غونتر غراس: تولد أي رواية من رحم قصيدة 2/2
العدد 155 | 02 تموز 2014
ترجمة: شادي خرماشو


الصحفية: هل سبق وتعلمت شيئاً من الانتقادات الموجهة إليك؟ 

غونتر غراس: على الرغم من أنني أحب أن أعتبر نفسي تلميذاً نجيباً، إلا أن معظم النقاد ليسوا معلمين أكفاء. لكن حدث خلال حقبة معينة، وهي حقبة أشتاق إليها بين حين وآخر، أن تعلمت الكثير من النقاد. إنها الحقبة التي كنت فيها عضواً في جماعة الـ47. كنا نقرأ من المخطوطات ونناقش ما فيها بصوت مرتفع. هناك تعلمت أن أناقش أعمالي وأن أعطي أسباباً لآرائي، لا أن أكتفي بأبداء الإعجاب بها. كان النقد يتم بشكل عفوي، والكتّاب يناقشون مستوى البراعة، وآلية تأليف الكتب، وغيرها من الجوانب الإبداعية. أما بالنسبة للنقاد، فكانت لديهم رؤيتهم الخاصة حول الآلية التي يجب أن يتبعها الكاتب في مؤلفاته. تلك المنظومة التي جمعت بين الكتّاب والنقاد كانت بكل ما فيها تجربة جيدة بالنسبة لي، ودرساً قيماً تعلمته. في الواقع، كانت تلك الحقبة مهمة للأدب الألماني ككل خلال الفترة التي أعقبت الحرب. فقد كان هناك الكثير من اللغط بعد الحرب، وخاصة في الدوائر الأدبية، لأن الجيل الذي نشأ خلال الحرب، وهو الجيل الذي أنتمي إليه، كان إما منقوص الثقافة وإما مضلَّل. كانت اللغة ملوثة. والأدباء المرموقين رحلوا عن البلاد دون عودة. لم يتوقع أحد شيئاً ذا قيمة من الأدب الألماني. قدمت الاجتماعات السنوية لجماعة الـ47 منهجاً نستطيع من خلاله إعادة إحياء الأدب الألماني. وقد كانت وراء بروز العديد من الكتّاب الألمان من أبناء جيلي، مع أن الكثير منهم لا يعترف بذلك. 

 

الصحفية: ماذا بخصوص النقد الذي تم نشره في المجلات والصحف والكتب، هل كان له أي تأثير عليك؟ 

غونتر غراس: أبداً. لكني تأثّرت بكتّاب آخرين. كان لألفريد دوبلين تأثير كبير علي لدرجة أنني كتبت مقالاً عنه بعنوان “عن معلمي دوبلين”. يمكنكِ التعلم من دوبلين دون التعرض لخطر تقليده. وأنا أعتبره أكثر أهمية من توماس مان. لا نجد في روايات دوبلين ذلك التناسق، وتلك الجمل المحبوكة بأسلوب كلاسيكي التي نجدها في روايات مان. المجازفات التي ارتكبها كانت أعظم شأناً. كتبه غنية، مفتوحة الأفق، ومتخمة بالأفكار. يؤسفني أن معرفة أغلب القراء في أمريكا وألمانيا بدوبلين تقتصر فقط على رواية “برلين إليكساندربلاتز”. لكني في المحصلة ما زلت أتعلم، وهناك الكثيرون ممن تعلمت الكثير منهم.  

 

الصحفية: وماذا بخصوص الكتّاب الأمريكيين؟ 

غونتر غراس: يظل ميلفل كاتبي المفضل. ولطالما استمتعت بقراءة ويليام فوكنر، وتوماس وولف، وجون دوس باسس. ما من أحد الآن في أمريكا كلها يكتب مثل جون دوس باسس، خاصة في تصويره المبدع للجموع. أفتقد إلى هذا البعد الملحمي الذي كان حاضراً من قبل في الأدب الأمريكي… لقد أصبح الآن عقلانياً بشكل مفرط. 

