نائمٌ. وحتى قلبي نائم. جسدي لم ينَمْ. عاقدٌ مع الظلام حِلفاً. قليلاً ما يلتزم به في النصفين: الأسوَد وأبْيَضِه. أقبض عليه وأطويه في جيبي. يستسلم ويهدأ. أحياناً يهجع. تنتعش فيَّ طمأنينةٌ ليست لي. لا تكبر ولا تقفز إلى ضفة في فم الحوت. الآن، ما إن تنتعش حتى تعود إلى النوم. لم تعُد موضعَ ثقة بنفسها ولا بي. لم أعُد أنغَشُّ. تنكشف لي غابةُ جسدي، المكتظّةُ في قماشٍ رقيق، عن ألوان من الخداع لا لها حصرٌ ولا يتّسع لها جرن. ظَهري فيه النار. أنت تعرف. ظهركَ الآخرون. ليس لك. ليس منك. جِلْدٌ فليحترقْ. من يديك النار. الآخَرون الحطب. العبْ بهم على طاولات القمار. ليس بين يديك شيء. بأعدائك تأكل ظهرك. بالتراب الذي لم يعد دمَاً يأكلك البُغاثُ، طريدُ كلِّ تراب.
ليس كثيراً ما بيننا من رياح. نحتاج عاصفة كي نطير. من موجة واحدة يولد البحر. بعضُ ريشك لا ينكسر. نِصفُ شجرة أنت. فأر الرأفة يصنع الخبز لِقطّةٍ لا تريد الطعام. لعبةُ غُمَّيضةٍ في بلاد ضيِّقة زرقاء من الغيظ. المحطة تحت مقعدٍ يرجِع أدراجه إلى القاع. ترشُّ البُنَيّة عطر غيبها على الغيم. الألوان الدوّارة في قنديل الدهشة أوّلُ الحريق. يُدمِنُ الخشبُ التدخين. قاربي من ورق.
حلُّ الدولتَين أكلُ جوزٍ فارغ… “تَعا ولا تِجي”، واقصفْ متى تشاء…
لا شيء يجعلني أقلَّ مرارة من إلهٍ يصعد الجبل كي يخسر العرش. يجذبني الطبق الشهي بقافية من سَردِين. قدّاس الديدان في التفاح والتين. قبرٌ ينهال عليه الحصى مع هشيم القلوب. تتقن خادمُ أولادِها وجبةً واحدة من زمان. مثل رياضة سجين في الظلام. تَرجع القهوة إلى بخارها الثرثار. تفيض على ثوبها وأنتفض. صرير الخزف الأبيض يزعق بين يدينا البعيدتين طفلاً يعضّه الموت. يتقن الصباح هذا المشهد بإخلاص. أوّلُ من يقطف الرغوة الشهيّة شفتان غليظتان.
حديد الحاوية الصمّاء ضيفي الخطّارُ على شطِّ النيل.
حاجباك – لم يعودا من بين الأشجار – ظلٌّ بعدُ. أحَدُّ من منجل يَسنُّ نصلَه نسيمُ الضحى في الزرع. لو تعرفين المِداد الذي تسكب القهوةُ نشيجه في خُطاي. عابرٌ بين الزمان الذابل في المزهرية وبطشِ الحروف.
حدود هذه الغرَّة الرفرافة على الرصيف المقابلِ شمسٌ. تتنقَّل بين السيارات طائراً لا أراه قبل أن يحطّ على جبينك. من هبّة نسيمٍ واحمرارِ ضوءٍ إلى جانبي الأيمن يطلع لي صباحٌ يلهث من النور! “البارد عندي ليس ماءً”، ـ أقول لها وأنثني. – يا لليدَين! ألْفُ ذرّة سلام تخفِق في البلّور. تلفُّ البرداءُ ثوبها. تطوِّق خصرها بيدَيّ.
اليأس بَيْدَري. يفرش على صدري نباتَه وأَسقيه. صديقي القنفذ يشقّ بحدِّ الليل دربه إلى خوابي الضوء. يلطِّخ ثياب “فالنتاين” بآخر ما في جِرار النبيذ والنفايات. لا تُبقي الفئرانُ قطةً تحرس موسمي وقتَ النوم.
الليل والنهار جناحا كوكبٍ تائه يبحث عن عزاء.
من الزمان ما لا يغيب. ما لا ينطفئ. قُلادةُ كهرمان. بعضُ روحِنا بحرُها الأبديّ. مشمش المايوه الهائم. كوكبُ رملٍ صاخب يجنِّن الموج. وقفةُ على سلّم في الهواء… تنسلُّ الرأفة من القلب. ظِلُّ مكانٍ محروق لا يصلح للحياة. على جلده العطشان يسرح صوتُ أعشاب يابسة في وادٍ بعيد… تستدير برأسها عن زجاج النافذة في القطار. تتفّحّصني بأمانٍ شامت.
بي بي سي 24.7.2015 / ناسا
خصائص الكوكب “كيبلر 452b” تشبه تلك التي تتمتع بها أرضنا. يبعد عنها 1400 سنة ضوئية. منذ نحو 6 مليارات عام يدور حول شمسه خلال 385 يوماً، ما يزيد من احتمال وجود شكل من أشكال الحياة على سطحه.
الأقدار لا ترحم فينا شعرة باقية تحت إبط أحد.
الجمعة 13 آذار. تقاطُع شارعَي سان ماتيو وميزونّيف. شايٌ صينيٌ أخضر. ظاهرٌ سُكَّرُ خصرك فيه. طاولات متفرّقة. يحيط ببعض منها أشخاص يتطاير قطنُ هَمهَماتهم وماءُ ضحكاتهم بإيقاع نسائيٍّ غريب. عبر زجاج المقهى الواسع يلعب غروبٌ نسيم. بَرْد الرذاذ ناعسٌ بليد. تكره لَبيبة يحيى (لم يعجبني اسمُها في البداية) هذا المكان. أعود إليه وحدي. باقٍ منها آثارٌ مكدَّرة تحوم فوق الطاولة. كدَرٌ يجعل البئر عصيّةً على الصفاء. لا تُحسن هذه المرأة أن تكون صريحة أكثر من حبيبةٍ محتشِمة. يكسر خطواتِها والكلامَ صبرُ عشيقة تخشى الهجر. الدواء المطلوب ليس متوفّراً لديّ. لا أستطيع التكفّل بدور الطبيب. دائي وأعرفه. تلمس الشفتان عنُقَها هبوطاً إلى الكتف الملهوفة. الجسم كلّه حيوان بدائيُّ الأُلفة. ينكمش نشوةً وهلعاً ممّا هو غامضٌ ولذيذ. تفانيها الهادئُ في البيت كما في السرير. وفي السرير كما في الصلاة: رغبةُ طفل جائع يدنو من فمه ثديُ أمٍّ ينضح بالحرمان. تخرج الكلمة من فمها. تطير هادئة هدوء من يخشى السقوط في فخّ… صورة الطفل في جزدانها تجعل البسمة في خيالي تغلب حرقة دموع العين. تنظيفٌ على الناشف لأحاسيسَ ملطَّخةٍ بالوعود.
الدلال والحنان والثقة: ثلاثةٌ لا تُفسِد حيواناً آخر غيرَ الإنسان.
مجاملة من تحتقره ـ احتقار للذات.
عِشْ ذئباً وحيداً تنجُ.
الفستان المعلق في زاوية من الخزانة وحيدٌ. لا يتكلم طويلاً في الصباح. ربما لا لأن الدموع تخنقه. لا لأنه منهَك من الجوع شوقاً إليك. أفكِّر ساهماً. تقلِّبني الغيومُ الثقيلة بعيداً فوق الأشجار. لا أهتدي إلى شيء. أعود أتلمَّس الباقي من عود كبريت آخرَ اُشعِله من سيجارتي. أُلقي فحمَه على الصدر. أظل جالساً إلى طاولة ترفرف وتستغيث. عليها وتحتها خيالاتٌ. ديَكة وشياطين تتناحر بالحِراب. ليس للفستان جسد دافئ ينطِقُ ما مختبئٌ فيه. بقايا كلمات تتردّد كلَّ فجرٍ في فراغ صدره المشقوقِ. بِنترةِ ذراعٍ قوية تُفرِغه الخيانة من بريق الصحون. تتردّد الكلمات حشرجةً تستمرّ قليلاً. قد لا ينطفئ الصوت. الشرفة. جذور الرعشات المطمورة في الشرايين. طقم أسنان الأم الماضية حتى الآن. طائرُ الحَومِ المنهَكُ بالغيوم. تُغطِّس الأصابعُ المطلّة شفراتِها تحت كل غرسة. تترك في السكين صوتَ التراب.
وقبل أن تعود بي قراءتُكِ من الحبس… أعرف سلفاً أنْ لا فائدة من منطق أو عقل. عليّ أن أقول إني قد لا أفكر بشيء. التفكير مسؤولية ليست من حقي. عليّ مسؤوليات كثيرة. إحداها، بل على رأسها: ألا أفكر. ها هم يدينوني (لا يحاكمونني) على ما لا أفعل ولا أقول. أغلِّف ما يجول في سرّي بشُحنة صقيلة من غبش الاختناق. قشور الجوز الخضراء بين يديكِ يفوح منها النبع. فستانك يدخِّن سيجارتي باجترار ولامبالاة. غير آبه بالصباح الذي أنا مشرف على غروبه. ما إن أفتحُ على الجنينة عينَيّ.
*****
خاص بأوكسجين

