صفصافة عمياء، إمرأة نائمة 2-2
العدد 167 | 24 شباط 2015
هاروكي موراكامي/ترجمة: عزة حسون


  مضَت ثماني سنواتٍ على ذهابي إلى المستشفى الآخر؛ مستشفى صغير بجوارِ البحرِ. وكلُّ ما كان بإمكانكَ رؤيتهُ من النّافذة بعض نباتاتٍ من الدّفلةِ. كان للمستشفى رائحةُ المطرِ. أجرَتْ حبيبةُ صديقي عمليّة في الصَّدر هناك، وترافقنا لرؤيتها، وذلك في صيفِ عامنا الدِّراسي الأوَّل في المرحلة الثّانويّة.

     لم تكن عمليةً بحقِّ، بل مُجرَّد إجراءٍ تصحيحيٍّ لموضع أحد أضلاعها، إذ انحرفَ قليلاً إلى الدَّاخل. لم يكن إجراءً إسعافياً أيضاً، ولكنَّه ذلكَ النَّوعُ من الإجراءات التي لا بُدَّ من القيامِ بها في النِّهاية، ولذلكَ قرَّرتْ الآن القيامَ بهِ. العمليةُ ذاتُها كانت سريعةً، ولكنَّهم طلبوا منها أنْ تأخذَ وقتَها في التَّماثلِ إلى الشِّفاء. ولذلكَ بقيتْ في المستشفى عشرةَ أيامٍ. ذهبتُ مع صديقي إلى هناك على درّاجة ناريّة من نوع “ياماها سي سي 125”. وقادَ صديقي الدَّراجة، وأنا قدتُ في طريقِ العودةِ. وطلبَ منّي أن آتيَ. “مستحيلٌ أن أذهبَ إلى المستشفى وحدي،”  قال.

     توقَّف صديقي عند مَتجرٍ للحلوياتِ قربَ المحطَّة، واشتَرى علبةً من الشّوكولا. تمسكتُ بحزامِ بنطالهِ بيدٍ واحدةٍ، وباليدِ الأخرى قبضتُ بشدَّةٍ على عُلبة الشّوكولا. كان يوماً قائظاً، واستمرَّت قمصانُنا تتبلَّل، وتجف مع الرِّيحِ. وبينما كان صديقي يقودُ، أخذ يغنِّي بعضَ الأغاني التّافهة بصوتٍ مُريع. مازلتُ أتذكرُ رائحةَ عرقهِ. وبعد فترةٍ وجيزةٍ توفي.

*************

    كانت حبيبتهُ ترتدي بيجاما زرقاء، ونوعاً من الأثوابِ الرّقيقة يصلُ إلى ركبتيها. 

    قعدَ ثلاثتنا إلى طاولةٍ في الكافتيريا، وأشعلنَا سجائرَ من نوع “شورت هوب”، وشربنا الكولا، وتناولنا الآيس كريم. كانتْ تتضوَّر جوعاً، وتناولتْ قطعتَي دونات بطبقةٍ سكريّة، وشربتْ الكولا ومعها الكثير من الكريمة. رغم هذا لم يبدُ أنَّ هذا كافٍ بالنسبة  إليها. 

” حين تخرجين من هنا ستكونين أشبه بمنطادٍ،” قال صديقي مع قليلٍ من التّقزُّز.

” حسناً، فأنا أستردُّ عافيتي،” أجابتْ، وهي تمسحُ أطرافَ أصابعها المغطاة بالزَّيت من الدّونات.

   وبينما كانا يتحدثان، كنتُ أحدقُ عبر النافذةِ نحو نباتاتِ الدّفلة. كانت نباتاتٍ كبيرةً، وأشبهَ بغابةٍ. وكان بمقدُوري سماع صوت تلاطُمِ الأمواجِ أيضاً. 

كانت سكّة القطارِ المُجاورة للنافذة صدئةً بالكاملِ ؛ بسببِ الهبوبِ المتواصلِ للرِّيحِ.