 

الصحفية: ما رأيك في الفيلم الذي أُخذ عن رواية “الطبل الصفيح”؟ 

غونتر غراس: استطاع شلوندورف أن يصنع فيلماً جيداً، على الرغم من أنه لم يتبع النمط الأدبي للكتاب. ربما كان هذا ضرورياً، لأن اتباع منظور أوسكار، الذي يروي القصة قافزاً بشكل مستمر من فترة زمنية إلى أخرى، كان سيجعل الفيلم بالغ التعقيد. صنع شلوندورف شيئاً بسيطاً للغاية. فهو يروي القصة كلها في نسق واحد. طبعاً هناك فصول كاملة من الرواية قام شلوندورف بحذفها من نسخة الفيلم. وقد افتقدت هذه الفصول. وهناك بعض الجوانب من الفيلم التي لم تعجبني إطلاقاً. المشاهد القصيرة في الكنيسة الكاثوليكية لم تكن ناجحة لأن شلوندورف لا يعلم شيئاً عن الكاثوليكية. هو بروتستناتي ألماني صرف، والكنيسة الكاثوليكية في الفيلم تبدو وكأنها كنيسة بروتستانتية، ولزيادة الطين بلة، صادف أن يكون فيها كرسي اعتراف. لكن هذا تفصيل صغير. أظن أن الفيلم، وبمساعدة الفتى الموهوب الذي لعب دور أوسكار، هو بالمجمل   فيلم جيد. 

 

الصحفية: لديك ولع خاص بكل ما هو غريب ومنفّر – يحضرني الآن بشكل خاص المشهد الذي نرى فيه ثعابين الماء تتلوى خارجة من رأس الحصان في “الطبل الصفيح”. ما هو مصدر هذا الولع؟ 

غونتر غراس: أنا مصدره. لا أفهم أبداً ما الذي يجعل هذه الفقرة التي تغطي ست صفحات بطولها، مزعجة إلى هذا الحد. إنه جزء من الواقعية الخيالية كتبت عنه كما أكتب عن أي تفصيل آخر. إلا أن أفكار الموت والشهوانية التي تثيرها هذه الصورة ولّدت نفوراً كبيراً عند الناس.

 

الصحفية: ما هو أثر إعادة توحيد ألمانيا على الحياة الثقافية الألمانية؟ 

غونتر غراس: لم يستمع أحد إلى الفنانين والكتّاب الألمان الذين كانوا ضد هذه الوحدة. لسوء الحظ لم يشارك معظم المثقفين في هذا الحوار، ولا أعرف إذا كان ذلك لكسل منهم أم نفور من قبلهم. في المراحل الأولى من الوحدة، كان المستشار السابق قد أعلن أن قطار الوحدة الألمانية قد غادر المحطة، ولن يستطيع أحد كبح جماحه. فاستولى على الجماهير حماس أهوج لا ضابط له. واعتُمدت هذه الاستعارة الحمقاء كأنها الحقيقة، وضمنت ألا يفكر أحد بالضرر البالغ الذي سيسببه هذا القطار الهائج لثقافة ألمانيا الشرقية. هذا بالطبع دون الإشارة إلى الضرر البالغ الذي سيتعرض له اقتصادها. ما كنت لأركب قطاراً لا يمكن التحكم به أو كبح جماحه، ولا يعبأ من يقوده بالأخطار. لقد ظللت واقفاً على رصيف المحطة. 

