طويل القامة، غامض ومُخيف
العدد 168 | 09 آذار 2015
كريستوفر لي/ ترجمة: أسامة منزلجي


[ كريستوفر لي: (مولود عام 1922): اسمه الكامل سير كريستوفر فرانك كارانديني لي، ممثل ومغني وكاتب إنكليزي من أصل أرستقراطي إيطالي. نشأ طفلاً وملعقة من ذهب في فمه، كما يُقال، ولكن سرعان ما انتُزِعَتْ من فمه بسبب إفلاس عائلته. خاض حياة كدّ شاقة منتقلاً بين أعمال مملة، ثم خدم في الحرب. في السينما اعتُبِر مفرط طول القامة، وأجنبيّ المظهر لكي يقوم بأي دور تمثيليّ – إلى أن جاءه دور دراكولا الذي جلب له الشهرة والحظ بالإضافة إلى سلسلة من أدوار الشر ومصاصي الدماء الأخرى. قام بأدوار شهيرة في أفلام أكثر شهرة، مثل سلسلة “حرب النجوم” و”سيد الخاتم” و”هوبيت” و”أليس في بلاد العجائب“. نال رتبة الفروسية عام 2009، ويُعتبر أفضل ممثل على الأرض. وهو صاحب أضخم ثروة بين الممثلين قاطبة في كل الأزمان، وتُقدَّر ثروته بـ  8321486066  دولار. في هذا اليوم بالذات، 27 شباط 2015 أُشيع عن موت هذا الممثل المُخضرم، ولكن اتضح أنها مجرد إشاعة نشرت على شبكة الإنترنت.

*

 

الإهداء

إلى غريتا وكريستينا مع كامل حبي

 

“أأنتَ تكتب سيرة ذاتية؟ عمَّن؟”

موظفة العلاقات العامة لشركة الفنانين المتحدين،

في أثناء جولة في الولايات المتحدة للترويج لفيلم 

“ذو المسدس الذهبي”

 

 

1

 

 “ها قد وصل!”

 

 

عندما يُصنع فيلم ما، فمن المعتاد أن تكون محاولة التصوير الأولى هي الأفضل. آمل أنْ ينطبق هذا أيضاً على الكتب، لأنه بعد طرح سبعة عشر وصفاً لامعاً للطريقة التي ظهرتُ بها على المسرح للمرة الأولى، يوم السبت، السابع والعشرين من شهر أيار، عام 1922، قرّرتُ أنْ أطبع أول وصف يخطر في بالي. وأتمنى أنْ أتمكن من استخدام العبارة الرائعة الهادرة التي سمعتها من أورسون ويلز في المناسبة الوحيدة التي أخرجَ لي فيها فيلماً، و” اطبع – بحماس! “. لكنَّ الحقيقة هي أنه ما كان لي ولا لهذا الكتاب أنْ يرى النور لو لم تنتبه الطبيعة إلى أنْ والديَّ كانا متلائمَين. لقد وُلِدتُ نتيجة ” خطأ “. لطالما قالت لي أمي هذا.

   من الممكن أنها لو قالت ذلك في هذه الأيام لعثرت على كثيرين يوافقونها. إذ واضحٌ من رسائلها المزعجة المُرسَلة إليّ أنها وهي في ثمانينيات عمرها لا زالت متشبّثة برأيها الأصلي. في حين أنني لستُ آسفاً في العموم بل وأجرؤ على الاعتقاد أنَّ كُتّاب العديد من النصوص السينمائية الرديئة ليسوا آسفين! 

   في الوقت الذي بدأتُ شخصيتي تتشكّل كأحد أفراد عائلة “لي”، كانت معجزات في طور التكوين من كل شكل وحجم تزعج مخيلة الناس. في الأسبوع الذي ولدت فيه، بدا كأن العالم كله، وليست أمي فقط، كان مملوءاً بالاحتمالات.

   مسكينة أمي! لقد كان الجو حاراً حرارة استثنائية. ودرجات الحرارة تجاوزت الثلاثين درجة وثبتت هناك. أوروبا كلها كانت أسيرة فخ الشمس. وكان الناس يقولون إنه شهر آب مُتخفٍ بهيئة شهر أيار، والقحط يُصبح أشد خطورة. ومع نهاية الأسبوع استُقبِلَتْ عاصفة رعدية، قد تكون أو لا تكون السبب في خروجي إلى الحياة، كفترة راحة وجيزة. في إبسون، كان سباق دربي للخيل الشهير، وفي رانيلاغ حيث كان فريق أرجنتين اللامع للبولو سيلعب، وفي ويمبلدون التي كانت على وشك أنْ تُعلن ثقتها في المستقبل بعدد كبير من ملاعب التنس الجديدة ومنصّة رائعة، هزَّ عمال الملاعب رؤوسهم يأساً أمام الأرض العشبية الجافة حتى التيبُّس وهرعوا إلى الخارج ليُحيوا العاصفة وهم يهتفون ” أرســـل الغيث، يا قديس بطرس! ” 