   في الغرفة دفعَتْ مروحةُ سقفٍ عتيقةٍ بلطفٍ الحرارةَ والهواءَ الرَّطبَ. كانت الكافتيريا تعبقُ برائحةِ المشفى، حتى إنَّ الأطعمةَ، والمشروبات امتلكتْ تلكَ الرَّائحةَ الخاصَّة بالمشافي. كانت لبيجاما حبيبةِ صديقي جيبانِ عند الصَّدر وفي أحد الجَيبينِ قلمٌ ذهبيٌّ. وكلما انحنت للأمام استطعتُ رؤيةَ ثدييها الصّغيرينِ الأبيضَينِ، يظهران من خلال الياقَةِ الشَّبيهةِ بالعدد ( 7). 

***

      توقفت الذكرياتُ تماماً عند هذا الحدَّ. حاولتُ تذكُّر ما حدثَ بعدَ ذلكَ. وشربت الكولا وحدَّقتُ في نباتاتِ الدّفلة، وخطفتُ نظرةً إلى ثدييها، ثم ماذا؟ تحركتُ في مقعدي البلاستيكيّ،  مُسنداً رأسي على يدي، وحاولتُ أن أحفرَ أعمقَ في طبقاتِ الذّاكرة. كانتْ مثلَ محاولةِ نزعِ سدادةِ فلِّينٍ بطرفِ نصلِ سكينٍ رفيعةٍ. 

نظرتُ إلى طرفٍ واحدٍ، وحاولتُ تخيُّلَ الأطباءِ، يشقُّونَ لحمَ صدرِها مُقحِمين أيديهم المُرتدية قفَّازاتٍ بلاستيكيّة كي يُصحِّحوا ضلعَها المُلتوي. ولكنْ كلُّ ذلكَ بدا سوريالياً كنوعٍ من الاستعارة. 

هذا صحيحٌ، بعدَ ذلك أخذنا نتكلمُ حولَ الجنسِ. على الأقل صديقي فعلَ ذلك. ولكن ماذا قال؟ شيء ما خيالي، لا شكَّ، وعن مدى اجتهادي دونَ نجاحٍ في ممارستهِ مع فتاةٍ. لم تكن القصة، ولكنَّ الطَّريقة التي تحدّثَ بها مُضخِّماً كلَّ شيءٍ أكثرَ من حجمهِ، جعلت صديقته تنفجرُ ضاحكةً، وأضحكتني أيضاً. يعرفُ الفتى تماماً كيفَ يروي قصّةً.

” أرجوكِ لا تُضحكني،” قالت بقليلٍ من الألم. ” يؤلمني صدري عندما أضحَك.”

” أين يؤلم؟” سأل صديقي.

ضغطتْ على نقطةٍ ما على بيجامَتها فوقَ القلبِ تماماً، وإلى يمينِ صدرها الأيسر. ألقى مزحة حول ذلكَ، وضحكتْ مجدَّداً.

***

   نظرتُ إلى ساعتي، إنَّها الحادية عشرةَ وخمس وأربعونَ. لم يعد نسيبي بعد. كان الوقتُ يقتربُ من موعدِ الغداء، وبدأتِ الكافتيريا تزدحمُ قليلاً. اختلطتْ كلُّ أنواعِ الأصواتِ مثلَ غمامةٍ تغلِّفُ الغرفة. عدتُ مجدداً إلى عالم الذّاكرة، وإلى ذلكَ القلمِ الذّهبيّ في جيبِ الصَّدر. 

الآنَ تذكرتُ، استخدمتُ ذلكَ القلمَ لكتابةِ شيءٍ ما على منديلٍ ورقيٍّ. 

   كانت ترسمُ صورةً. كانَ المنديلُ ناعماً وما فتأ رأسُ القلمِ يعلقُ. مع ذلك، نجحتُ برسمِ هضبةٍ ومنزلٍ صغيرٍ عليها. غفتِ امرأةٌ صغيرةٌ في المَنزلِ. لقد كانَ المنزلُ مُحاطاً بصفٍ من الصَّفصافِ الأعمى. كان الصفصاف ما جعلها تنام. 

