الأشياء ترتطم بنظّارتي
العدد 204 | 17 كانون الأول 2016
علاء عودة


لماذا ترتطمُ الأشياءُ بنظّارتيَّ وكأنّها تريدُ الدّخولَ إلى حيّزي الخاصِّ جدًّا، إلى القسمِ الدّاخليِّ من مُخيّلتي؟!

لماذا ترتطمين –وأنتِ البعيدةُ البعيدة- بنظّارتيَّ، بِمُخيّلتي، بِحيّزي من الفراغ؟! وأنا كنتُ أتركُ كلَّ ما يُمكِنُ أن يُشبِهَ البابَ مواربًا على أُهبةِ أن يُشرّعَ لاحتمالاتِ دخولِك، لنواياكِ –الّتي قد تكون- مُبيَّتة.

ما كانَ أيُّ أثرِ فراشةٍ، أو عثّةٍ، أو طائرٍ، أو طائرةِ “ميغ”، ليمنعَ وديعَ الصّافي من أن يصيحَ الآن: “لااا.. لااا.. لا تهرب ع الماضي.. الماضي ما بيساع”، كانَ حتميًّا أن يصيحَ هذه اللّحظةَ بذلكَ المفتاح الّذي يُشرّعُ نظّارتيَّ لهواجسي بكِ الّتي تحوم حولي طوالَ الوقتِ وتنتظر فُرَصًا كهذه حتّى تجذبَني من يدي إلى الماضي –الّذي لا يتّسع- فأحشُرَ نفسي وإيّاها ووديعَ فيه.. فيتضايقُ وديعُ ويقولُ لي: “ألم أقل لكَ: لااا.. لااا..؟”، ثمّ يتنهّد ويعترف: “أنا متلك راضي.. مركب مالو شراع”..

منذ طفولتي المبكّرة، لم أغيّر طبيبَ العيونِ المفضّل لديّ، والّذي لم أزل أقصدهُ حتّى الآن، وأصنعُ يومًا من زيارتي له، وأستمتع بساعاتِ انتظاري الطّويلةِ في ردهةِ استقبالِ عيّادتِه، وأنا أتصفّح أعدادًا من تسعينياتِ القرنِ الماضي وبداياتِ الألفيّةِ الحاليّةِ لمجلّاتٍ كانت برّاقةً وفاخرةً في وقتِها، وأقرأ فيها عن حركةٍ جديدةٍ ظهرت في أفغانستان تسمّى “طالبان”، بدأت كفصائل مقاتلي حريّةٍ لدحر الاحتلالِ السّوفييتيّ عن البلاد، وصارَ العالمُ يتخوّفُ الآن من أن تصبحَ هيَ احتلالًا للبلاد.. ثمَّ أقلّبُ صفحاتٍ قليلةً كافيةً لتنقلني إلى عالمٍ آخرَ يشغلهُ الموسمُ الأوّلُ من برنامج “سوبر ستار” الّذي يُعرَضُ حاليًّا –حسبَ توقيتِ المجلّةِ الّذي أرضخُ له بكاملِ إرادتي- على قناةِ “المستقبلِ” اللّبنانيّة، فأقرأ عن مصمّمي أزياءِ المشتركين ولجنةِ التّحكيم، وعن إعجاب المتابعين بكافّةِ انتماءاتِهِم بالمشتركِ الشّابِّ “ملحم زين” الّذي يتنبّؤون له بمستقبلٍ باهر، وأنظرُ إلى صورتِهِ المرفقةِ فيصدرُ عنها: “عندك بحريّة يا ريّس”، مضى وقتٌ كثيرٌ منذُ لم يعودوا يلتقطونَ صورًا تصدر عنها أغانٍ.. وما أن أنتهي من المجلّاتِ حتّى تنكزني اللّوحةُ المعلّقةُ في الرّدهةِ وتقول لي: “إذا أردتَ أن تعرفَ نعمةَ اللهِ عليكَ، فأغمض عينيك”، فأفكّر أنّني استخدمتُ تلك النّعمةَ للتّوّ مع طالبان وملحم زين.. ثمَّ أغمضُ عينيَّ يهدهدني انتظاريَ دوري للدّخول، إلى أن أدخلَ بترحيبٍ حميميٍّ واستغراقِ الطّبيبِ وقتَهُ في جلبِ ملفّيَ الورقيِّ من الخزانةِ قديمًا، أو فتح ملفّيَ الإلكترونيِّ على الحاسوبِ حديثًا، ثمَّ ابتسامِهِ عند تذكُّري، ومناقشته لي في أفلام الرّسومِ المتحرّكةِ قديمًا، أو الوضعِ السّياسيِّ حديثًا، ثمَّ البدءِ بفحصِ نظري في مهلٍ وتأنٍّ وإتقانٍ على وقعِ موسيقى كلاسيكيّةٍ خفيفةٍ تُنزِل السُّحُبَ القطنيّةَ الصّيفيّةَ الأثيريّةَ إلى عيّادتِه فتصيرُ سماءً صافية، ريثما ينتهي من فحصي ويكتب لي وصفةً لنظّارةٍ جديدة، ويقول لي أنَّهُ يفضّل محلَّ نظّاراتٍ معيّنًا يُشهَد له بكفاءتِهِ وباعِهِ الطّويلِ في طرطوس، فأشهدُ لهُ شخصيًّا بأسعاره الباهظة، وأنوي الذّهابَ –كالعادةِ- إلى محلٍّ آخرَ اعتدتُ التّعاملَ معه.. ثمَّ أنزلُ لأقضي وقتًا لا بأسَ به في مشاهدةِ الحيواناتِ الأليفةِ المعروضةِ للبيعِ في الزّقاقِ تحتَ العيّادة..

