتى كُشتبان

**

الأمل يا أماندا
الأمل
ذلك الحمار الذي أطوقه من عنقه
وأربطه إلى ساق شجرتي
لكنه سرعان ما يقطع الحبل
ويهرب

المحبة
ذلك الحمار الذي يجمجم العشب
داخل قلبي
فتجندله المسدسات الأنيقة أرضاً
قلبي الذي أممته للعالمين
كما يؤمم الغجري زوجته اللطيفة

**
كنا فيه سكارى ضائعين
بيننا امرأة قبيحة تحضن طفلها
وتملأ جرة الفخار (جوفَها) بالملح
وكان يضحك البحر
يغرق في نفسه، ويبكي
إذ تصفعه الريح من كل الجهات..
ضحكنا معه، وغرقنا، وبكينا
حتى متنا

تضحك شاحنة التبريد
تزعق ملء صوتها
ويشخر محركها كالضبع
حين ينقض على إنسان في عراء
نحن داخلها كالدجاج المجمد..
ضحكنا معها، وزعقنا، وشخرنا
حتى متنا

بشر بأوجه وأطراف وملامح
ننام.. ولا نصحو
ثم لا نسأل كم لبثنا!
ويضحك العالم
يعقد ذراعيه على بطنه
وتسيل الدموع من عينيه..
استيقظنا فجأة وضحكنا
شبكنا أيدينا على بطوننا
وسيّلنا أدمعنا حتى متنا

**

يدخل الإنسان الحياة ليقضي حاجة ما
– هكذا قالوا لنا –
أي كما لو أنه يدخل المرحاض..

فسحة من الوقت
لتمشي في إجراءات الموت
هذه هي الحياة..

ولا من عالم آخر
عالمي واحد هنا وهناك
في كل مكان وزمان

**

يقف الموت مع الأحذية
عند عتبة البيت
من يصل أولاً سيلبسه ويمشي ذاهباً
من دون يد تلوح للوداع
وعين تومض بالنهاية الوشيكة
والناس يركضون من صالة الجلوس
إلى الدهليز الضيق الذي يفضي
إلى الولادة الجديدة

يصل العداء الأول
ويدرك الباب قبل أن ينصفق
ينتعل الموت، ويمضي..

**

فقدت لونها
نشفت وصارت سوداء
نقطة الدم التي سقطت على الحذاء
نقطة الدم الوحيدة
نقطة الدم الحمراء فاقعة اللون
والتي ضلت عن السرب
ولم تحطّ على ثياب القتيل
نشفت وصارت سوداء

– من أنت أيها القتيل؟
من أنت؟

– أنا حذاء ذكي
أربط نفسي بنفسي
حذاء فوري
ألبس الأقدام
دون أن ينحني أصحابها!

– وأنا حذاء الباليه:
الطائر الذي ضل عن السرب
ولم يصطف على العتبات
يستمع إلى الموسيقى
ويغني ويرقص على الخشبات

– مثل خصيات المغربل
يروح الإنسان ويغدو
في الحياة بلا أي طائل

….

فآه!
في رأسي بيت عزاء
آه.. يا فردة الحذاء

**

كان مقهى صغير المساحة
في الكتة، واسمه دبين كافيه
هكذا تشي ثلاث لافتات
علقت على واجهته ببلاهة، وما تزال!
ألقيت إليه نظرة من شباك الباص
فلمحتني معلقاً على إحدى جدرانه من أنفي
– صار محل أحذية قديمة إذاً، يا لها نقلةً رائعةً! –
دخل زبون وراح ينتعلني للتجربة
 لكنني، ويا لسوء حظه، كنت ضيقاً

**

شبه يجمع طارق عبد الحكيم وناجي علوش
وختيار كبير هنا يدعى العماوي
شبه آخر يجمع ناظم غزالي وجمال عبد الناصر
وفراس العجلوني
وأنا سعيد باقتناص هذا التشابه
سعيد جداً أيها العالم الذي اختلط علينا
فلا رأس يعرف له من مؤخرة!