” ما الصَّفصافُ الأعمى؟” سألَ صديقي.

” هناك نوعٌ من الأشجارِ يشبهُ هذا.”

” حسناً، لم أسمعْ بهذا من قبل.”

” لم تسمعْ لأنَّني من اختَرعَه،” قالت مبتسمةً. ” على الصَّفصافةِ العمياءِ الكثيرُ من غبارِ الطَّلع، وقد غطَّاهُ  ذبابٌ صغيرٌ، زحفَ داخلَ أذنها، وجعلَ المرأة تغفُو.”

أخذتُ منديلاً آخرَ، ورسمتُ صورةَ صفصافةٍ عمياءَ. بدَتِ الصَّفصافةُ شجرةً بحجمِ الأشجارِ الأزليَّة. كانتِ الشَّجرةُ مزهرةً، والأزهارُ محاطةً بأوراقٍ خضراءَ داكنةٍ مثلَ ذيولِ سَحالٍ مجتمعةً. لم تشبهِ الصَّفصافة الصَّفصافَ أبداً. 

” ألديك سيجارةً؟” سألَ صديقي. ألقيتُ على الطَّاولة، علبةً مبللةً بالعرقِ من سجائرِ “هوبس”، وبعضَ أعوادِ الثقابِ.

” تبدو الصَّفصافةُ صغيرةً من الخارج، ولكنْ لها جذورٌ عميقةٌ جداً،” شرحتْ . “في الحقيقة، وبعدَ مرحلةٍ معيّنةٍ، تتوقَّفُ عن النّمو، وتندفعُ أكثرَ فأكثرَ عميقاً في الأرض، وكأنَّ الظلُّمةَ تغذِّيها”، “ويحملُ الذّبابُ غبارَ الطّلع إلى أذنها، ويلجأ إلى الدَّاخل، ثم يجعلها تَغفُو،” أضاف صديقي، وهو يجتهدُ لإشعالِ سيجارتهِ بأعوادِ الثقابِ الرّطبة. ” ولكنْ ماذا يحدثُ للذُّبابِ ؟”

” يبقى بشكلٍ طبيعيٍّ داخلَ المرأة ويأكل لحمها.” قالتْ صديقتهُ.

” يفترسونه،” قال صديقي.

***

     أتذكَّر في ذلكَ الصَّيفِ، أنَّها كتبت قصيدةً طويلةً، حولَ الصَّفصافةِ العمياءِ، وشرحتها لنا جميعاً. كانَ هذا الواجبَ المنزليَّ الوحيدَ الذي قامتْ به ذلكَ الصَّيف. فقدِ اختلقتْ قصَّةً مبنيَّةً على حُلمٍ حلمَتْ به في إحدى الليالي.وكتبتْ هذه القصيدةَ الطَّويلةَ، وهي مستلقيةٌ في سريرها أسبوعاً كاملاً. قال صديقي إنَّه يريدُ قراءتها، ولكنَّها لا تزالُ تنقِّحها، ولذلك رفضَتْ. وبدلاً من ذلكَ رسمَتْ تلكَ الصُّورَ، ولخَّصتْ حبكةَ القصيدةِ.

    صعدَ شابٌ التَّلة لإنقاذِ المرأة التي نامت بتأثيرِ غبارِ طلعِ الصَّفصافة العمياءِ. 

” لابدَّ أنَّ ذلكَ الشَّاب هو أنا،” قالَ صديقي.

هزَّت رأسها. “لا ليس أنت.”

” هل أنتِ متأكدةٌ ؟” سألَ.