منذ طفولتي المبكّرة، أخبرني الطّبيب بضرورةِ ارتدائيَ للنّظاراتِ أثناءَ القراءةِ أو مشاهدةِ التّلفازِ أو استخدامِ الحاسوب، ولم أكن ألتزمُ بذلكَ أبدًا، إلى أن عدنا للاستقرارِ في سورية حينَ كنتُ ناجحًا إلى الصّفّ الثّامنِ عامَ ألفينِ وخمسة، فتعرّفتُ على الميكروباص كأسلوبِ حياة، غيرَ أنّي لم أكن أستطيع تمييزَ الكلماتِ المكتوبةِ على فانوسه -والّتي تحدّدُ مسارَ خطِّه- من بعيد، ولذلك أصبحتُ منذ ذلك الحين ملتزمًا بالنّظّاراتِ أرتديها طوالَ الوقت..

وازدهرت علاقتي بالنّظّارات وأواصرُ التّعلّقِ بيننا عبرَ السّنين دون أن يُنغّصَها شيء، إلى أن التحقتُ بكليّةِ طبِّ الأسنانِ عامَ ألفين وعشرة، واضْطُرِرْتُ لاستخدامِ الكمّاماتِ الطبيّة، فصار تنفّسي عبرها يسبّبُ غَبَشًا على زجاجِ نظّارتي، وعندها بدأتُ أضعُ الخضوعَ لعمليّةِ تصحيحِ البصرِ باللّيزرِ في الحسبان، إلى أن جعلتني الممارسةُ أكتشفُ طريقةً معيّنةً في ثنيِ سيخِ الكمّامةِ المعدنيِّ ودكِّهِ تحتَ النّظارةِ مباشرةً بشكلٍ يتغلّبُ على غبشِ النَّفَس.. وهنا حذفتُ احتمالَ عمليّةِ اللّيزرِ مجدّدًا، وتصالحتُ مع نظّارتيَّ..

تصالحتُ مع نظّارتيَّ اللّتينِ كانتا قد أصبحَتَا جزءًا من كياني وشخصيّتي وخيالي.. وها أنتِ ترتطمينَ –ولو موسميًّا- بزجاجهما.. لمَ لا تحضرين نظّارتيكِ وتأتينَ لنجلس قليلًا في الماضي الّذي خلفَ زجاجِ نظّارتيَّ ونضحك.. إنّها تُمطرُ في الخارج.. الخارجُ على وشكِ أن يصيرَ بحرًا.. والماضي خلفَ زجاجِ نظّارتيَّ يتّسعُ تمامًا لثلاثتِنا؛ أنتِ وأنا ووديع.. وهنالكَ الكثيرُ منَ الأشرعةِ الدّافئةِ المتأهّبة…
*****

خاص بأوكسجين


كاتب من سورية.