 

الصحفية: ما كان ردك على النقد اللاذع الذي وجهته إليك الصحافة الألمانية بسبب آرائك حول الوحدة؟ 

غونتر غراس: أنا معتاد على ذلك! والانتقادات لا تؤثر على موقفي. لقد تم تنفيذ الوحدة بطريقة انتهكت أبسط حقوقنا. كان من الواجب أن يتم العمل على سن دستور جديد عندما أعيد توحيد الولايات الألمانية، وأن يكون هذا الدستور مفصلاً على قياس مشاكل ألمانيا الموحدة. لم نحصل على دستور جديد، إنما أُلحقت الولايات الألمانية الشرقية بألمانيا الغربية، وانتهت المسألة. تم ارتكاب ذلك من خلال استغلال ثغرة قانونية. فقد احتوى الدستور على بند يهدف إلى تمكين الولايات الألمانية المنفردة من أن تصبح جزءاً من ألمانيا الغربية. كما يمنح هذا البند الألمان العرقيين، مثل المنشقين عن ألمانيا الشرقية، حق المواطنة الألمانية الغربية. تلك مشكلة حقيقية، فلم يكن كل ما هو ألماني شرقي فاسداً، وحدها الحكومة كانت فاسدة. والآن كل ما يمت لألمانيا الشرقية بصِلة، بما في ذلك المدارس والفن والثقافة والأدب، سيتم نبذه أو إخضاعه. لقد حُسم الأمر… هذا الجزء بكامله من الثقافة الألمانية أصبح معرضاً للاضمحلال والزوال.

 

الصحفية: الوحدة الألمانية هي حدث تاريخي تتناوله في كتبك بشكل متكرر. هل تحاول أن تقدم رواية تاريخية “حقيقية” عندما تكتب عن مواضيع مشابهة؟ وكيف تُكمل الأحداث التاريخية الخيالية التي تختلقها التاريخ الذي نقرأه في الكتب المدرسية والصحف؟ 

غونتر غراس: التاريخ ليس مجرد أحداث وعناوين. لقد عُنيت بشكل خاص بتطور الأحداث التاريخية في اثنين من كتبي، “اللقاء في تيلكتي” و”السمكة المفلطحة”. في “السمكة المفلطحة” تجدين سرداً للتطور التاريخي لغذاء الإنسان. لا يوجد الكثير من المواد حول هذا الموضوع. نحن عادة لا نطلق اسم “تاريخ” إلا على تلك الأحداث الخاصة بالحرب والسلم والقمع السياسي والأحزاب وسياساتها. مسيرة تطور غذاء البشرية هي قضية محورية تزداد أهميتها الآن على وجه الخصوص، حيث المجاعات والتضخم السكاني هما ظاهرتان متلازمتان في مجتمعات العالم الثالث. على أي حال، كان علي أن أبتدع توثيقاً لتاريخ من هذا النوع، وارتأيت أن أستخدم قصة خرافية كنوع من الاستعارة التوجيهية. عادة ما تقول القصص الخرافية الحقيقة، وتلخّص جوهر تجاربنا، وأحلامنا، وأمانينا، وإحساسنا بالضياع في العالم. وهي من هذا المنظور واقعية أكثر من الواقع نفسه. 

 

الصحفية: ماذا عن الشخصيات التي تخلقها؟ 

غونتر غراس: الشخصية الأدبية، خاصة البطل الذي يجب أن يستحوذ على الكتاب، هي عبارة عن مزيج من مختلف الأشخاص، والأفكار، والتجارب مجتمعة معاً ومختصرة في شخص واحد. على الروائي أن يخلق الشخصيات ويبتدعها – شخصيات قد تحبين بعضها وتكرهين البعض الآخر. يمكن النجاح بذلك فقط من خلال النفاذ إلى أعماق هؤلاء الأشخاص. إذا لم أكن قادراً على سبر أغوار الشخصيات التي أخلقها، ستكون حينها مجرد شخصيات ورقية، لا أكثر ولا أقل. 

 

الصحفية: تعاود شخصياتك الظهور مراراً وتكراراً في العديد من كتبك ورواياتك، أفكر الآن بشخصية تولا، وإليزبيل، وأوسكار وجدّته آنا على سبيل المثال. لدي انطباع بأن هذه الشخصيات جميعها هي عبارة عن أشخاص في عالم افتراضي خيالي أكثر اتساعاً بدأت أنت بتوثيقه من خلال أعمالك. هل فكرت يوماً بهذه الشخصيات ككيانات تتمتع بوجود مستقل. 