” أنا متأكدةٌ،” قالت، ونظرةٌ جادَّةٌ تعلوو َجهها. ” لا أعلم لِمَ أعرف ذلك. لكنْ أعرف. أنتَ لست غاضباً، هل أنتَ غاضبٌ؟”

     شاقاً طريقَه عبرَ أشجارِ الصَّفصافِ الأعمى والمُتشابكِ، أخذَ الشَّابُ ببطءٍ طريقَه إلى أعلى التَّل. كانَ أوَّل شخصٍ يصعدُ التَّلة منذ أنِ احتلَّت الصَّفصافةُ العمياءُ التَّلة. وأنزل قبَّعتهُ للأسفلِ فوقَ عينَيه، وباليدِ الأخرى طرد بعيداً الذُّبابَ الذي يأزُّ حوله. وتابعَ الشَّابُ الصُّعودَ لرؤيةِ المرأةِ النَّائمةِ، وإيقاظِها من نومها العميقِ الطَّويلِ.

” ولكنْ في الوقتِ الذي وصلَ فيه إلى قمَّة التَّلة، كان جسدُ المرأةِ قد التُهمَ تماماً من قبَلِ الذُّبابِ، صحيح ؟” قال صديقي.

” تقريباً،” قالت صديقته.

” تقريباً ؛ أيْ أنْ يلتَهمها الذُّبابُ يجعلُها قصَّة حزينةً، أليسَ كذلك؟” قال صديقي.

” أجل، أعتقدُ هذا ”  قالت بعد أنْ فكرت بذلك لبعض الوقتِ. ” ما رأيكَ؟” سألتني.

” تبدو قصَّةً حزينةً بالنسبة إليَّ ” أجبتُ.

كانتِ السَّاعةُ تشيرُ إلى الثانية عشرة والثلث عندما وصلَ نسيبي. كان يحمل كيساً صغيراً من الأدويةِ، وعلى وجهه نظرة مشوَّشة. بعد أنِ اختفى عند مدخلِ الكافتيريا، أخذَ بعض الوقت ليلمَحني، ويأتي حيثُ أجلس. مشى بغرابةٍ، وكأنَّه يجاهدُ ليبقى متوازناً. جلسَ قِبالتي، وأخذ نفَساً عميقاً، وكأنَّه كان مشغولاً جداً، وتذكَّر أنَّ عليه التَّنفسَ. 

” كيفَ جرى الأمر؟” سألتُ.

” مممم ” قالَ. انتظرتُه ليضيفَ شيئاً، ولكنَّه لم يفعلْ. 

” أأنتَ جائعٌ؟” سألَ.

  هزّ رأسهُ بصمتٍ.

” هل تريدُ تناولَ الطَّعامِ هنا؟ أو تريدُ أخذَ الحافلةِ إلى البلدةِ،وتناولَ الطَّعامِ هناك؟”

نظرَ حول الغرفة بحيرةٍ. ” هنا جيد” قال. اشتريتُ بطاقاتِ غداءٍ، وطلبتُ الطَّعام لكلٍ منا. أخذ نسيبي ينظرُ بصمتٍ خارج النَّافذة نحو المَنظر نفسهِ الذي كنت أشاهدهُ- البحر وصفُ الزلكوفا والمرشةُ- إلى أنْ أتى الطَّعام.

     جلسَ زوجانِ أنيقانِ في منتصفِ العُمرِ على طاولةٍ قُربنا، كانا يأكلان سندويشاتٍ، ويتكلمانِ عن صديقٍ يعاني من سرطانِ الرئة. تكلما عن أن ذلك الصديق قد أقلعَ عن التدخينِ منذ خمسِ سنوات، ولكن مع ذلك فقد تأخَّر. وأنَّه يتقيأ دماً عندما يستيقظ صباحاً. كانت الزَّوجة تسألُ الأسئلةَ والزَّوج يجيبُ، وبطريقةٍ واضحة ٍ كان الزَّوج يشرحُ. يمكنك أن تعرفَ حياةَ المرءِ كاملةً من خلال السَّرطان الذي يُصابُ به.

