فنسنت
العدد 278 | 16 تموز 2023
جون برجر


 هل لا يزال في الإمكان قول المزيد عنه؟ أتساءل وفي ذهني أولئك الذين كتبوا، بمَنْ فيهم أنا، والجواب هو “كلا”. وإذا نظرتُ إلى لوحاته، يكون الجواب من جديد – لسبب مختلف – “كلا”؛ إنَّ لوحاته تأمرنا بالصمت. كدتُ أقول “تناشدنا”، ولكنَّ الكلمة كانت ستكون زائفة، إذ ليس هناك أي شيء مُحزِن في أي لوحة أبدعها – ولا حتى الرجل العجوز الذي يضع رأسه بين يديه عند بوابات الأبدية. لقد بقيَ طوال حياته يكره الابتزاز والرثاء.

   فقط عندما أنظر إلى لوحاته يبدو من العبث إضافة أي شيء إلى ما فيها من كلمات. ربما لأنَّ لوحاته هي شكل من الكتابة، وهو غالباً ما يرسم في رسائله. والمشروع المثالي بالنسبة إليه هو أنْ يرسم عملية تقدُّم رسمه، أنْ يستعير يده التي ترسم. ومع ذلك سأجرّب حظي مع الكلمات.

   أمام إحدى اللوحات، نفّذها في شهر تموز عام 1888، تمثّل مشهداً طبيعياً يُحيط بأطلال دير مونماجور بالقرب من أرل، أعتقد أني أرى جواب السؤال الواضح: لماذا أصبح هذا الرجل الرسّام الأشهر في العالم؟

   إنَّ الأسطورة، والأفلام السينمائية، والأسعار، وما يُسمّى بالشهادة، والألوان البرّاقة، كلها لعبت دورها وضخَّمت من جاذبية أعماله عالمياً، لكنها لم تبلغ الأصل. وأقول لنفسي وأنا أقف أمام لوحة أشجار الزيتون، إنه محبوب لأنَّ عمل الرسم بالنسبة إليه بالخط أو بالألوان كان أسلوباً في اكتشاف وعرض سبب عشقه هو العنيف لِما ينظر إليه، وما نظر إليه خلال السنوات الثماني من حياته كرسّام (نعم، فقط ثماني) ينتمي إلى الحياة اليومية.

   إنني لا أعرف أي رسّام أوروبيّ آخر تعبِّر أعماله عن مثل ذلك الاحترام الصِرف للأشياء اليومية من دون أنْ تسمو بها، بصورة ما، من دون الإشارة إلى الخلاص عن طريق مثل أعلى تجسّده الأشياء أو تخدمه. شاردان، دو لا تور، كوربيه، مونيه، دو شتال، ميرو، ياسبر يوهانس – هم قِلّة من كُثُر – كلهم دعمتهم بفخامة أيديولوجيات تصويرية، في حين أنه تخلى، حالما تخلّى عن أول نداء داخلي ليُصب واعظاً، عن كل أيديولوجيا. أصبح وجودياً حصراً، مجرّداً من كل أيديولوجيا. فالكرسي هو كرسيّ، وليس عرشاً. والحذاء تهرَّأ من طول المشي. وأزهار عبّاد الشمس هي نباتات، وليست كواكب سيارة. وساعي البريد يُسلّم رسائل. وأزهار السوسن سوف تموت. ومن عُريه هذا، الذي رأى فيه مُعاصروه سذاجة أو جنوناً، تنبع مقدرته على أنْ يُحب، فجأةً وفي أية لحظة، ما يرى أمامه. وحالما يلتقط قلم الكتابة أو فرشاة الرسم، يُكافح ليُدرك، ليُنجِز ذلك الحب. إنه رسّام- عاشق يُشدد على خشونة الرقّة اليومية التي نحلم بها جميعاً في أفضل لحظات حياتنا ونميِّزها على الفور حالما تتجسّد …

   كلمات، كلمات. كيف تتجلّى في عمله؟ بالعودة إلى الرسم. إنها بالحبر، مرسومة بقلم من قَصَب. كان يُبدع العديد من مثل هذه اللوحات في يوم واحد. وأحياناً، كهذه المرة، ينقلها من الطبيعة مباشرة، وأحياناً من إحدى لوحاته هو، التي يُعلّقها على جدار غرفته ريثما تجفّ الألوان.

   إنَّ مثل هذه اللوحات ليست دراسات تمهيدية بقدر ما هي آمال تنبض بالحياة؛ إنها معروضة بأسلوب أشدّ بساطة – بعيداً عن تعقيدات التعامُل مع الصِباغ – حيث يأمل أنْ تقوده عملية الرسم. إنها خرائط لحبّه.

