أفكر في الله
العدد 291 | 26 كانون الأول 2024
محمد رشو


سرو

أنظّفُ لساني بسكينٍ وأنظرُ إلى الحدود

أؤرجح سناً لبنياً في فمي وأصعدُ شجرةَ سرو لأرى حلب

سأعترف:

دمّرت الحرب كل شيء، أنا الآن حرٌ أكثر من أي وقتٍ مضى.

*

خطّ

كنتُ خطّاً في يدكَ ولم ترني حتى انمحوت فبكيتَ وبكيتُ معكَ وأنا أنظرُ إلى خطٍّ في يدي لم أره حتى انمحى.

*

طيور

لسنا طيوراً لكن يسجنني من يحلم بي وكل من حلمتُ به أطلقته في السماء.

*

أفعى

​نكبر حين نفهم القتلة

وفي عمر ما سيبدو لكَ البشرُ جميعاً في عمرٍ واحد، وحينئذٍ لا حاجة للأمل ولا حاجة للذكريات، يسند بعضها بعضاً كصخرتين وتحكّ اسمكَ بينهما حتى ينسلخ الجلد عنه كما لو أنه أفعى.

*

ذئب

في رأسي يقيم رجلان لا يعرف أحدهما الآخر، أحدهما يسهر على أغاني الحبّ ولا ينام إلا متأخراً، الآخر ينام باكراً ولا يستيقظ إلا على الكوابيس.

في رأسي ومنذ زمنٍ لم أعد أتذكره، يحيا الرجلان معاً ولا يلتقيان إلا في ساعةٍ ما من الليل، وحينئذ،ٍ تطول أظافري وينبت في فمي نابان أبيضان، أنظرُ إلى الشعر الذي ينمو على وجهي وأكره جميع البشر، أجثو على ركبتي وأبكي كأي ذئبٍ آخر في الجبال.

*

شفرة

الشرُّ في يدي

حين لا تلمس

في فمي

حين لا يقبّل

في عيني حين لا ترى

أما الألمُ ففي كلّ مكان،

شقيقان، يلعبان معاً،

عدوّان يوقظان بعضهما البعض

وأنا لا أحد

يجلس تحت شجرة قديمة

أتأملُ حشداً يمضي في عرس

وأتذكّر الجنازةَ التي انتصب فيها معي

حين لمحتُ تحت الماء

فخذَ الميّتة

 

تعلّمتُ أن أخفي هواجسي كلما مررتُ بجبلٍ

وأن أدلّلها في الطريق

وفي الليل

تعلّمتُ ألا أشارك غيري الموسيقى التي أحب ولا فكرتَهم،

تعلّمت أن السحرَ سحرُ الوهم

تعلّمتُ أن لا وجود للأيام، بل خلقناها كي تمسّد قدم الله

كيلا تُهرق الأيام في لغة الأرض

ولا وجود للغة حتّى

سوى كلمةٍ واحدة

يتيمة ولامعة

لامعة وبيضاء كالعظام

*

كليك

نسيتُ اسمي منذ ذلك اليوم

ولم أعد أتذكره سوى

حين يرد في حكاية يتبادلها أهالي البلدة قرب الكنيسة

عن لاجئين وصلوا في أواخر سبتمبر

 

كانت البيرة توزع على طاولات أقيمت في الهواء

ثم غرقت في موسيقى الروك أند رول

خلف سيارات الكاديلاك

 

أحببتُ أن تتوقف الموسيقى لأتكلم عمّا رأيت

 

صعدت امرأة طويلة على مصطبة القش وأخذت ترقص

دون أن ترتدي شيئاً ودون أن يهتم أحد

 

كنت منهمكاً في ساعات معطّلة تنبت على رسغي الأيسر

تضيء فجأة ثم تتوقف لتترك ندبة ً

معدنية تضيء بجانبها ساعة أخرى

 

بحركة واحدة التفتت الفتاة نحو كاميرا وهمية:

تفتح ساقيها في الوجه ثم

تطلق«كليك» في الهواء بلسانها وهي تضحك

 

«القطط جميعها رمادية في الظلام» قالت أخيراً وهي تجلس

سعداء جلسوا حولها

وبينهم كنتُ، سعيداً غير خائف

 

ثم كرجلٍ واحد أنصتنا جميعاً لرنين الفجر

في حقول الذرة.

*

سبابة

لا عزاء في ذكريات الآخرين

عن حروب قديمة

ولا أمل في ذكرياتنا

نقتلُ ونحبّ

نحبُّ ونقتل

ثم نتركها شقوقاً في الظلام تدلُّ علينا

عظاماً

تدُّل على حدودٍ بين الذئاب

 

ستكون امرأةً

وسأنكسرُ في صوتكَ

ستكون رجلاً

وستغرقُ في عرقِ يدي

ستكونُ حجلاً وتخونني

فأخونكَ مع حجلٍ آخر حتى

أتحول إلى شجرةً

فاسقة

 

لست أحداً

ولن تعرف كم أنا

خائفٌ

ووحيد

وأقيم بين مرآتين

شيطاناً آخذُ لسانَ الملاك بفمي

ملاكاً أديرُ خصري الخبيث

لسبابة الشيطان

*

سمندل

لا أرتاح في السبت

أراقب سيارة سيترون زرقاء

تخرج وتدخل في الكراج

ثم أخطط لما سأقوم به بعد أربعة أيام

أقرأ كتاباً مقدساً كما لو أنه رواية سيئة

ألعب بأسئلة لا قيمة لها

كيف اخترع البشر لهّاية الأطفال

متى اكتشفوا التوابل

لماذا دجّنوا الحيوانات

أرتبها كقطع البازل

 

لديّ الوقت

أقول وأرافق أبي إلى الحلاق

رغم أنه ميّت

ما يزال الحلاق يرتدي خاتماً ذهبياً في إصبعه الزائدة

يمشّط فأرى طيراً من تحت حاجبي

يقصّ فتختفي أصابعه الأخرى ليلمع الذهبُ وحده

أنظر إلى الطابق العلوي وأشكو الماضي

أرى حكماء يمشون من الهند حتى حلب

أرى سمندلاً عجوزاً قذراً يرمي بنفسه

في النار

 

المرايا في كل مكان

أحدهما يظنُّ أنه سيسرق لوناً من السماء

التي في يد الآخر

أحدهما يشمّ رائحته في كلمة خضراء

في فم الآخر

وثم كما توقعت

أراهما يتنايكان

ويتكرران بين مرآتين متقابلتين

إلى ما لا نهاية

 

أمسحُ فمي بمنشفة رجل آخر

وأكمل ما بدأت:

أفكر في الله

*****

خاص بأوكسجين


شاعر من سورية. من مجموعاته الشعرية: "انتظر الهواء لأمر بك" 2001 و"عين رطبة" 2005"