     تألَّف غذاؤنا من شرائح سالسبيري، وسمك أبيض مقلي، وسلطة ولفائف. جلسنا مواجهينَ لبعضنا، نأكلُ بصمتٍ. وطِوالَ الوقت كان الزَّوجان يثرثرانِ عن كيفيَّة بدايةِ مرضِ السَّرطان، ولمَ ارتفعت معدلاتُ الإصابةِ به، ولمَ لا يوجدُ أيُّ دواءٍ لمواجهته حتَّى الآن. 

***

” أينما تذهبُ، إنَّه الأمرُ عينُه،” قال نسيبي بلهجةٍ فاترةٍ محدِّقاً بيديهِ. ” الأسئلةُ القديمةُ نفسُها والتَّحاليل.”

   كنا نجلسُ على مقعدٍ أمام المستشفى منتظرينَ الحافلةَ. وبين الحين والآخر يهبُّ نسيمٌ ويصارعُ فوقنا الأوراقَ الخضراءَ.

” أحياناً لا تستطيعُ سماع أيِّ شيءٍ على الإطلاقِ؟” سألتُه.

” هذا صحيحٌ ” أجابَ نسيبي. ” لا أسمعُ أيَّ شيءٍ.”

” كيف هذا ؟.”

   أمالَ رأسهُ على جهةٍ واحدةٍ، وفكَّر في الأمرِ. ” فجأةً لا يمكنكَ سماعُ أيِّ شيءٍ، ولكنَّ الأمرَ يتطلَّب بعضَ الوقتِ قبل أن تُدركَ ماذا حدث. وخلال ذلكَ الوقتِ لا يمكنك سماعُ شيءٍ. يبدو الأمرُ وكأنَّك في قاع البحر ترتدي سدادتي أذنين. هذا يستمر لبعضِ الوقت، فلا تسمعُ شيئاً طوال هذا الوقتِ، وليس الأمرُ متعلقاً بأذنيكَ فقط، فعدمُ سماع أيِّ شيءٍ جزءٌ من الأمرِ برمَّته.”

“هل يزعجكَ هذا؟

هزّ رأسه هزّةً قصيرةً وحاسمةً. ” لا أعلم لماذا، ولكنَّ الأمر لا يُزعجني كثيراً. مع هذا فمن غيرِ المريحِ ألا تتمكَّن من سماع أيِّ شيءٍ.”

حاولت تصوُّرَ الأمرِ، ولكن لم تحضرِ الصُّورة إلى ذهني.

” هل شاهدت فيلم جون فورد “فورت أباتشي”؟ سألني نسيبي.

” شاهدتهُ منذ وقتٍ طويلٍ ” قلت.

” عُرض على التّلفاز مؤخراً. إنَّه فيلمٌ جيدٌ حقاً.”

” امم ”  أكَّدتُ.

” في بدايةِ الفيلم يأتي ذلك الكولونيل الجديدُ إلى الحصن الذي يقعُ في الغربِ، ويخرجُ نقيبٌ محنّك للقائهِ عندما يصلُ. يلعب جون وين دور النَّقيبِ، الكولونيل لا يعلم الكثير حول ماهيَّة الأمور في الغرب، وهناك انتفاضة للهنود الحُمر حولَ الحصنِ. 

أخذ نسيبي من جيبه منديلاً أبيضاً مطوياً بأناقةٍ ومسحَ فمهُ.

” عندما يصلُ إلى الحصنِ يلتفتُ جون وين إلى الكولونيل قائلاً، ” لقد شاهدتُ بعضاً من الهنود في طريقي إلى هنا.” يجيب جون وين، وتلكَ النَّظرةُ الهادئةُ على وجهه ” لا تقلق، إنِ استطعتَ رؤية َ بعض الهنودِ، هذا يعني أنَّه لا يوجد أحدٌ منهم هناك.” لا أتذكَّر الكلماتِ بدقَّة، ولكنَّها كانت تشبهُ هذه. هل تفهم ما يَعينه؟”

لم أستطعْ تذكُّر أيِّ جُملة من فيلمِ “فورت أباتشي”. فاجأني الأمرُ كما غموض أفلام جون فورد. لكنْ مضى وقتٌ طويلٌ مذْ رأيتُ الفيلمَ.