**

وقع قلبي على الأرض
انكسر
وتشظى مليون شظية

أمسكت بواحدة منها
وشطبت وجه العالم

**

العالم مجاز يا الله
وأنا قارئ مبتدئ
عند بوابته الكبيرة
كسرت جرة هواء
ومضيتTop of Form

**

ركلت الحياة فدخلت مرمى العدم
ركلت الأرض فابتلعها ثقب أسود
ركلتها، ركلتها!

وجدتها..
وكان يقول لي: عِ.
وكنت أعوي في الشوارع كالكلاب
كلما شدتني الجاذبية في أنثى عابرة

أرخميدس- يا أرخميدس –
أنا أهم منك!

كانت تسير على كعب عال
في مكان غير هذا المكان
وفجأة انكسر الكعب
فسقطت على الأرض
الحياة

نيوتن – يا اسحق نيوتن –
أنا أهم منك!

**

بلغة قطاع الطرق البسطاء
أقول لهذا العالم:
»تحياتي لمن دمر لي حياتي«
لمن صنعها وأوجدها
وورطني بي وورطها
وأعدمني وأعدمها
تحياتي..

أنا عارف الذي لا يعرف شيئاً
أندههُ بأعلى ما عندي من صوت:
هيه أنت
أبصق على وجهك
وأكيل لك الشتائم البذيئة

أحطم رأسك الكبير
وأصنع من جمجمتك المجوفة
كأساً أشرب به الشاي والنبيذ

أمحو مستقبلك التعِس
وأمزع صفحة حاضرك الغائب
وصفحة وجهك القبيح

لن تحتفي إلا بالماضي فقط
هذا إن كان لك ماض أصلاً
وإن وجدت الوقت لتحفتي فيه!

عنقك الطويلة تلك..
سيحزها وقتٌ غريب ليس كحد السيف
وقتٌ يتمنى السيف لو أنه حاد مثل حرابه التي لا تعد
ورماحه التي لا تصد

أنا لن أرحمك أبداً
ولن أشفق حتى عليك
فحذار حذار أن أراك
أيها العالم الشفاف الحقير!

**

كائن في المريخ
(ليس غريباً على أية حال)
يذرف الخطوات على الرصيف
ويذرف الأفكار والدموع والسجائر
يسحب ثلاثة أنفاس سريعة
من سيجارة أخيرة توشك على الانتهاء
ثم يلقي بها بعيداً

السيجارة الأخيرة
تسقط على كوكب الأرض
فيحترق

أكاد أسمع صوته في الداخل.. داخله، يقول:
لا يهمني إن كنت غاضباً يا سيدي، اغضب
واضرب رأسك في الحائط، هذا أكبر ما لديك!
وإن كنت راضياً لا يهمني
ارض وسبّل لي بعيونك، لن ألتفت إليك
ولن أبادلك حفنة من مودة
أو أزرع لك فسيلة في حاكورتي

خيمتك الزرقاء الوسيعة
تستوعب الدنيا بما عليها ويزيد
فلا تخرج منها مكثارَ الخير
ابق مع صانع القهوة المرّة، وضارب المهباش
والشاعرالذي يتغنى بكرمك وأصلك
ارتم في أحضان زوجاتك
اللواتي يتلصصن من سجف الستار
إلى أحاديث الرجال ووجوههم الجلفة

تغيّب عن وجهي
لا أريد أن أراك هنا في كل مكان!

**

أبحث عن بداية ما
لأية نهاية

في البدء كان الجنس
ثم جاء القتل!

كان الراعي يسرح في الأفق
يرنو إلى السماء
يطأطئ المزارع رأسه في الأرض
لا يرفعه إلا لشرب الماء

هذا يتأمل، والثاني يتململ

هابيل البدوي يقدم كبشه السمين
قرباناً للإله
قابيل الفلاح يأتي بثماره الناضجة
والله يبحث عن الدم في القرابين
ولا يحب الفلاحين
يعجبه النفخ في القصب
والعزف على الربابة..

