زياد كان واحداً من أولاد حارتنا
العدد 298 | 4-8-2025
ماهر راعي


أختي المنشغلة بهاتفها عن أحاديثنا المملة، ذلك الخليط المضج من جدالات الدين والسياسة، فجأة تضع أصابعها على فمها وتشهق، تبّتر بشهقتها تلك صخبنا الممل، تذهب عيوننا نحوها بقلق لنتحرى الخبر، فليس أسهل الآن من أخبار القتل والموت والذل والكوارث! وبصوت محبّ وحزين كأنها تقول اسم ابن الجيران: “مات زياد الرحباني!” صمتنا جميعا لنبتلع ذلك الخبر الصادم – غريب أمر السوري هل ثمة مكانا لأخبار صادمة؟! – ثم دارت الأحاديث والذكريات التي يمر اسم زياد فيها، ماذا قال، وماذا فعل، متى لحن أغنية “دلال” أو “بلا ولا شي”، كيف أقنع فيروز أن تغني “كيفك أنت” وكيف أنه أرفق بروفات الأغنية في الكاسيت، ضحكنا إذ كان يومها بيننا من يظن أن زياد خرّب أمه. وواصلنا حديثنا عن متى قدّم عمله المسرحي أو أوقف عرض عمل ما، ليقطع كلامنا وذكرياتنا مراهق من أولاد العائلة بسؤال طبيعي فيه شيء من الاستغراب والاستفهام الحقيقي: “خالو أنتو كنتو بتعرفوه بشكل شخصي يعني؟ ليش؟ ولا مرة شفتو؟”

بدت أسئلة محقة تماماً، إذ بدونا نتحدث عن اسم نعرفه شخصياً، صديق للعائلة أو أحد الأقرباء الذين انقطعت أخبارهم لسبب ما، أو ربما ظن أنه جار قديم ترك الحارة!

نعم كان زياد صديقاً قديماً.

ليس من المجدي أن أكتب هنا عن عبقرية زياد الموسيقية فلست ابن هذا الكار والتخصص، مع أنني سمعت مرة من صديق متخصص – مع أنه ليس من شلة المهوسين بزياد- لكنه قال يومها بكل موضوعية “زياد خلاصة الموسيقى العربية في آخر مائة عام”، كما سأترك هنا الكلام عن مسرحه فارغاً لنفس السبب، لكن أستطيع القول إننا، أي جيل السبعينيات والثمانينيات، كنا نحفظ مسرحياته عن ظهر قلب، ونقتني “كاسيتاتتها” بفرح من يملك كنزاً ساحراً ، كذلك لابد أن أقول أنني لطالما رفضت  من موقعي الأكاديمي المتخصص كباحث في علم الاجتماع كل أنواع المقولات التي تقزّم أو تكثّف أو تختصر بعض النظريات والمشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لكنني فشلت أمام بعض مقولات زياد التي مرّرها في مسرحه أو حتى في لقاءاته التلفزيونية وبرامجه الإذاعية، وليس رأيه في الفقر بحوار مع ثريّا في “نزل السرور” إلا مثالاً من أمثلة عدة، عبقرية حقيقية استطاع ببساطة أن يمسك مشاكلنا بيد واحدة من سعر الخسة إلى فهم المواطنة والوطن، وكما يحصل في جميع ميادين الإبداع ثمة أصوات يصبح أسلوبها ماركة مسجلة تطغى على كل من يحاول بعدها، فيصبح الفكاك من الأسلوب وخلق الصوت الخاص يتطلب جهداً كبيراً. لقد طغى زياد على أسلوب التنكيت وخلق النكتة سواء لجهة تركيبها وحتى نغمة الصوت وصولاً إلى السكتات والقفلات، إذ وجدنا جيشاً من الأشباه الذين ينتحلون باللاوعي حتى صوته في قول النكتة وصناعة الموقف أو التعليق الطريف.

ليست مبالغة إذ قلنا أن ظاهرة زياد بكل تنوعاتها وغناها تحتاج لدراسات أكاديمية متخصصة، ويمكن إنجاز مئات الأطروحات الجامعية عن فنه وعبقريته وحتى حياته، لكنني سأعتبر وإلى حين أن ما قالته فيروز صديقتنا الأجمل عن ابنها في واحدة من لقاءاتها كان أجمل ما سمعته من أم ومن مثقفة ومن مبدعة تصف فيها زياد ابنها وشريكها في الفن والإبداع، ويفرحني أن أفرّغ كلام الفيديو هنا في هذه المساحة، لأنني أعتقد أن هذا الكلام لا يكفي أن نسمعه مرة واحدة، بل يجب أو أدوّنه – مجبرا على التضحية بصوتها الساحر – على شيء من حفظه في المقام الأول:

“زياد متل آلة تصوير بتلقط الصور يلي ما بيقدر يشوفها حدا..الصور الموجودة بالعتمة، أو يلي حطوها بالعتمة، وعندو قدرة على مراقبة الأشياء بدقة غريبة، متل ما عندو تأمل طويل لعلاقة الاشيا ببعضها، كل شي بالحياة إلو وجهو الساخر، وعظمة زياد إنه قدران يلقط ويصور هالوجه الساخر، لأنو عميق كتير بمعرفة الوجه المأساوي لهالشي، ما كنت بالأول قدرانة شيل الأم، ولا كان عاصي قدران يشيل البي، من خلال نظرتنا لزياد، بس زياد شال الأم والبي على جنب، وحط فيروز الفنانة وعاصي الفنان، ولهالسبب كان في ضرورة إنو زياد يختار بحرية الإتجاه المناسب لفنه، سلاح زياد بالفن نظرتو للإنسان وللوجود، سلاحو الشك العميق يلي بيخلق جمالية الفن والقسوة الصعبة يلي بتخلق الإشيا يلي عم تنما قدام الإشيا يلي عم تختير”.

*****

خاص بأوكسجين


شاعر من سورية. صدر له "مرمية هكذا في الهواء"" 2014"