كائنات أسطورية
العدد 229 | 01 نيسان 2018
زياد عبدالله


أساطيرك الصغيرة لن أقاسمها أحداً

أدعها لي وأنت غائب حاضر، أرددها كتميمة، أخرجها في موهن الليل أو أي وقت أكون فيه وحيداً وأرتّلها، وإن لم أتعرّف على منابعها ودوافعها فهذا مدعاة للتوحد معها أكثر، بالتعامل معها بالطقوس والشعائر، فما من إيمان إلا وتخلله الغموض والشك.

لكن وبثقة مطلقة ليس هذا بإيمان، وكلما تساءلت عنك وأساطيرك عثرت على إجابات، ولعل غرابة حياتك هي ما يجعل من أفعالك أساطير صغيرة أم كبيرة لا فرق، وأنت ما كنت في وارد أن يكون لك أتباع ولا مريدون ولا شهود.

وهكذا مرّت أيام متناثرات في غيابك، وما خرجتَ عليّ إلا وجيزاً جالساً إلى طاولتي منكباً على أوراق بيضاء لم أتبين ما تخطه عليها. توقفت لهنيهة ابتسمت لي وعدت منكباً على الأوراق، ثم إن الأيام التأمت وتوالت الأحداث، وتراكمت في صوتي أريد أن أقصّها عليك، وأن تنجيني من هذا الترقب المهلك وانقضائه بحدوث لا شيء، وانتقالي إلى ترقبٍ آخر، متوكئاً على امرأة قالت لي إنها رأتني في منامها ألاحق كائنات أسطورية -أقسم إنها رأت ذلك- وعددت لي أسماءها وكانت كائنات من تلك التي ألّف عنها بورخيس كتابه “المخلوقات الوهمية”، ولو كنت هنا لحدثتَكَ عنها فقد كانت تبكي عليك ولم تلتقيك يوماً، وحين حاولت كفكفة دموعها نهرتني، وقالت لي دعني أبكيه جيداً، وبدا هذا طبييعاً، فقد قلدتك في كل شيء معها وجسدت تماماً ما كتبته عنك يوماً:

أريد كل ما يتخاطفه

ما يتناثر من قبسه

ما يمطرنا بوابل من الرصاص والدموع والدماء

أريد معطفه يجترح العواصف

كلماته وشوارعه المتقاطعة

ومؤلف ضخم

يتغمد رقته بين دفتيه.

أنا بلا ريب مريدك الوحيد، وعازم بإيمان منقطع النظير على ألا أنشر دعوتك، وأن أكون أنا وحدي مبشراً بها، وعدا تلك المرأة فلن يفهم أحد تعاليمك، بينما ألاحق معها كائنات أسطورية خُلِقت من أساطيرك.


كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحترف أوكسجين للنشر. صدرت له العديد من الروايات: "سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" – (2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (2017)، و"ديناميت" (ط1: 2012. ط2: 2018)، و" برّ دبي" (ط1: 2008. ط2: 2018). وله في القصة القصيرة: "سورية يا حبيبتي" (2021)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (2016). كما صدر له شعراً: "ملائكة الطرقات السريعة" (2005)، و"قبل الحبر بقليل" (2000). من ترجماته: "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب-مختارات من قصائد تشارلز بوكوفسكي" (2016)، و"طرق الرؤية" لجون برجر (2018)، و"اليانصيب وقصص أخرى" لشيرلي جاكسون (2022). وله أيضاً كتاب مختارات من التراث العربي بعنوان "الإسلام والضحك- نواضر الخاطر في كل مستطرف باهر" (2018)،  و"لا تقرأ هذا الكتاب إن لم ترَ من السماء إلَّا زرقتها" (2023) الصادر عن محترف أوكسجين للنشر.