” أظنُّه يعني أنَّ ما يراهُ كلُّ إنسانٍ ليس على تلكَ الأهميّة….أعتقدُ ذلك.”

عبسَ نسيبي. ” وأنا لا أفهمُه أيضاً، ولكن في كلِّ مرَّة يتعاطفُ فيها أحدٌ بخصوصِ أذني تحضرُني تلكَ الجُملةُ من الفيلم- إنْ تمكَّنتَ من رؤيةِ بعضِ الهنودِ فهذا يعني أنَّه لا يوجدُ أحدٌ منهم هناك.” 

ضحكتُ.

“هل هذا غريب؟” سأل نسيبي.

“أجل” ضحكنا معاً. مضى وقتٌ طويلٌ مذْ رأيتهُ يضحكُ.

بعد وهلةٍ، قال نسيبي – وكأنَّه يخففُ حملاً عنه –  : ” هلّا نظرتَ داخلَ أذني من أجلي؟”

“أنظر داخل أذنيك؟” سألت مباغتاً قليلاً.

“فقط ما يمكنكَ مشاهدتهُ من الخارج.”

“حسناً، لكن هل تريدني أن أقومَ بهذا؟”

“لا أعلم ” احمر نسيبي خجلاً. “أريدُ فقط أن أعرفَ كيف تبدو.”

“حسناً، ” قلت. ” سألقي نظرةً.”

    جلسَ نسيبي، ووجههٌ بعيدٌ عنِّي، وقد أمالَ أذنهُ اليُمنى نحوي. كانتْ أذنهُ حلوةَ الشَّكلِ، كانت على الجانب الصغير ولكنَّ شحمَتها منتفخةُ وأشبهَ بكعكةٍ إسفنجيَّةٍ مَخبوزةٍ. لم أنظرْ بنيَّة مُسبقةٍ داخلَ أذنِ أحدٍ من قبل. في اللحظة التي تبدأ معاينتها عن قرب، تبدو الأذنُ البشريَّة- ببنيَتها- مثلَ شيءٍ غامضٍ تماماً. مع كلِّ هذه الالتواءاتِ والمُنحنياتِ والانتفاخاتِ والمنخفضاتِ المُضحكة. ربَّما اعتمادُ التَّطورِ بهذا الشَّكلِ الغريبِ، كان الطَّريقة المُثلى لالتقاط الأصواتِ، أو لحمايةِ ما يوجدُ في الدَّاخل. محاطاً بهذا الجدارِ اللامتناسق، وانفتاحُ فجوةِ الأذنِ مثلَ مدخلٍ إلى كهفٍ مظلمٍ وسريٍّ. 

      تخيَّلتُ أذنَ حبيبةِ صديقي يُعشعِشُ فيها الذُّبابُ المجهريُّ، وغبارُ الطَّلعِ مُلتصقٌ على أقدامهِ، يحفرُ فيها داخلَ الظُّلمةِ الدَّافئة، وتمصُّ كلَّ العُصاراتِ، ثمَّ تضعُ بيوضاً صغيرةً داخلَ دماغها. ولكنْ لا يمكنكَ رؤيتُهم، أوحتّى سماع أصواتِ أجنحتهم.

“هذا يكفي،” قال نسيبي. 

     استدارَ وغيَّر جلسته على المقعد، وجلسَ مواجهاً لي. ” إذنْ، هل رأيتَ شيئاً غيرَ عاديّ؟”

” لا شيءَ مختلفٌ إلى المدى الذي أستطيعُ فيه الرُّؤية. من الخارجِ على الأقلِ.”

” هل كلُّ شيءٍ على ما يرام- حتّى لوكانَ شعوراً ما أو شيئاً ما.”

” تبدو أذنكَ طبيعيَّةً بالنسبة إليَّ.”

بدا نسيبي خائباً، ربما تفوهتُ بالكلامِ الخطأ. 

” هل آلمكَ العلاجُ ؟” سألتُ.