   ماذا نرى؟ زعتر، شُجيرات أخرى، صخور جيريّة، أشجار زيتون على تل، وعلى البُعد سهل، وفي السماء طيور. إنه يغمس القلم في حبرٍ بُنيّ، يُراقب، ويُعلِّم على الورقة. الإيماءات تصدر عن يده، ورسغه، وذراعه، وكتفه، وربما حتى عن عضلات عُنقه، لكنَّ لمسات الريشة التي يضعها على الورقة تتبع تيارات الطاقة التي لا تصدر عنه جسدياً ولا تتجلّى إلا عندما يرسمها. تيارات الطاقة؟ إنها طاقة نموّ الشجرة، وبحث نبات عن الضوء، وحاجة غصن إلى التكيُّف مع الأغصان المجاورة، وطاقة جذور الشوك والشجيرات، وثقل الصخور على منحدر، وضوء الشمس، وطاقة جذب الظل لكل ما هو حيّ ويُعاني الحرّ، وطاقة الريح الشمالية الصرصر التي شكّلتْ طبقة الصخور. إنَّ لائحتي عشوائية؛ وما ليس عشوائياً هو الشكل الذي تتركه لمساته على الورقة. إنَّ الشكل يُشبه بصمة الإصبع. إصبع مَنْ؟

   إنها لوحة تمجِّد الدقّة – كل لمسة واضحة وجليّة – لكنها نسيت نفسها في انفتاحها على ما واجهت. والمواجهة من القُربْ بحيث لا يمكن تمييز مَنْ هو أثر مَنْ. إنها حقاً خريطة للحب.

   بعد ذلك بعامَين، قبل وفاته بثلاثة أشهر، رسم لوحتين صغيرتين بالألوان تمثّل فلاحين يحفران في الأرض. نفّذها من الذاكرة لأنها تشير من جديد إلى الفلاحين الذين كان قد رسمهم قبل ذلك بخمسة أعوام في هولندا وإلى المرات العديدة التي عبَّر فيها عن تقديره طوال حياته إلى ميليه. وهي أيضاً لوحة موضوعها نوع من الانصهار نجده في الرسم.

   الرجلان اللذان يحفران رُسِما بالألوان نفسها – بُني البطاطا، ورمادي الرفش وأزرق ملابس العمل الفرنسية الفاتح – التي رسم بها الحقل، والسماء والتلال البعيدة. إنَّ لمسات الفرشاة التي تصِفُ أعضاءهما متطابقة مع تلك التي تتبع الحُفر وأكوام التراب في الحقل. ومرفقا الرجلَين المرفوعَين يُصبحان مُرتفعَين آخرين، رابيتين أُخريين، في وجه الأفق.

   واللوحة طبعاً لا تبيِّن أنَّ هذين الرجلين هما “كتلتان من التراب”، هذه العبارة استخدمها العديد من المواطنين في تلك الفترة الزمنية لإهانة الفلاحين. إنَّ انصهار الأشكال الإنسانية مع الأرض يُشير بقسوة إلى تبادُل الطاقة التي هي جوهر الزراعة، ويُفسِّر، على المدى الطويل، السبب في أنّه لا يمكن إخضاع الإنتاج الزراعي لقانون اقتصادي صِرف. ويمكن أنْ يُشير أيضاً – من خلال حبّه الخاص واحترامه للفلاحين – إلى مهنته كرسّام.

   على امتداد كامل حياته القصيرة اضطرّ أنْ يعيش ويُقامر مُخاطِراً بضياع ذاته. يظهر هذا الرهان في صوره الذاتية كلها. إنه يرى نفسه غريباً، أو شيئاً تعثَّر به في الطريق. ولوحاته الشخصية للآخرين أكثر شخصية، والتركيز فيها أشدّ. وعندما أفلتتْ الأمور من يده، ضاع تماماً، وكما تُذكّرنا الأسطورة، كانت العواقب كارثيّة. وهذا يتجلّى أيضاً في اللوحات الملونة والخطيّة التي نفّذها في مثل تلك اللحظات. لقد أصبح الانصهار انشقاقاً. وألغت الأشياء بعضها بعضاً.

   عندما يربح رهانه – أي في معظم الأحيان – كان يسمح له غياب الخطوط المُحددة لهويته أنْ يكون منفتحاً بصورة خارقة، أنْ يخترقه ما ينظرُ إليه. أم أنَّ هذا خطأ؟ لعلّ الافتقار إلى الخطوط المُحددة سمح له بالاسـتسلام، بمغادرة الآخر وولوجه والنفاذ فيه. لعلّ كلا العمليَّتين حدثتا – مرة أخرى كما الوقوع في الحب.  

   كلمات. كلمات. فلنعُد إلى رسم أشجار الزيتون. أعتقد أنَّ أطلال الدير تقع خلفنا. إنه مكان مشؤوم – أو سيُصبح كذلك لو لم يكن أطلالاً. الشمس، الريح الصرصر، السحالي، زيز الحصاد، وطائر هدهد عابر، لا زالت تنظِّف جدرانه (كانت قد جُرِّدتْ في أثناء الثورة الفرنسية)، لا زالت تمحو آثار قوتها الغابرة وتشدِّد على الحاضر.

   بينما هو جالس وظهره للدير ينظر إلى الأشجار، يبدو أنَّ كرم الزيتون يسدّ الفراغ ويضغط نفسه عليه. إنه يتعرَّف على الإحساس – لطالما خبِره، داخل المنزل، وفي العراء، في البوريناج، في باريس أو هنا في بروفانس. إنه يستجيب لذلك الانضغاط – الذي لعلّه الحب الحميم الثابت الوحيد الذي عرفه في حياته – بسرعةٍ لا تُصدَّق وبانتباه أقصى. إنَّ كل ما تراه عيناه، تلمسه أصابعه. ويقع الضوء على اللمسات التي على الورق الرقيّ تماماً كما يقع على الحصى عند قدميه – على أحدها (على الورقة) سيكتب فنسنت.

   واليوم، يبدو أنَّ داخل الرسم شيئاً عليّ أنْ أُسميّه امتنان، وتصعبُ تسميته. أهو امتنان مكانه، أم مكاننا؟

*****

خاص بأوكسجين