التانجو الأخير
العدد 213 | 30 أيار 2017
هدى عمران


رجل جميل ممدّد على الفراش، يلعب الهارمونيكا، موسيقاه الشجية تتردد في المكان، كان يحكي عن حظيرة أبيه السِّكير، يقول وهو يضع يده على خده بعدما توقفت الموسيقى؛ إنه كان يحلب البقرة كل صباح، محرومًا من لبنها الطازج ليبيعه، أتخيل أنامله الصغيرة ممزوجة باللبن وحذاءه مغروسًا في الروث، أرى قلبه الساخن وهو يدق، وأسمع صوت الماعز وهو يتقافز، وشخير الراعي النائم الذي يرمقه ذئب هزيل، أنا أفهم معنى أن يتشقق جلدك لينبت لكَ جلد أصلب.

 

تحركت الظلال على الحائط؛ كانت ظلالي كاريكاتورية، مهولة بما لا يليق مع حجمي، بطني منتفخ من الطفل الذي أوشك على المجيء للعالم الجديد، أربت من وقت لآخر على رأس المريض، أقيس درجات الحرارة، وأنظر للمؤشرات، ألاحظ ما يجري وأتكوم على الكرسي أمام الرجل، يجدها فرصة جيدة للحكي، يقول إن أمه كانت تبيع صورها لمجلات البورنو، أفهم أنه بدأ يهلوس، فأمد يدي وأجس جبهته فأجدها باردة، يمس إصبعي طرف الشاش الذي يلتف على عينيه، أشعر بالحيرة، وأتخيل الظلام الذي يغرق فيه، لذلك أدعه يتكلم حتى يشعر أنه موجود، ثم أهمهم من وقت لآخر ” اممممم، امممم”، يقول إن أمه كانت شاعرية لتفعل مثل تلك الأفعال، يقولها فأشعر بركلة قوية من الطفل لبطني. أصدر همهمة ألم مكتوم، لكنه يكمل، يقول إنه كان يحب قفزات الأرانب على العشب الأخضر وقت الغروب، يتمنى لو كانت معه كاميرا في هذا السن ليلتقط صورة لطفولته على امتدادها. يبدأ الطفل بالركل مجددا، وأشعر بالألم يزداد، فأهمهم بشكل أقوى، هو يتخيل أني أتفاعل مع كلامه، لكن الألم يزداد، و لوهلة لم أعد  أستطيع سماعه، أحاول الوقوف لكن بلا فائدة.

 

أشعر أنني محبوسة معه في نفس المكان، هنا تأتي لتلد، فتجد نفسك متورطا مع أحد المرضى، قالت الممرضة أن هناك حالة طواريء، جثث كثيرة في طريقها من الإستاد إلى المستشفى، كل النساء تلد، لا تخافي، تقولها وتطلب مني أن أجلس مع الرجل لأتابع حالته حتى تعود.

 

يهدأ الألم قليلا، وأستطيع سماع ضوضاء تأتي من الخارج، يعلي الرجل صوته لأسمعه، يقول إته  لا يخاف الظلام، ويحكي عن كاتب مشهور أعمى، يتدارك: بالتحديد لا يرى إلا اللون الأصفر، فكرة شاعرية ألا يرى الإنسان إلا اللون الأصفر، يعجبني كلامه رغم غرابته، أود أن أقول له الظلام ظلام، لا تتفلسف، لكن الألم يعاودني مرة أخرى، أشعر بعظام فخذي تتفكك، أهمهم بصوتٍ أعلى من السابق، فيضحك الرجل ويقول لا تتحمسي أكثر من اللازم، تعرفين كان يعيش هذا الكاتب مع أمه، مهووس بها، بالطبع أمه ليست شاعرية مثل أمي لتبيع صورها لمجلة بورنو، كانت امرأة جافة لتعيش مع العمى في بيتٍ واحد، لقد ورث هذا الكاتب ظلامه عن أبيه. يركل الطفل هذه المرة لأسفل وبعنف، فأصرخ صرخة مكتومة، فيضحك الرجل أكثر، أعجبتك الحكاية أعرف، يُرجِع رأسه الملفوفة بالشاش إلى الوراء ويسترسل؛ لم يكن الكاتب  يرى إلا اللون الأصفر، هذه الأزهار التي يجلبها له الأصدقاء في الأعياد، وردة الحُب الصافي، تطفو في الفراغ الرمادي. أتخيل أنه كان يحيط أشياءه بلونه الوحيد، كرسيه المخصص للقراءة، والستارة التي أمامه، ليعرف فقط أن هناك منفذا للخارج، حتى أمه تحت أكوام الأثاث القديم، تركت نفسها لتصبح درجة من درجات اللون، تعرفين أن الأسود درجة من درجات الأصفر. يهدأ الألم قليلا، فأقول له “آه، فعلا”، يرد فعلا فعلا،  هذه الأم كانت تتحرك وحدها، تخطو منفصلة، بحركة أبطأ قليلا عن سريان الأشياء حولها، تسير كقطعة من الماضي، محبوسة ومتجسدة داخل مكعب زجاجي. أحيانا أتخيل هذا الكاتب يمسك أمه في يده، يقلب المكعب ليرى النقطة المحددة التي تساعده على إدراك وجودها، لكنه لا يستطيع سماع صوتها المخنوق خلف الزجاج، هي الوحيدة التي كانت تعرف أنها موجودة، لذلك لم يصدقها حينما قالت له، أن العَمى كان سمكة صفراء تسبح في عين الولد الصغير.

