مقاطع من الزُرقة
العدد 304 | 22-1-2026
مبارك المخيني


 

1

يشربُنا اللّون

أطراف أصابعِنا في البداية، ثم بطونَنا المفقوءة

في عالمٍ باهت.

ينخسفُ البياض زُرقةً

تتشرَّبها أفئدتنا

بعد بُكاءٍ في مكانٍ عام، خلف نظّارةٍ سوداء.

 

أتثاءبُ وأنا أجمعُ جسدي وأنثرُه

أجمعُ أعضائي المتناثرة بعدها

وجميعُ ظلالي

وألصقها على لوحةٍ صمّاء

كتثاؤبِ القطط

وتشربُني/تتشرَّبُني،

مثل فراشي الذي تشرَّب

معارك نومي

وصُراخُ أحلامي في سُهاد صحوي.

 

2

أقتربُ من صديقٍ قديمٍ وأنصتُ إليه

إلى صُراخ السفن الغارقة في سقف السيولة

كما لو خُلقت لي أذنٌ ثالثة،

لا أقتربُ كثيراً

سوف يبتلعني الحنين المبللُّ بالشوق.

أسأله:

بأي حقٍ

وأنت بجلالك هذا كلَّهُ

تبصقني بتبرُّمٍ هكذا

إلى يابسةٍ خربةٍ بلا لون، بلا رائحة؟

أرثي جسدي المفتَّت

وألواني الباهتة

حين ظننتُ أن النهرَ

هو أخي الضائع.

 

حالما أصلُ إليه

أتحوَّل إلى هيئتي السائِلة

أحاور أمواجه بقلبٍ من حنين

بقدرٍ من سِنين

بلمسةِ جنين

وروحٍ على وشكِ التحلُّل.

 

3

كي يكونَ القبح نقيضاً للجمال

يجب أن نغرق في سماء جلودنا المشقوقة

نشهدَ ولادة طفلِنا

عبر خلق جملةٍ نقيَّةٍ للحياة

ومن خلاصِ هبوطٍ مظليٍّ خاطفٍ

لكلمةِ: أحبك

 

تأتي زرقاء كحبة توتٍ بريِّ

يمضغها طفلٌ لا يفرّق بين القبح والجمال

ويستمر مذاقها لقرونٍ من الضحك

الذي قد يكون قصيراً

تماماً ككلمةِ: أحبك

 

4

قلبُ أمّي أزرق.

 

تفتَّحتْ كاللوتس في جوف بلدٍ بعيدٍ

مكتظٍ بأرواحٍ داكنةٍ

ونكهاتٍ لاذعة

وذبلتْ هُنا

في قيظ بداوةٍ تجهلها

وريثما يمَّمت أوراقها نحو السماء

احتضنتني بعطرٍ لازقٍ في ذاكرةِ طفلٍ أسمر

ضمَّتني بأوراقها

بحنانِ لمستها وشعرها المنساب المحُنّى،

فنمتُ

في وردةٍ زرقاء تعجن خبزاً كالمارشملو.

 

حتى حين وبّختني لأني لم أصلِّ الجمعة

أحببتُها في السبت

كما أحببتها في بداية الأسبوع

ومنذ أول حضنٍ عطرٍ لها

عرفتُ كيف للعالم أن يلكم بقسوةٍ هكذا.

 

5

خطواتُ من أحببت كانت زرقاء

كأنَّها لوحةٌ ذائبة

في كل خطوة منها أثرٌ لفرشاةِ فنّان

دمعةٌ من بومةٍ ترى فناءها في الظُلمة

فراءُ قط متناثرٍ في غُرفةٍ صغيرة..

 

لهذا هي بيتي الأزرق

حين أحسُّ أن كلَّ الألوان تقيؤني

حين أشعر أن الوطن غريبٌ عنّي

أصبحتْ هي أوطاني كلَّها،

وأصبحتُ طيفاً من أطياف زرقتِها..

 

جلستُ يوماً فوق رمش عينها

أتمعَّنُ شفتيها وفستانها الأسود

آملاً أن أصبح ورقةً

لأمتصَّ شيئاً من لون حياتها

روح حياتها

روح جسدها..

 

6

حزني أزرقٌ جداً

حتى دموعي المنسابة

كما لو على ورقةٍ خضراء بازغةٍ

أصبحتْ عذبةً كنسمةِ هواء

أو كصوت أبناء العالم

حين يقولون “عمّي” و “خالي”.

 

لانهايةَ لانسكابها

على وعاءٍ هو عيناي المتعبتان.

تسقطُ

لتسقطَ مرَّةً أخرى

ومرّة أخرى

وأخرى

حتّى يفيقَ العالم من غيبوبته.

 

حين كُنت أظن أن الألم ذاقني قبل أن أذوقه

حين كانت الموجةُ أختي الكُبرى

حين غَفَتْ على حضني مُقلةٌ ودمعةٌ وحيدة

بلّلت ملابسي الجديدة،

عُدت للنوم مجدداً.

14 تمّوز، 2022

*****

خاص بأوكسجين


كاتب من عُمان