فتمهل يا هابيل الحيوانيّ
تمهل يا قابيل النباتيّ:
بصخرتين اثنتين
يشجّ كل منكما حياة الآخر

وفي الصباح
عندما تَسقط الشمس نيراناً مسعورة
وتمد خيوطاً من ذهب ويدين..
للفتيين الثائرين
يطل آدم من بعيد
ويبكي ولديه القتيلين وفرجه العقيم
حوّا تنوح نواح الذئب الذي خانته ليلى
ثم تسعى بين الصخرتين الشريفتين
وتطوف حول الجثتين..

عندها فقط
يدوي نعيق الغراب
إيذاناً بالخير والمحبة

**

فانفخي في روحي
أيتها الآلات النفخية
وانفخي حتى تقوم القيامة
حتى يجيء الخلاص الوحيد

ويا أيتها الكمنجات غيبي وغيبي

إلى الأرض يا اسرافيل
يا عازف السماء
اهبط لجمهورك الدنيوي الكبير المؤكد
أدِّ على البوق لحن الختام الطويل الطويل
لا تتردد.. لا تتردد
سيحضرك الجميع لأن التذاكر مجانية
والعزف جميل

(2)

هذا الصباح أصغر من أن يفعلها
ولا الليل!Top of Form
لجلجامش عشبة الخلود ولي عشبة العدم..
لا أريد للشر أن ينكسر!
مؤقتة أرى الأشياء وتراني مستمراً ودائماً..
هكذا أكون الخاسر
الذي لا يصيب من الحياة سوى الخوف!
الحياة هي المستحيل الرابع
فاذهبوا وحدكم واتركوني
أنا سأظل قاعداً هنا بانتظار الأغاني
أحدق من النافذة كأنما أترقب حدوث شيء ما
وتجيء الأصوات من مكان لا أعرفه
أصوات حادة وصاخبة تستبيح هدوئي
على أماندا أن تجيء إلي الآن:
هيا! أمامي إلى سرير وسعه السماوات والأرض

**

أحب رقص الهنودِ
وأحب رقص النهود

برَصٌ في يدي لا يزول!

رفعت كفي إلى بنات نعش في الشمال
إلى سهيل اليمانيّ في الجنوب
ولم أشفَ
ماذا أفعل؟

ضممت يدي إلى نهد أماندا
فخرجت «بيضاء من غير سوء»

المرأة التي فيّ
أماندا
تتعنصر لبنات جنسها
وتنبذني
تميل إليهنّ
فأميل

**

سوف أجمع أشيائي
ينبغي أن أجمع أشيائي

أشيائي أشلائي!

سوف أدعو الله
يجب أن أدعوك يا الله

أدعيتي كلماتي
وسمائي مسقوفة كالبيوت

سوف أقبل حبيبتي
لا بد وأن أقبلك يا حبيبتي

قبلاتي جمرات تحرق فمي
وتهوي على شفاهك

أنا في مكة الآن
لا أطوف حول الكعبة
بل أدور حول نفسي

أنا في نحلةَ الآن!..

ولقد مروا من جانبي:
الأول صفعني
الثاني بصق علی وجهي
الثالث رفع الوسطی وفرقع ضحكة كبيرة
والرابع كان أماندا تفَلتْ عشرات القبل
ومضت

فيا نهد
يا قليل الدين
اخرج من رأس المؤمن
غير مأسوف عليك!
ثلاثة كراسي
له
ولها
وللشيطان
فاخرج غير مأسوف عليك
اقفز في فم المؤمن
غير مأسوف عليك

يا رب هذا النهد
أو شيطانه
عرّج ولاقيني هنا..

بالضبط عند السكر
أربط ساعتي، وقتي
ويأخذني ويرجعني
وينساني ويذكرني
ويضرب لي ما لا يحدّ
ولا يردّ

وتضرب مثل السكر
ناهدها اللذيذ
»وأنا أصدق كل ما قال النبيذ»

**

ومشيت في الشارع..
أنا في بلاد تداركها الله الآن!
أحدق في الرجل الذي
لا يدري ما جرى له الناس
ولا أدري، ولا يدري

يتسمّر فجأة في الشارع
مثل تمثال قديم..