” لا، لم يُؤلمني كما العادةُ. قاموا بالمُعاينةِ، والبحثِ في المكانِ القديمِ نفسه. أشعرُ وكأنَّهم سيستهلكونهُ، وأحياناً لا أشعرُ أنَّها أذني أبداً.”

***

” ها قد أتى الرَّقمُ ثمانية وعشرون،” قال نسيبي بعد مدَّة ملتفِّتاّ نحوي. ” تلكَ حافلتنا، صحيح ؟”

     كنتُ غارقاً في التَّفكيرِ. نظرتُ إليهِ عندما قال هذا، ورأيتُ الحافلةَ قادمةً، بينما كانتْ تلتفُّ عند المنعطفِ صاعدةً المنحدرَ. لم تكنْ حافلةً جديدةً مثلَ التي ركبنَاها عندما أتينا، بل كانت من الحافلاتِ القديمة التي أتذكَّرها. وكانت لافتةٌ تحملُ الرَّقمَ ثمانية وعشرين معلّقة عند مُقدمتها. حاولتُ النُّهوضَ عن المقعدِ، ولكنِّني لم أستطع، وكأنَّني كنتُ عالقاً وسطَ تيارٍ قويٍّ. لم تكنْ أَطرافي تَستجيبُ لي.

    كنتُ أفكِّر بعلبةِ الشّوكولا التي أخذناها عندما ذهبنا إلى ذلكَ  المستشفى في ظهيرةِ ذلكَ الصَّيف الماضي. فتحتِ الفتاةُ غطاءَ العُلبةِ فقط، لتكتشفَ أنَّ قطعَ الشّوكولا الصَّغيرة قد ذابتْ كليَّاً، والتَصقت كلُّ قطعةٍ بالورقة التي تفصلها عن الأخرى، وبالغطاءِ أيضاً. وفي طريقنَا إلى المستشفى رَكنا أنا وصديقي الدراجة بالقرب من الشاطئ ونزلنا إلى الشاطئ نتحدث ونتسكع.  طوال الوقت كنا قد تركنَا علبةَ الشُّوكولا تحتَ شمسِ آب المُحرقةِ. فلامُبالاتُنا وأنانيَّتنا قد أتلفت الشّوكولا وحوَّلتها إلى فوضَى جميلة. كان ينبغي أنْ نعلمَ أنَّ هذا سَيحدث وعلى واحدٍ منَّا- لا يهمُّ من يكون- أنْ يقولَ شيئاً. ولكنْ في ظَهيرة ذلكَ اليومِ، لم نشعرْ بشيءٍ، فقط تبادَلنا بضعَةَ فكاهاتٍ غبية، وودَّعنا بعضنا. وتركنا تلكَ التَّلة التي كستها الصَّفصافاتُ العمياءُ. 

قبض نسيبي على ذراعي الأيمن قبضةً قويَّةً. 

”  أأنتَ بخيرٍ ؟”

    أعادَتني كلماتُه إلى الواقع، ونهضتُ عن المقعدِ. هذه المرَّة لم أُعانِ من مشكلةٍ في النُّهوضِ. وشعرتُ مجدَّداً بنسيمِ أيَّارَ على بشرتي، ولبضعِ ثوانٍ، وقفتُ هناكَ في مكانٍ غريبٍ، ومُعتمٍ  والأشياءُ التي استطعتُ رؤيَتها لم تكنْ موجودةً. إذِ اللامرئيُّ موجود. وأخيراً  ورغمَ ذلكَ توقَّفتِ الحافلةُ الحقيقيَّةُ ذاتُ الرَّقم 28 أمامي، وبابها الحقيقيُّ مفتوحٌ تماماً. صعدتُها متوجِّهاً إلى مكانٍ آخرَ. 

أرحتُ يدي على كتفِ نسيبي. ” أنا بخيرٍ،” أخبرتُه.

___________________________________

اللوحة للفنان التشكيلي السوري الدكتور غسان السباعي وقد رحل منذ أيام (1939 – 2015)

*****

خاص بأوكسجين