   لم يرضخ القديس بطرس مدة طويلة. كان هناك احتجاج عالميّ ضد الصعوبات التي يواجهها الحصول على رقائق صغيرة من الثلج. المُضيفات البلغرافيات  اللائي كنَّ صديقات أمي الحميمات وكنَّ مُعرّضات لخطر حقيقيّ باضطرارهن إلى مُضاجعة اللحامين وبائعي السمك الذين يتعاملن معهم من أجل الحصول على الثلج الذي يحتجنه لتبريد سيل النبيذ الأبيض من ماركة شابليس وبارساك الذي يجرعه رجالهن.

   تهديد خطير آخر لراحة بال حي بلغرافيا هو العدد الهائل من الدبابير الذي كان يُشارك في كل احتفال يُقام في الهواء الطلق. وكردٍّ على حالة الطوارئ كانت تُستدعى آلة للقضاء على الدبابير كلها. وكانت البديل للأسلوب التقليدي الذي كان يلجأ إليه المتنزهون والمعتنون بالحدائق برمي قطع من الطعام بالتدريج إليها بواسطة مضرب تنس. ولسوء الحظ كان الاختراع يُعاني من عيب، لأنَّ modus operandi (طريقة عمل) هذا السلاح بقيت سريّة حتى يومنا هذا، ولا زالت الدبابير بالإضافة إلى العديد من مُفسدي البهجة يحتشدون حولنا. 

   بالنسبة إلى قاطني منزلي الصغير كان النبأ الأكبر في ذلك الأسبوع هو أنَّ الملك والملكة أعلنا أنَّ الموسم ممتاز. وهما الآن مرتاحان! وللمرة الأولى منذ عام 1914، عندما أخفتت القضية القذرة مع ألمانيا صوت الأفراح الشعبية، كان في وسع الفتيات أنْ يبذلن قُصارى جهدهن ليظهرن بأبهى حلّة. لم تكن فقط الأحذية المسائية تعود من جديد بل وملابس البلاط الفخمة. وقد قيل إنَّ ذيل الثوب سوف يُصبح أقصر مما كانت في العهد الإدواردي – كان طول ثماني عشرة بوصة على الأرض هو سرّ أناقته – والريش أصبح ينخفض أكثر. طبعا لم يعترض أحد على ذلك، ما عدا التيات وأمهاتهن اللواتي قصصن شعورهن قصيرة. وكان حمل باقات الزهور أمراً اختيارياً وعلى الرغم من الشائعة التي قالت إنَّ الملكة شعرت بالاشمئزاز من رائحتها التي أثارتها إحدى الحمقاوات التي ظنّتْ خطأً أنها الملكة فيكتوريا، كان حملها أمراً مُحبباً.

   في أيرلندا تفاقم الإحساس بالمرارة، ووصلتْ أنباء تفيد باندلاع إطلاق نار ووقوع جريمة قتل ارتكبها إرهابيون في بلفاست. وبثقة لا تنثني في النفس، فرح الكتّاب الرائجون في لندن بنقل نبأ عقد صفقات عديدة من الكتّان الأيرلندي على مرمى حجر من موقع الشغب.

   كانت نسبة العاطلين عن العمل مرتفعة جداً، وأعلى نسبة كانت في مجال المسرح، حيث فاقم الحرّ الوضع بإسدال الستار عن العديد من العروض. وأصبحت جمعية الممثلين التعاونية موضع نقاش، مما أدى إلى خسارة مالية لعرض ” إيست لين ” في المسارح الثلاثة في باترسي، وستراتفورد ووالاسي، وانتهى بها الأمر إلى أنْ تُصبح مُدانة بثلاثمائة واثنى عشر جنيهاً.

   في يوم مولدي أوردتْ صحيفة ” التايمز ” مقالة مطوَّلة تُعلِم فيها قرّاءها بالظاهرة المذهلة للانتشار الهائل والمفاجئ للمذياع في أميركا، حيث قفز في غضون ستة أشهر عدد أجهزة الراديو في المنازل الخاصة من مليونين إلى سبعة ملايين. وتساءل المراسل الخاص للصحيفة إنْ كان يشهد مولد قوة مُكرّسة للخير أم للشر، ولكنها في كلا الحالين قوة يجب أنْ تغيِّر المجتمع. إذا كانت البرامج تدعو إلى الخير، كما أمل، فقد يتخلى الناس عن ارتياد مرابع شرب الخمر، وتأكيداً على هذا، ينبغي عدم السماح بمنح إجازة لحيازة الأجهزة في مرابع الشرب.