ويشبك ذراعيه الواهنتين على صدره
يمشي في الذهاب وفي الإياب
ويمشي، ويبكي بأعلى صوته
ينتحب، ينفل شعره
وينبح ربما باحثاً عن عظمة يتسلى بها..

ثم يسبح لربه
ويزرع ركعتين يانعتين في أرض مجدبة

الرجل الذي رأى امرأة جميلة
على حين غرة
– ويا غافل لك الله –
ينهي الركعتين
ويزرع سكيناً في خاصرته
وينسى

**

الرجل الذي رأى امرأة جميلة..
ورأيتها أنا أيضاً!

لا تلتفت إلى الأشياء من حولها
عيناها شاخصتان نحو الله

رأيتها أنا أيضاً..

شعرها يصبّ على الأكتاف
خصرها حبل يربط وتداً بخيمة
تمشي وهي تحدق بعيون ثابتة
في الأرض بين قدميها الشريفتين

يا له وجهاً قلقاً وادعاً
يا لهن من نهدين مشاكسين!
تسرح في خيالها بعصاً طويلة
وناي حزين

«تقتل القتيل وتمشي في جنازته»
تلعن شمساً قريبة
ثم تمضي تحت قيظها في الظهيرة
جبهةً تسحّ الخمر
ذراعين لا تكفّان عن التلويح للعابرين

رأيتها تحت مطر خفيف
يتساقط على مظلتها اللطيفة
يهمي على قلبي الجريح

ورأيتها.. في الثلج في كانون
على رأسها قبعة صوف
حول عنقها وشاح مزركش
ومحبوك بالنَّول والمِغزل والعويل..
وترتدي معطفاً طويل

المرأة الفصولية
المرأة الفضولية المتلونة
زهرةٌ في الربيع
ورقة أخيرة تكشف عورة العالم
في الخريف

تنمو سنبلة بلون الحقول خضراء..
شقراء بلون الشموس
لتعجن ثم ترمى على نار الحطب

المرأة الرغيف
مرت من جانبي ذات مساء
مرور البرق وغابت
أجمل امرأة في العالم
تجعلني أرمي برأسي على كتف الجبل
وأبكي
كل مساء، كل مساء..

**

على أقل من مهلها
تسير أمام عينيّ الكئيبتين
تنقل مؤخرتها من اليمين إلى الشمال
تأخذ أنفاساً طويلة من سيجارتها
وتزفرُ..
يعلو الدخان ويحشو السماء بالغيوم
ثم- خلفها – في عز دين الصيف –
تهطل الأمطار حبالاً متصلة
تقرع صدري وتبللني
– لا يهمني البلل لا يهمني –
تطوّق عنقي وتحزّها
– لا تهمني الحياة لا تهمني –
لكنني أملك قلباً يتعب ويجفّ
كأوراق التين في تشرين
كلما رآها تسير في شارع
وتمجّ سيجارتها دون أن تكترث
بأحد، أو تنتبه إلى نفسها

حتى إذا ما سقط مطر غزير
وبلل ذراعيّ المكشوفتين
وملابسي الصيفية الخفيفة
وظلي الثقيل، لم تبالي ولم تلقي
ولو نظرة عابرة إليّ

تلك المرأة لا تلتفت إلى الرمانات
في صدرها، وهي تلوّح للقطاف
ولا تهمها العصافير
التي تحطّ على شعرها لتشرب الماء
وتبني أعشاشاً آمنة لا يقحفها أحد

**

وأنا لا أنتبه إليّ
أول الشتاء
حين تبكي الغيوم حمولتها الأولى
فتفوح رائحة شهية كامرأة..
لا أنتبه إليّ
أخرج مسرعاً لأعبّ ذرات التراب
خائفاً ومشتاقاً إلى خلاص ما
كمن تركض خلفه الكلاب المسعورة
في الأزقة

قلت لأترك البيت!
لأخرج في العراء!
وخرجت
مشيت في الشارع
انحرفت إلى الحقل
ولم أنتبه..
لم تنتبه إليّ المرأة التي
لا أعرفها ولا تعرفني
كانت تعبّ التراب مثلي
وتعتلي وجهها الفجاءة مثلي
والاغتراب..