غونتر غراس: عندما أشرع بتأليف كتاب ما، أقوم برسم صور أولية لمختلف الشخصيات. ومع وصول الكتاب إلى مرحلة متقدمة، غالباً ما تبدأ هذه الشخصيات باكتساب حيوات خاصة بها، وعيشها كما يحلو لها. في رواية “الجرذ” مثلاً، لم يخطر في بالي أبداً أن أعيد تقديم شخصية السيد ماتسيزارث كرجل في الستين من عمره، هو من قدم نفسه لي، وفرض علي أن أشمله في الكتاب، قائلاً لي: “أنا ما زلت هنا، وهذه قصتي أيضاً”. هو من أراد الانخراط في أحداث الرواية. خلال سنوات عملي اكتشفت أن هذه الشخصيات على اختلافها تبدأ بإصدار الأوامر، وترفض الامتثال لرغباتي، وتعارضني. وقد يصل الأمر بها إلى فرض نفسها علي، وأجباري على استخدامها. على الكاتب أن يلتفت إلى ما تقوله هذه الشخصيات بين حين وآخر. وعليه بالطبع أن يستمع إلى صوت نفسه. هناك ما يشبه الحوار بين الكاتب وشخوصه، وممكن أن يتحول أحياناً إلى حوار ساخن جداً. بل يمكننا القول أنه يوجد نوع من التعاون بين الكاتب ومخلوقاته. 

 

الصحفية: ما الذي يجعل تولا بوكرييفك شخصية محورية في العديد من كتبك؟

غونتر غراس: شخصيتها معقدة جداً ومليئة بالتناقضات. كنت متأثراً جداً عند كتابة تلك الكتب التي ظهرت فيها. لا يمكنني شرح شخصيتها. لو كان بإمكاني ذلك، لكن لدي إجابة شافية عن هذا السؤال. أنا أكره الشروح، وأدعو القارئ ليرسم الصورة بنفسه. يأتي طلاب المرحلة الثانوية في ألمانيا إلى المدرسة، وما يريدونه فعلاً هو قراءة قصة ممتعة، أو كتاب بسيط بطله بطة! لكن لا يُسمح لهم بذلك. بل يُطلب منهم أن يفسروا ويشرحوا كل قصيدة، وكل صفحة ليكتشفوا ما الذي يريد الشاعر أن يقوله. ليس لهذا علاقة بالفن لا من قريب ولا من بعيد. يمكن للمرء أن يشرح شيئاً تقنياً له وظيفة محددة، لكن اللوحة أو القصيدة أو القصة أو الرواية تكون مليئة بالاحتمالات. كل قارئ يعيد كتابة القصيدة التي يقرأها. لهذا لا أحب الشروح. لكنني سعيد جداً لأنك ما زلت متأثرة بشخصية تولا بوكرييفك. 

 

الصحفية: عادةً ما تُروى كتبك من منظورات متعددة. في “الطبل الصفيح”، يتحدث أوسكار بصيغة المتكلم المفرد والمفرد الغائب. في “سنوات الكلاب”، ينتقل أسلوب السرد من المخاطب إلى الغائب. ويمكن ضرب أمثلة أكثر. كيف تساعدك تقنية السرد هذه على تقديم وجهة نظرك إلى العالم؟ 

غونتر غراس: يجب على المرء أن يبحث دائماً عن منظورات جديدة. خذي على سبيل المثال أوسكار ماتسيزارث: كونه قزم، طفل حتى وهو في سن الرشد، فإن حجمه وسلبيته جعلا منه وسيطاً مثالياً للعديد من وجهات النظر. يعاني من أوهام العظمة، ولهذا يتحدث عن نفسه أحياناً بصيغة الغائب، تماماً كما يفعل الأطفال الصغار أحياناً. هذا جزء من تمجيده لنفسه، ويشبه كثيراً “نحن” التي تشير إلى شخص الملك، أو كما كان ديغول يتحدث عن نفسه قائلاً “نحن، ديغول…”. هذه كلها عبارة عن حالات روائية تمنح بعداً للنص. في “سنوات الكلاب” يوجد ثلاثة منظورات، يختلف دور الكلب حسب اختلافها. يجسد الكلب في تلك الحالة نقطة الانكسار.  