   كانت قراءات والدي تنحصر في ” الحياة الريفية ” و ” الحقل ” و ” أخبار لندن المصوّرة “. ” الحياة الريفية ” كانت تهتم أكثر بالشعبية المتزايدة للسينما. كانت منزعجة كثيراً من الحماس الذي تبدي به الفئات الساذجة إعجابها بالأفلام الأميركية. ومن أجل موازنة تأثير المشاهد الجنسية العديدة على العقل المتطور، قدّمت بكل جديّة الفكرة الممتعة حول إيجاد مدارس تتحد معاً لتشكِّل شركات إنتاج، لتصاع أفلاماً مأمونة بمواد مُستمدة من الإنتاج الأدبي الإنكليزي.

   قد يشعر بعض الناس، مع ازدياد نضج صناعة السينما البريطانية، أنَّه ما كان يمكن لتلك الشركات التي يُديرها أطفال بمبادئ سامية أنْ تقدِّم أداءً أسوأ. ولكن أنا مجرد ممثل مسكين لعين، لذلك لا يحق لي أنْ أفكر في النتيجة المُحتملة لتلك الفرص الضائعة.

   إنَّ ما يُثير فيَّ شعوراً غريباً هو التفكير في أنه في يوم السبت ذاك، كانت لائحة عناصر الجذب التي قدّمتها قلاع السينما في لندن يتبوأها فيلم ” مغامرات شرلوك هولمز “. ولو أنَّ أمي علِمتْ أنني ذات يوم سوف أُعيد أنا نفسي تجسيد شخصية شرلوك – وقد حدث ذلك في ألمانيا – لشعرت دون أدنى شك بأنها بدّدت عطلتها الأسبوعية! زيادة على ذلك، واصلتُ دعمي لصديقي العزيز بيتر كشنغ، عندما قام هو بأداء شخصية شرلوك، وأنقذني في دارتمور من الفيلم الفظيع ” كلب باسكرفيلز “. وقمت أنا بأداء شخصية شقيق شرلوك، مايكروفت،. ويجب أنْ أعترف بأنَّني أُدين إلى عبقرية بيلي وايلدر في تفوقي في أداء شخصية مايكروفت على أدائي لشخصية شرلوك.

   ثمة مُصادفة أخرى صغيرة وغريبة تخطر على بالي، على الرغم من أنني لستُ إنساناً مُتطيِّراً، أشعر بوجوب ذِكرها. لو أنَّ والديّ أدركا في حينه الصِلة لأُصيبا حقاً بالذعر وبالدهشة، ولتمنيا بحماس أكبر لو أنهما اقتصرا على إنجاب طفل واحد، أختي زاندرا، وكانت حينئذٍ في الخامسة. ففي الوقت الذي كانا يقومان بعملية إنجابي، كانت يُصنَع أيضاً فيلم  نوسفيراتو، أو بتسمية أخرى دراكولا، في النسخة الصامتة العظيمة التي نفّذها الألماني ف. و مورناو.

   يبدو لي أنه مقارنة بهذه الأيام كان أمام مرتادو السينما في يوم السبت ذاك في لندن خيارات كثيرة. فقد قدَّمَ سيسيل ب. دو ميل فيلم ” الفاكهة المُحرّمة ” في قاعة بالازيوم وقدَّمت الممثلة ميري بيكفورد أفضل أداء لها لتنتزع الإعجاب في فيلم ” نور الحب”. وبذلت بيرل وايت أقصى جهدها لتشق طريقها في الحياة، أو الحيوات، في فيلم “االلص” وتوهج توم ميكس في فيلم ” قوافل البراري”. ولم تكن بيتي بلايث وحدها تجتذب الحشود في صالة كنسال رايز بافيليون مع فيلم ” ملكة سبأ”، بل إنَّ ثيدا بارا كانت تُثير القشعريرة في القائمين على مونتاج فيلم “االحياة الريفية” بقيامها بدور سالومى في سينما إمباير كينيما. إذا لم تكن الموهبة والتسلية كافيتين، فقد كان هناك فنانان عظيمان يعملان في تلك المدينة: تشارلي تشابلن في فيلك “الولد” وبستر كيتون في فيلم “لافتة عالية”.

   لو لم أكن مرتبطاً، لرغبتُ بقوة في أنْ أمضي طوال تلك العطلة الأسبوعية الرائعة في التهام فخذ خنزير في الظلام وأُشبعُ نهمي فقط من أسلوب تنفيذ أدوات التسلية الرفيعة تلك.