ويرمي كلانا حفنة التراب من بين يديه
يشغل نفسه بالبرد الذي ينخر العظام
بالرعدة الباردة التي سرت فجأة في الجسد
وبالشقعريرة ترمي حباتها في الأثلام

كانت الشفاه ريشتين في جناح يمامة
والأطراف ثياباً على حبل غسيل

ويهرب الدفء
تلاحقة حيوانات الشتاء
من كل صنف زوجين

كانت تتلوّى الأشجار
تهمهم..
وتميل مع الإيقاع الغريب

الريح تعوي بأغنية لم تخطر على بال أحد
تعوي على النساء اللواتي ذهبن ولم يعدن

وهزيم الرعد، وميض البرق
وشريط الأفكار السريع يعدو
ويمتدّ حبلاً يشدني مني إليها ومنها إليّ
هكذا حتى تهدأ الشفاه على الشفاه
ثم ما يلبث يحدث الذي حدث!

(3)

– لماذا عندما أكون حافياً لا أری إلا القبر؟
– لأن عيون الإنسان في أخمص قدميه.
– وماذا أفعل كي أَعمى أو أُبصر
ألبس جوربي أم أخلعه؟.

لبست جورباً جديداً فتناهشته الثقوب
خفتُ.. دهشت
وقلت حذاؤك عند عتبة البيت
مثل قطة أليفة
فانتعله وأمعن في الهروب
لكن بصراً ثاقباً أمسك بي

سرتُ حافياً أبحث عن قبري
حتى أسقط فيه، فلم أجده ولم يجدني
حفرته بيديّ ولم أستدل عليه
لم يستدل عليّ

حفرت قبر أخي
حتى أسقط فيه..
مات

من حفر حفرة لأخيه
لم يسقط فيها
ولم تتلوث يداه

**

أنا في أمة تداركها الله:
الذين أساؤوا للهباء المنثور
حين شبهوا حياتهم به..

ذرات الذهب الصغيرة
زغب العصافير الذي يطير في الهواء الطلق
الريش الخفيف الذي يكسو جسد الفضاء
فرخ الشمس المسكين ــ
الذين أساؤوا لجلالته واستباحوه
ثم لعنوه ولعنوا الظلام الجميل
لم يجرؤوا علی شتم الشمس
أمه التي أنجبته وأنكرته
ورمته في شوارع الأرض المقفرة.

من أمة بطشت بها السماوات
رأيت نصف دائرة في كتاب الرياضياتِ
للصفّ الخامس، فسرحت بها طويلاً
لا أريد لهذا النصف نصفاً آخر
لا أريد لها أن تكتمل إلى دوامةٍ / دائرة
سوف أقتلعها من الصفحة
وأقتلع معها رزمة من الخطوط المستقيمة
كي يكتمل حوار القوس والكنانة..

وإلا فاحملني بيديك القويتين يا أبي
وارشقني عالياً في السماء..
فلربما أقطف بتلة من أقحوانة الشمس
لحبيبة الغد والأمس

ربما أصبح قمراً، أو نجمةً، أو شهب
فأرتدُّ إلى الأرض نيزكاً من لهب

أحط على غيمة
حيث يُدرك كنه الماءِ؛ السبب!
سأسقط – لا بدّ – مطراً غزيراً على أرضنا
كالذهب

يتلقّفني الذي في السماء السابعة
وينفحني جنانه الواسعة

ارشقني مرةً، اثنتين، ثلاثة
ثم سلّمني إلى يد التراب أموت
ارشقني يا أبي
لأسقط في التابوت

(4)

جاءنا ممدداً على ظهر حصانه:
يداه تلوحان للغريب قبل القريب
ساقاه تتهدلان في الهواء
رأسه بندول، وصدره المطعون ثابت..
نزيفه يتحرك

والحصان مسربلاً بدم القتيل
يبكي ويصهل بأعلى صوته:
– لقد مات لقد مات.