 

الصحفية: كيف تغيرت اهتماماتك وتطور أسلوبك عبر مسيرتك كأديب؟ 

غونتر غراس: تصوِّر كتبي الرئيسية الثلاثة الأولى، “الطبل الصفيح”، و”سنوات الكلاب”، وأقصوصة “القط والفأر”، فترة زمنية واحدة، وهي فترة الستينيات. تجربة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية هي المحور الرئيسي في الكتب الثلاثة التي تشكل معاً “ثلاثية دانتسيغ”. في ذلك الوقت شعرت أنني مدفوع بشكل خاص إلى تناول الحقبة النازية في كتبي، وتحليل أسبابها ونتائجها. بعد ذلك ببضع سنوات، كتبت “من يوميات حلزون” التي تتحدث عن الحرب أيضاً، لكن كان فيها خروجاً فعلياً عن الشكل والأسلوب النثري الذي كنت أتبعه في ما سبقها. تقع الأحداث في ثلاثة أزمنة مختلفة، الماضي (الحرب العالمية الثانية)، الحاضر (العام 1969 في ألمانيا، وهو الوقت الذي بدأت فيه بالعمل على الكتاب)، والمستقبل (مجسداً في أطفالي). في الكتاب، كما في رأسي، تختلط هذه الحقب الزمنية معاً. لقد اكتشفت أن أزمنة الفعل التي كنا نتعلمها في المدرسة، الماضي والحاضر والمستقبل، ليست بهذه السهولة على أرض الواقع. كلما فكرت في المستقبل، تتدخل معرفتي بالماضي والحاضر لتؤثر على ما أسميه “مستقبل”. العبارات التي قيلت في الأمس ربما لم تصبح بعد ماضياً طواه النسيان وانتهى، قد يكون لها مستقبل أيضاً. نحن لسنا مقيدين ذهنياً بالترتيب الزمني للأحداث، إذ أننا ندرك العديد من الأزمنة في الوقت نفسه، ونتعامل معها وكأنها زمن واحد. عليّ ككاتب أن أدرك تداخل الأزمنة هذا، وأن أكون قادراً على تصويره. أصبحت هذه المواضيع الزمنية تكتسب أهمية متزايدة في أعمالي. رواية “هيدسبيرث” أو “الألمان ينقرضون” يتم سردها ضمن زمن جديد مختلق، وهو ما أطلقت عليه اسم Vergegenkunft. وهو عبارة عن كلمات الماضي، والحاضر، والمستقبل مجموعة كلها في كلمة واحدة. في اللغة الألمانية يمكنكِ دمج الكلمات معاً لتكوين تراكيب لغوية. الجزء ver يأتي من Vergangenheit، التي تعني “الماضي”، والجزء gegen يأتي من Gegenwart، أي “الحاضر”، أما الجزء  kunftفيأتي من Zukunft، التي تعني “المستقبل”. هذا الزمن المختلق الجديد حاضر أيضاً بشكل محوري في رواية “السمكة المفلطحة”. في ذلك الكتاب نرى الراوي يتناسخ مرة بعد أخرى عبر الزمن، وسيَره الذاتية المختلفة تمنح القارئ منظورات جديدة يتحرك كل منها في زمنه الحاضر الخاص به. أن أكتب كتاباً من المنظورات الخاصة بحقب زمنية متعددة، وأن ألتفت إلى الماضي من مكاني في الحاضر لأطل على المستقبل واستشرف ما سيحدث فيه، فقد كنت بلا شك بحاجة إلى شكل أدبي جديد. إلا أن روايتي هذه تجسد شكلاً أدبياً مفتوح الأفق، وهذا ما أتاح لي الانتقال بالشكل الأدبي من الشعر إلى النثر ضمن صفحاتها. 