   لكنَّ ما حدث هو أنني لزمت المنزل ووُلِدتُ في منزل رقم 51 من شارع بلغريف السفلي. وأشرف على ولادة أمي طبيب اسكتلندي عجوز لم يُبدِ لها أي تعاطف عندما لجأتْ إليه واشتكت من معاناتها من غثيان شديد بسبب الحمل. واكتفى بالردّ “ها قد وصل. يجب أنْ تستعدي. عندما يجب أنْ يأتي، فيجب أنْ يأتي”. واستطاع أنْ يهبط الدَرَج ويُكرر العبارة على مسمع والدي في الوقت نفسه من بعد الظهيرة عندما وصل نبأ الفائز في 2،45 في لينغفيلد.

   تسرّب الإعلان البليغ عن الحدث إلى صحيفة “التايمز”. لكنَّ ذلك لم يتم إلا في يوم الثلاثاء التالي، عندما لاحظ إعلان مدفوع الأجر بوضوح أنَّ ابناً وُلِدَ لزوجة الكولونيل جيفري لي، الذي كان مؤخراً في فيلق كينغز رويال رايفل. فيما عدا ذلك، ولا كلمة. كانت الصحف، بحسّها البائس المعتاد بالأولويات قد ركّزت على عملية ولادة مولود لكلب بحر في حديقة حيوان لندن. وقد جذب إليه انتباهاً هائلاً، مع التقاط صور. وأعتقد أنه على أرض الواقع، كان قادراً على إثبات أنه مصدر عظيم لاستدرار المال، وإبقاء حركة الاهتمام دائرة. 

 

2

ريح تهب على المرج

 

   من الجليّ أنَّ الطبيعة لم تكن متحمّسة لجعلي معبوداً للنساء. وهذا النوع من الغرور قد لا يتبيَّنه إلا الخبراء في السينما. هؤلاء سوف يعرفون أنكَ إذا أمعنتَ النظر ببرود في سلسلة من أبطالك العاديين فسوف يُبادلونك التحديق البارد. سوف تتبيَّن قسمات وجوه جامدة، فوق ذقونٍ أشبه بالسدود. سوف ترى رؤوساً خُلِقَتْ لاعتمار الخوذ، لا القبعات. إنَّ الناس يُعجبون بمثل تلك المخلوقات، وهذا مفهوم ؛ ومن الصعب تصوّر كيف يمكن أنْ يُعجبوا بهم.

   على أية حال، أعتقد أنَّ الذين صمّموا خريطتي الجينيّة عبثوا بالفكرة. فإما أنهم فشلوا في التركيز أو أنني فشلتُ في اتّباع المُخطط حتى نهايته، ولكن لابد أنهم تعرّضوا لغواية قوية. فقبل كل شيء، كانت أمي جميلة في وسطها الاجتماعي وكان والدي رياضياً وسيماً وضابطاً أنيقاً. 

   ولكن في اللحظة الأخيرة، عندما أصبح القالب جاهزاً للحصول على ختم “عقدٌ لمدة سبع سنوات” على مؤخرته، قذف عفريت صغير نشط كامن بين النجوم ذلك الشيء الإضافي الصغير. ونتيجة لهذا نهضتُ واقفاً على ساقيّ الضعيفتين ومع بلوغي سن السابعة عشرة أصبح طولي  أكثر من ستة اقدام. وكائناً ما كان ما يقوله العرّافون والذين يعطون إرشادات في رقص الفالس، فإنَّ الطول المفرط له الكثير من المثالب، خاصة في بريطانيا.

   لقد قرأتُ في موقع ما أنه خلال الحرب كان الطول المتوسط في الجيش البريطاني مقابل جيش المحور هو خمسة أقدام وست بوصات. بل وسلّمتُ بحقيقة أنَّ الأبعاد الضخمة لجندي مُشاة مسكين لعين ذي ساقين مقوّستين بسبب سوء التغذية ومرض الكساح، هناك افتراض عام بين المُصممين الإنكليز بأنواعهم كافة بأنني أطول مما يحقّ لي أنْ أكون بمقدار قدَم. إنَّ السيارات مُصمَّمة ليقودها أقزام. والأبنية الوحيدة التي لها أبواب مناسِبة لرجالٍ لهم بُنيتي هي الكاتدرائيات. والأحجام العادية لمضارب الكريكيت وهراوات الغولف تبدو وهي بين يديّ أشبه بعصا قائد أوركسترا….

______________________________________

من السيرة الذاتية للممثل المُخضرم كريستوفر لي التي عنوانها “طويل القامة، غامض ومُخيف”

الصورة من موقع تصوير فيلم رومان بولانسكي “تشاينا تاون” (الحي الصيني) 1974 بطولة جاك نيكلسون وفاي دانواي وجون هيوستن.

*****

خاص بأوكسجين