 

أجبر نفسي على التحرك لقياس حراراته مجددا، هلوسته كانت أقوى هذه المرة، كل شيء في مكانه المؤشرات وحرارة جسده، أتكور للخلف، وأشعر بمياه الطفل تغمرني من الأسفل، إني ألِد، أقولها لنفسي بصوتٍ منخفض، يلتقط الرجل الكلمة، ويقول “تلِد؟، من؟”، فلا أرد عليه، أمسك بطني من الأسفل حتى لا ينزلق الطفل على الأرض وأجبر نفسي على النهوض للبحث عن الممرضة، أنجح في فتح باب الغرفة، فأجد ردهة المستشفى مليئة بالأسرّة النقالة وعليها جثث غارقة في الدماء، أشعر بالغثيان، ألمح الممرضة من بعيد، تتلاقى أعيننا لوهلة، فأناديها لكنها تدير وجهها بسرعة وتجر سرير إلى الناحية الأخرى، أشعر بقهرٍ ما من الذي يحدث، أتلفت للبحث عن أي أحد يساعدني، فأجد الرجل مكانه يلعب مرة أخرى الهارمونيكا، أغلق الباب وأعود للداخل، فيضحك، لا أعرف لماذا يضحك؟!، أعود أمامه على الكرسي، وأرفع رجلي على حافته، أضم يداي وأبسطهما في محاولة للتماسك، يروح الألم ثم يجيء بعد وقت بشكل أعنف.

   

 يزداد الصراخ في الخارج فيضحك الرجل مرة أخرى، هناك مجزرة حدثت في الإستاد، يقولها وهو يقهقه، هناك صيادون في كل مكان، كل ما على الصياد فعله هو تصويب البندقية إلى العين أو الرأس فيسقط الجسم على الأرض، الأكثر حظاً يموت سريعاً، يجري الشباب أمام الصياد كالفئران، ثم يسقطون واحد بعد الآخر، يزداد الألم، أود لو أقول له اخرس، أنا أتألم، لكنه يضحك، يزداد شعوري بالغثيان، أود لو أكتم أنفاسه حتى لا يتفوه مرة أخرى لكني لا أستطيع التحرك خطوة واحدة من مكاني.

الرجل يسكت من تلقاء نفسه، وفجأة يهدأ كل شيء في الخارج، هو يعود للهارمونيكا، فينطلق الصوت بنعومة، حتى طفلي يهدأ وينكمش لمكانه، فأمدد قدمي على سرير الرجل، يمس إصبعي ساقه، فيلتفت هو إليّ، يسألني ” أنتِ مريضة؟”، أشعر برأس الطفل تنزلق من فجوتها، فأصرخ بصوت بدا لي متوحشا، أقول له ” أنا بولِد”، أسمع قهقهاته المجلجلة أعلى من أي وقت سابق، “إنها تلد، ههههه”، أنا أصرخ وهو يضحك!، أشعر بخطوات تجري في الخارج، هو لا يعير اهتماما لصرخاتي، ويتكلم، تعرفين، هذه الممرضة المسؤولة عن ولادتك، هذه المرأة ذات الصوت الوديع، تعرفينها بالتأكيد، إنها تجمع الحبال السرية للمواليد الجدد وتلقيها لقطط القصر العيني لتتغذى عليها، تخيلي هذا الحبل السري الذي يمتد من بطنك لبطن طفلك الصغير في فم قط ضخم في خرابة، يقولها ثم يعود إلى الخلف، يضم شفتيه ويصدر صفيراً ممتداً.

*****

خاص بأوكسجين


شاعرة من مصر. صدر لها "ساذج وسنتمنتالي"" 2016 rn"