 

الصحفية: في “من يوميات حلزون”، تجمع بين سياسات معاصرة من جهة، وقصة خيالية تروي ما حل بمجتمع دانتسيغ اليهودي خلال الحرب العالمية الثانية من جهة أخرى. هل كنت تعلم أن ما كتبته من خُطب ودعايات انتخابية لويلي براندت في العام 1969 سيتحول لاحقاً ليصبح مادة لكتاب؟ 

غونتر غراس: لم يكن لدي خيار آخر سوى الاستمرار في هذه الحملة الانتخابية، سواء كان ذلك عبر كتاب أم غيره. وُلدت في ألمانيا في العام 1927. كنت في الثانية عشرة من عمري عندما اندلعت الحرب، وفي السابعة عشرة عندما انتهت. أنا مثقل بهذا الماضي الألماني. لست وحدي من مر بتلك التجربة، هناك كتّاب آخرون عايشوا المرحلة نفسها وشعروا بما شعرته. لو أنني كنت مواطناً أو كاتباً سويدياً، ربما كنت قد تلاعبت بالشعور قليلاً، ورويت بعض القصص الطريفة عما جرى، وانتهى الموضوع. لم يكن هذا ممكناً، فبالنظر إلى الخلفية التي أتيت منها، لم يكن لدي خيار آخر. في الخمسينيات والسيتينيات، وفي عهد أديناور، لم يرغب رجالات السياسية في الحديث عن الماضي. وكانوا عندما يتحدثون عنه، يحولونه إلى حقبة شيطانية في تاريخنا… حقبة خان فيها الشياطين الشعب الألماني البائس المثير للشفقة. لقد ارتكبوا الكثير من الأكاذيب. كان من المهم جداً أن نخبر الجيل الشاب كيف حدث الأمر بالفعل، وأن يعلم هذا الجيل أن ما حدث حدث في ضوء النهار… ببطء شديد وأسلوب ممنهج. كان بإمكان الجميع في ذلك الوقت أن ينظر ليرى ما كان يحدث. أفضل الأشياء التي حدثت بعد أربعين عاماً من الوحدة الفيدرالية هو أنه قد بات بمقدورنا الحديث بحرية عن العهد النازي. وقد لعب أدب ما بعد الحرب دوراً هاماً في تحقيق ذلك. 

 

الصحفية: تبدأ رواية “من يوميات حلزون” بعبارة “أعزائي الأطفال”. في هذه العبارة دعوة موجهة إلى جيل بكامله نشأ بعد الحرب، لكنك تخاطب فيها أطفالك أيضاً. 