ينهمك بالنشيد الجنائزيّ
ثم يلحق وراء فارسه
فلا ينعاهما أحد إلا الجهات

ومات
لم ينتبه أحد ولا حتى حبيبته القديمة
لا النساء الباكيات ولا الرجال
ماتا وكان الذبح شرعياً
حلال

**

وضعوا شكيمة في فمي
ولم يأخذوني إلى الحقل ولا إلى الحرب
لم يعتلِ صهوتي فارس
ليركض نحو العدو \ البلاد

أنا جائع جداً:
لا أخضَم الشعير أو العشب اليابس
من زمان..
ولا تؤكل الشكيمة!

مجهولة هويتي
ليس بوسعي أن أصهل أو أنهق
أن أنام على فرسي
أو أرشّ حمارتي بزهر النهيق المعسّل

أركض وأركض
خفيفاً سريعاً..

فكرتي يحبسها فمي الملجوم
فكرتي تتلاشى في الصحراء الواسعة
كيف أنقذها من الهلاك؟
قلمي ليس معي
يداي قوائم
كفاي
– حزني على كفيّ –
أقدام.. حوافر!

**

مرة تمنيت أن أصير قشة
صغيرة وتافهة في عش صغير وتافه

عش على غصن أخضر
أو داخل جحر لا تصله الأفاعي الرقطاء

كانت السماء مفتوحة فتحققت رغبتي

حطّت الدوريّ على الأرض
والتقطتني بمنقارها الصغير
ثم طارت من جديد إلى الشجرة
راحت ترتّب قشة، فوق قشة
فوق قشة.. فوقي!
حتى اكتمل العش الهادئ
ورقدت بدفء على بيضها فيه.

لكن ابن آدم عندما تبرعمت الصيصان
ونما لها الريش الخفيف
جاء وقحف العش، كان ينادي:
– عارف يا عارف أين ذهبت يا صديقي؟.
حتى استدل على الشجرة وفعل فعلته
ثم نسيني بعدها، ونسي أمي..

أنا القشة التي قصمت ظهر العصافير!

**

– ذبحت الدوري الصغير فطار.
هكذا تقول الطفلة الوادعة.

يموت العصفور حين تزغرد البندقية
أنت! أيها الصياد الفقير المشرد
رصاصاتك التي تطلقها بلا جدوى
لتأكل طائراً بحجم لقمةٍ
أفرغها في رأسي وخذ كل ما في محفظتي
العالم الشفاف الحقير كله
رهن إشارة من سلاحك
وتلويحة صغيرة من عقال الدبكة والغضب

موسيقى رديئة ورصاصات
الناجح الذي يرفع يده فرحاً مختالاً
ويضغط على الزناد
لا يوجه الهدف إلى رأسي للأسف!

والعريس الأبله
لا يعرف أن الفرح ليس هنا
في هذه الساحة المفتوحة
بل حيث تغني زوجه
بشهوة مسعورة داخل البيت:
يا حبيبي وخذني عن عين النيام
وخذني يا حبيبي برفق كي أنام!

لا يعرف أنني لم أنم منذ وقت طويل
أن رصاصة واحدة تنقذني
من هذا الأرق

**

أيتها الدجاجات
أنا طرت
لقد طرت أيتها الدجاجات
فلماذا لا تطرن معي!..
لكن الدجاج يحلق من دون رأس فقط!.

ويا نعام
أخرج رأسك من ذلّ الرمل
رفعت رأسي، وخلعته..
رميته في سديم الفضاء
مؤخرتي نسيتها على التينة
كي يرميها الأطفال بالحجارة والسكاكين
ويركلها المارة بكل فظاظة
فارفع رأسك يا نعام
واترك لمؤخرتك الكبيرة
أن تحلق في رحاب السماء

**

أنا ما كنت أعرفني
لولا رأيت النار تضرم شرها في خاطري
قدّام رب الناس..
لولا رأيت النار تضرم شرها
في خاطري
لولا رأيت النار!
أنا ما كنت أعرفني..
ما كنتُ
ما!
أنا ما كنتُ..
أنا ما
أنا؟.

*****

خاص بأوكسجين


شاعر من الأردن.

مساهمات أخرى للكاتب/ة: