الخروج من الدائرة
العدد 291 | 26 كانون الأول 2024
رندة الرهونجي


يلحّ عليّ اليوم أكثر من أي وقت مضى الفيلم الألماني الجميل “The Lives of Others” (حيوات الآخرين) للمخرج فلوريان هينكل دونرسمارك (أوسكار أفضل فيلم أجنبي 2007) والذي يبدو أنه قد أصاب فيه جوهر فكرة العدالة ومفهومها، بأقوى الأساليب إبداعاً وعمقاً وتحفيزاً على التأمل والتفكير.

وإذا كانت قوة الدراما مرتبطة بالقدرة الإبداعية على خلق شخصيات تبدأ من مكان ثابت محدد لتنتهي في مكان آخر تماماً بعد رحلة تفاعل وتبدل وتطور داخل الحدث الدرامي، فإن فيلم “حيوات الآخرين” هو من أكثر الافلام بلاغة في صياغة هذه الرحلة من خلال رؤية ثاقبة لمفاهيم تبدو بديهية عن الحق والعدالة والحرية، والتي تصبح أكثر التباساً في أزمنة القمع والاضطهاد والترهيب.

إنها رحلة التغيّر والتبدّل لضابط مخابرات في الشرطة السرية لجهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية في ثمانينات القرن الفائت، والذي يدّرس بمنهجية صارمة أساليب التحقيق مع المعارضين السياسيين وكيفية الضغط والتعذيب النفسي والجسدي لانتزاع الاعترافات المطلوبة، والذي سيتحول بهدوء عميق من مراقب، متلصص على من يعتبره عدواً للوطن والدولة، إلى متعاطف، ومتورط ومنقذ له.

سيحمله هذا التلصص الصوتي الدؤوب لأشهر طويلة، من خلال أجهزة تنصت زرعها في جدران شقة كاتب مسرحي معارض وحبيبته ممثلة المسرح، الى منطقة جديدة من الفهم الداخلي العميق لمعنى الحب، والفن والشغف، والعلاقة بالوطن. وليكتشف بعد هذا الالتصاق الشديد بالعدو المفترض، أنه قد أصبح صديقاً قريباً يتمنى هو أن يكونه، بعد أن انتهى إلى قناعة بأن “عدو الوطن” هذا ليس في الحقيقة إلا صديقاً للوطن وضميره النبيل.

أمام هذا الكشف والتبدّل الداخلي العميق، سيسعى هذا الضابط المتلصص إلى تغيير مصير خصمه وإنقاذه من خطر جهازه الاستخباراتي الممعن بالفساد والشر، وإذا هو بذلك يجد نفسه وقد غيّر مصير نفسه أيضاً.

فكرة الالتصاق الشديد بالخصم من خلال جدران شقته وما ينتج عنها من تبدلات داخلية عميقة تحيلني إلى فكرة التصاق آخر عكسي حث عليه يوما الكاتب السوري ممدوح عدوان وهو يشرح لطلابه نوع العلاقة الواجب على المبدع إقامتها مع الرقابة في بلاد القمع والمنع والترهيب.

“إياك أن تبقى في منتصف الدائرة، عليك أن تسعى دوماً للبقاء ملتصقاً بجدارها ومستمراً في دفعه الى الخارج بالاتجاه المعاكس لمركزها”.

هذا التوصيف والاقتراح لنوع العلاقة الخطيرة بين المبدع وسيف الرقابة المسلّط على عنقه في بلادٍ سقف الحريات فيها منخفض للغاية، هو ما اتضح أنه الحل الوحيد دوماً من أجل مقاومة التدجين والاستكانة ورفع سقف الحرية باستمرار، حتى لا يستيقظ المبدع في يوم فيراه قد هبط بالكامل عليه وسحقه كلياً.

قد تكون هذه الفكرة المبتكرة للعلاقة مع الرقابة في بلاد القمع وانعدام الحريات أشبه بخارطة طريق مشى عليها واتبعها الإبداع السوري عموماً، والسينما خصوصا لما فيها من إمكانية للدفع الموارب لكافة الجدران والسقوف التي عاش داخلها وتحتها الإبداع في سوريا لنصف قرن من الزمن.

تلح دائرة ممدوح عدوان اليوم وسوريا تعيش لحظتها التاريخية الفارقة المحفوفة بالمخاطر، والتي لن تسمح بخلق دوائر جديدة يبقى فيها المبدع سجينا فيها، فرحلة الإبداع في سوريا ظلت لعقود طويلة تحاول أن تبقى ملتصقة بجدار تدفعه بكل دأب ومغامرة إلى أن جعلت منه حاجزاً شفيفاً شفافاً يسهل تمزيقه بسهولة.

حين سئل المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي يوماً عن “الرمزية” في أفلامه كنهج وأسلوب، وهو صاحب الأفلام التي تعتبر أيقونات خالدة لأفضل ما قدمته السينما عبر تاريخها، استاء ورفض هذا التصنيف والذي ذهب لأن يعتبره تهمة جائرة لا تليق به وبسينماه.

تاركوفسكي الذي ترك وراءه أفلاماً تعتبر من أهم ما قدمه الفن السابع للعالم، أنجز أجملها في ظل نظام يقمع حرية الرأي والتعبير، لكنها استطاعت أن تدفع جدران جميع الدوائر بتركيزها على مقاومة الإنسان عبر براءة أحلامه وذكرياته بشعرية عالية جعلتها تحلق خارج زمانها ومكانها، فبقيت داخل كل زمان ومكان.

تسترجع الذاكرة اليوم تاريخاً طويلاً من الأفلام السورية التي بقيت لعقود طويلة ملتصقة بجدار دائرتها تدفع به نحو الخارج وعينها على المستقبل الذي نعيشه اليوم، محمّلةً بجميع أسئلة الحرية والعدالة، والتي لم تكن يوماً بديهية في بلاد كبلادنا، بل لطالما بقيت صعبة ومستحيلة.

ونسأل أنفسنا، هل التمرين الطويل على التلميح والالتفاف والمواربة في القول والاسقاط والترميز لتمرير فكرة التوق إلى الحرية والحق والعدالة قد ساهم في رفع مستوى التعبير الإبداعي السوري، وجعله عبر السنوات على ما هو عليه من خصوصية ونضج وتميّز؟ أم أنه هدر طاقات هائلة كان الأحرى بها أن تُستثمر في البحث العميق في الإنسان وما بعد حقه البديهي في الوجود والحرية؟

ويبقى السؤال الأصعب اليوم، هل في خروجنا من الدائرة وتحطيم جدارها ما يجعلنا على يقين بأن الدائرة نفسها قد خرجت من داخلنا إلى الأبد.

*****

خاص بأوكسجين


إعلامية وناقدة سينمائية من سورية