غونتر غراس: أردت أن أبيّن كيف وقعت الإبادة الجماعية بكل همجيتها ووحشيتها. كان لأطفالي الذين ولدوا بعد الحرب أباً يقود حملة انتخابية، ويلقي خطباً صباح يوم الإثنين، ولا يعود إلى المنزل حتى صباح السبت المقبل. كانوا يسألونني” “لماذا تفعل هذا، لمَ أنت بعيد عنا دائماً؟” حاولت أن أشرح المسألة لهم، لا بالكلام فقط، بل من خلال ما أكتبه أيضاً. المستشار الذي أُجبرنا على القبول به في ذلك الوقت، كورت جورج كيسينجر، كان نازياً أيام الحرب. لهذا لم أكن أقود حملة انتخابية من أجل انتخاب مستشار ألماني جديد، بل كنت أقودها ضد التراث النازي بأكمله. لم أكن أريد أن ألزم نفسي في كتابي هذا بالحديث عن الأرقام المجردة فقط، كأن أقول “أعداد لا حصر لها من اليهود قتلت”، لأن ستة ملايين هو رقم لا يقبله العقل. أردت أن يكون للعمل أثراً حسياً أكبر على القراء. لذا اخترت تاريخ معبد دانتسيغ اليهودي كرابط لقصتي. هذا المعبد الذي صمد في المدينة لقرون وقرون قبل أن يدمره الألمان النازيون خلال الحرب. أردت أن أوثّق حقيقة ما حدث هناك. في المشهد الأخير من الكتاب ربطت هذا التاريخ بالوقت الحاضر، حيث كتبت عن تحضيراتي لإلقاء محاضرة مهداة إلى ألبرشت دورر في عيد ميلاده الثلاثمئة. يجسد هذا الفصل تأملاً كئيباً في قطعته الفنية المنقوشة “ملنخوليا” (السوداوية)، والأثر الذي خلفته السوداوية على التاريخ البشري. يخيل إلي أن ثقافة الاكتئاب العام كانت لتجسد الموقف الصحيح الذي يجب أن يتخذه الألمان إزاء المحرقة. كان على من عايش تلك المأساة، وحزن وتفجع على ما جرى أن يمتلك البصيرة المناسبة لينقل إلى الأجيال القادمة الأسباب الحقيقية والنتائج المأساوية للمحرقة. لو حدث ذلك لتحولت هذه الحادثة إلى عبرة تناقلتها الأجيال حتى يومنا هذا. 

 

الصحفية: تركّز في العديد من كتبك على بعض مظاهر البؤس في عالمنا اليوم، والأهوال التي تنتظرنا في المستقبل. هل تهدف من ذلك إلى تعليم قرائك، أم تحذيرهم، أم حثهم على القيام بشئ لمواجهة هذا الواقع؟ 

غونتر غراس: أنا ببساطة لا أريد ان أخدعهم. أريد أن أصور لهم الوضع القائم كما هو، أو ما سيصبح عليه الوضع في المستقبل. الناس بائسون، ليس لأن كل ما حولهم شنيع وبشع، بل لأنه في مقدورنا نحن البشر أن نغيّر ما حولنا، لكننا لا نحرك ساكناً. مشاكلنا نحن من تسبب بها، ونحن من أمعن في ارتكاب الأخطاء، ونحن أيضاً من ينبغي أن يجد الحلول لها. 

 

الصحفية: توسّع نشاطك ليشمل أيضاً القضايا البيئية بالإضافة إلى السياسية، وقد جسّدت ذلك في العديد من أعمالك. 

غونتر غراس: سافرت كثيراً خلال السنوات القليلة الماضية، داخل ألمانيا وخارجها. ورأيت خلال هذه الأسفار العوالم الملوثة والمحتضرة، ورسمتها. نشرت كتاب رسومات أسميته “موت الغاب” يصوّر أحد هذه العوالم الموجود على الحدود التي تفصل الاتحاد الفيدرالي الألماني عن ما كان وقتها ما يزال اسمه الجمهورية الديمقراطية الألمانية. هناك، وقبل أن تحصل الوحدة على الصعيد السياسي، شهدت ألمانيا وحدةً من نوع آخر… كانت الغابات في كل ألمانياً تحتضر. حدث هذا أيضاً في سلسلة الجبال الفاصلة بين ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا. يبدو المشهد وكأن مجزرة ارتُكبت هناك. شاهدت هذه المجزرة ورسمت بعضاً من صورها. تحتوي الصور على موجز توضيحي، وعناوين حبلى بالمعاني، أُريد لها أن تكون تعقيباً أكثر منه توصيفاً. كما تحتوي أيضاً على كلمة ختامية. في هذا النوع من المواضيع والقضايا، للرسم ثقلٌ يوازي ثقل الكتابة، إن لم يكن أكبر منه.  

