بين المصوّر والعالم لست وحدك
العدد 270 | 03 حزيران 2022
إيفايلو يورجوف


التقطُ صوراً لأواجه الوحدة. لفترة طويلة ظننت أنني أفعل العكس. في كلِّ مرة أمسكُ بالكاميرا، تضعُني في عالم صغير منفصل تماماً عن كلِّ شيء حولي.

الكاميرا فقاعة سحرية تطوقني وتحميني من كلِّ ما أراه حولي. شعور أتوقُ إليه وأحبه.

 

ولأن الكاميرا عنصر ملموس، من السهل خلق هذا التأثير. كأنَّها درع بين المصوِّر والعالَم. ما من تواصل مباشر حينما تضع الكاميرا على عينَيْك، بل تفاعل غير مباشر، والوسيط ليس بريئاً تماماً. كلُّ الوسائط تتيح طرائق معينة للرؤية وتتجاهل أخرى، تحوِّل وجهات نظرنا إلى أشياء ليست كذلك، تتحدى افتراضات حواسنا، تختبر المسلَّمات والبديهيَّات. لكن الوسيط لا يتيح جميع وجهات النظر أو يجعلنا محيطين بكلِّ شيء في رؤية العالم.

 

تخلق الكاميرا ركناً مريحاً للنفس، منظوراً مميزاً من الملاحظة الهادئة للصخب المحيط بك. أسير في الشوارع متجوِّلاً في فقاعتي، سعيداً بالانفصال عن كلِّ الناس والأحداث. أعرف أنهم موجودون. التقط لهم صوراً. أتحدَّث إليهم. لكني بمعزل عن الأخطار في عالمي الصغير وراء الكاميرا حيث لا يستطيعون دخوله. أنا آمن.

 

الكتب تقوم بدور مماثل بالنسبة لي. كنتُ قارئاً نهماً لفترة طويلة حسبما أتذكَّر. كنتُ أقدِّس العزلة التي تمنحها القراءة لي. والكتب، شأنها شأن الكاميرا، أشياء مادية ملموسة. وربما تبدو هذه العبارة شيئاً بديهياً، لكني استغرقت سنوات طوال لأفطن إلى مدى صحَّتها. الأشياء المادية، كالكتب والكاميرا، هي امتدادات لذواتنا، أدوات نستخدمها للعمل في هذا العالم. لكنها أيضاً حدود. دروع. ضع كتاباً أمام وجهكَ وسيحجب عنك العالم. ضع كاميرا على عينَيْك وستتغيَّر الطريقة التي تراه بها. نحن آمنون.

 

حثني كتاب (جرأة القيادة) لبرينيه براون على التفكير في الكتب والكاميرا باعتبارهما أشياء نتخفَّى وراءَها. وجوهر الكتاب يتلخَّص في الكلمات التالية:

 

الهشاشة

كلمة مجرَّدة يعرِّفها القاموس أنها الحالة التي يكون فيها المرء عرضة لاحتمالية التهجُّم أو الأذى جسدياً أو شعورياً. كلَّما سمعت هذه الكلمة تداعَت إلى ذهني صور العُري، ولا أدري لذلك سبباً. ليس عُري الآخرين. بل ذاتي العارية، مكشوفة أمام الآخرين، مُذابة في العالم الذي أراه بعين عقلي متى كرَّرت الكلمة.

الهشاشة. تبدو حالة بغيضة كالمرض، مثل التهاب الشعب الهوائية أو الحساسية. “لقد أصبتَ بالهشاشة”، يقول الطبيب بيقين ومسحة تعاطف. فأسأله: “وماذا أفعل؟ كم تبقى من الوقت؟ هل يمكن علاجها؟”.

للأسف، يمكن علاج الهشاشة. اعتدت معالجتها كل يوم وبنجاح باهر. بل مازلت أفعل. فمن السهل التعايش مع الهشاشة، طالما لم تبدِها للناس. ما يجعل أعراض الهشاشة حادَّة هو أنْ يكون المرء عرضة “لاحتمالية التهجُّم أو الأذى جسدياً أو شعورياً”. لا انكشاف، لا هشاشة، وها نحن ذا!

الآن بتُّ أظن أنَّ العكس بالعكس. أعتقد أننا جميعاً نحمل مسؤولية الهشاشة، بل حتى لدينا الفرصة للتعايش معها، وليس تجنُّبها. فتَعَرُّضنا للأذى، جسدياً أو شعورياً، من كلِّ شيء في العالم أمرٌ جائز. نحن كائنات هشَّة. الحياة برمتها هشَّة. الأنتروبيا (الفوضى) هي القانون النهائي للعالم، وليس النظام. طبيعة الأشياء هي تلك القوانين الفوضوية. ومن رحم الفوضى تولد الحياة. الصدق. الانكشاف. وليس الشعور بالخجل أو الخوف. الثقة. هذا هو معنى الهشاشة.

اعتدتُ التقاط الصوَر كي أكون وحدي، بمفردي في عالمي الصغير. ما أعتقده الآن أنني كنت دوماً التقطُ صوراً في محاولة لتحدي الوحدة.

سرعان ما صارت الوحدة إحدى السمات المميزة للمجتمعات الحديثة، لكنها سمة خطيرة. كشفت الأبحاث أنَّ “… تأثير العزلة الاجتماعية على الصحة يماثل تأثير ارتفاع ضغط الدم، أو عدم ممارسة الرياضة، أو السمنة، أو التدخين”*.

 

الوحدة قاتلة

الوحدة تقتل ملايين الناس. كشفت الأبحاث أنه في كل لحظة يشعر 20% من البشر بالوحدة لدرجة أنها غدت أحد مصادر الحزن في حياتنا. ولا أقصد فحسب ذلك الشعور الذي يراود المرء برفقة الآخرين، أو المرور بلحظات انعزال مريحة من التأمل الهادئ.

الوحدة هي شعور ذاتي بأنك منفصل دائماً عن العالم المحيط بك. العالم لا يراك، وأنت لا تراه. تنظر في مرآة تعكس ذاتك إليك، ولا تجد إلا الخواء، والانفصال، والعزلة.

 

مواجهة الوحدة بالصور

التقطُ صوراً لأناس يركضون في المنتزهات لأني أرى نفسي فيهم. التقط صوراً لأناس من ذوي الاحتياجات الخاصة، لأني أود أن أذكِّر نفسي أنني لست الإنسان الوحيد غير المثالي. أصوِّر أوراق الشجر، والنوافذ المكسورة، والستائر المتمايلة في الريح، وشفتي الحبيب، وخطوات الأقدام على الجليد، ومواد البناء الملقاة، لأني أجد نفسي فيها جميعاً. تذكرني بك، وبنفسي، وبكل البشر الذين عاشوا وسيعيشون. التقط صوراً في محاولة لإقناع نفسي أنك لست وحيداً، وأنني لست وحيداً.

——————

ملحوظة: صور العدد 270 جميعاً من أعمال إيفايلو يورجوف.

*كاسيوبو، جون، باتريك ويليام. الوحدة: الطبيعة البشرية والحاجة للتواصل الاجتماعي.W. W. Norton & Company.

*****

خاص بأوكسجين

 

 

 

 


مصور هاو وعضو بأكاديمية التصوير الفوتوغرافي ببلغاريا.