 

الصحفية: هل تعتقد أن في الأدب قوة تكفي لكشف الحقائق السياسية لعصر من العصور؟ وهل اتجهت إلى السياسة لأنك شعرت أنه بإمكانك كمواطن أن تقدم أكثر مما يمكن لك أن تقدمه ككاتب؟  

غونتر غراس: لا أعتقد أنه ينبغي ترك أمر السياسة للأحزاب… سيكون هذا خطيراً. عُقدت العديد من النقاشات والمؤتمرات التي كان موضوعها “هل يستطيع الأدب أن يغير العالم”. أظن أن الأدب قادر على التأثير بالناس ودفعهم إلى إحداث التغيير. كذلك هو الحال بالنسبة إلى الفن. كان للفن الحديث أثراً كبيراً في تغيير عاداتنا في النظر إلى العالم، فأصبحنا نراه من منظورات كنا بالكاد ندركها سابقاً. ابتكار مدارس فنية مثل المدرسة التكعيبية منحنا مجالات جديدة للرؤية وزوايا جديدة للنظر. ابتداع جيمس جويس للمونولوج الداخلي في عوليس أثّر بشكل كبير على فهمنا للوجود، وزاد من عمقه وتعقيده. المشكلة الوحيدة هي أن التغييرات التي يمكن أن يحدثها الأدب غير قابلة للقياس. العلاقة التي تنشأ بين القارئ والكتاب هي علاقة هادئة، مسالمة، وليس لها رنين. إلى أي مدى غيرت الكتب الناس؟ لا نعرف الكثير عن هذا الأمر. أستطيع القول فقط أن تأثير الكتب كان حاسماً بالنسبة إلي على المستوى الشخصي. إبّان الحرب، وعندما كنت شاباً، واحد من الكتب العديدة التي عنت لي الكثير كان المجلد الصغير الذي كتبه كامو، أسطورة سيزيف. ذلك البطل الأسطوري الشهير الذي حُكم عليه أن يدحرج صخرة إلى أعلى الجبل، فقط لتتدحرج بعد ذلك عائدة إلى قعره– صورة تقليدية لبطل المأساة– وقد تم تفسيره لي مؤخراً من قبل كامو على أنه سعيد في قدره. هذا التكرار الأبدي العقيم لدحرجة الصخرة إلى قمة الجبل هو في الواقع الفعل الذي يجعل لوجوده معنى. كان سيصبح بائساً لو أن أحداً حرمه من هذه الصخرة. كان لذلك وقعاً هائلاً علي. لا أومن بالهدف المطلق… لا أعتقد أبداً أن الصخرة ستبقى على قمة الجبل مهما حدث. يمكننا أن ننظر إلى هذه الأسطورة على أنها تجسيد إيجابي للظرف الإنساني، حتى لو كان يتعارض مع أي شكل من أشكال المثالية، بما في ذلك المثالية الألمانية، وحتى لو كان يناقض كل الأيديولوجيات. تبشّر الأيديولوجيات الغربية بشيء واحد لا غير، وهو الوصول إلى مجتمع سعيد وعادل يعمه السلام. أنا لا أؤمن بذلك. نحن عبارة عن أشياء تعيش في حالة من التقلّب. قد تكون هذه الصخرة تتدحرج بعيداً عنا بشكل دائم وعلينا أن نعيدها إلى القمة من جديد، لكنه شيء يتوجب علينا القيام به: لأن هذه الصخرة هي جوهر وجودنا. 

 

ما هو تصورك لمستقبل البشرية؟ 

غونتر غراس: طالما أن وجودنا ضروري في هذا العالم، سيبقى هناك أمل بوجود مستقبل ما. لا يمكنني أن أخبرك بالكثير عن هذا المستقبل في كلمة واحدة. لا أريد أن أعطي جواباً عن سؤال كهذا في كلمة واحدة. لقد ألفت كتاب “الجرذ” أو”أنثى الجرذ” أو “الجرذة”، سمِّه ما شئتِ. ما الذي تريدينه مني أكثر؟ لقد أعطيت جواباً لهذا السؤال استغرق مني كتاباً كاملاً… 

_______________________________

الصورة من أعمال المصور الفوتوغرافي المصري مراد السيد

*****

خاص بأوكسجين