“العالم الذي نحلم بٍه غير موجود” مصفوفة وجودية على الطريقة “الشامانية”
العدد 258 | 17 تموز 2020
نوار عكاشه


 

تكشفات متتالية بِمُتعة عجيبة؛ تضمنها إعادة تدوير ذهني ذاتي لِمضمون فيلم “العالم الذّي نحلم بِه غير موجود»” (2017، 81د)، فَهذا المحتوى من النوع النادر الذّي يبقى يحوم في الرأس، وكأنه مسّ سحري يجبرك على إعادة تحليله وتركيبه لا إرادياً، معقد ببساطته، استكشافي بِمُسلماته، مجهول بِالمعروف!

هو مغامرة غريبة قام بِها مخرجه الأمريكي من أصول مغربية أيوب قنير (1983) لصناعة هذا الشريط الفريد شكلاً وموضوعاً، ليس جديداً على قنير هذا، فَهو معروف بِأعماله التجريبية المثيرة للجدل، وإنكاره للجغرافيا في السينما.

يقدم الفيلم حكاية عدة أجيال من أسرة تعيش في “خوفسغول” على السهول المنغولية، تنتمي تلك الأسرة للقبائل التّي تعتنق الديانة “الشامانية”، وهي ديانة أو مذهب ديني قديم جداً، تعددت أصول تسميتها، وتعتقد بِوجود صلة خاصة بين الآلهة والإنسان، صلة تفترض أن الكائن الحي عبارة عن غلاف جسماني حاوٍ لعدة مكونات غير مرئية أهمها الروح أو النفس، ولتلك المكونات قدرات خاصة وأطوار مختلفة، أشدها تأثيراً لدى ما يُسمى “الشامان” وهو كاهن يتم اختياره من الأجداد كي يتحكم بِالقوى الدنيوية الغيبية، فَهو يُعالج المرضى، ويكشف المستور، ويوازن أي خلل، عبر استخدام السحر وطقوس خاصة كالأدعية والقرع على الطبول والأغاني، ويتميز بالقدرة على معرفة مسبقة بالأحداث قبل وقوعها.

هذا ما نشاهده في الفيلم حين يتلقى شيخ الشامان رسالة في المنام بأن رحلة عظيمة قادمة تمسح حفيده عن الوجود عن طريق الفطر السام، والمسح وفق الديانة يعني الغياب المستمر وهو (المرض)، وهو ما يحصل حقاً، فَيبدأ صراع الجد مع مرض الحفيد وغيابه عن الوعي عدة أيام في المستشفى، خوفاً من حصول الغياب النهائي للروح وهو (الموت)، فَيطلب الشامان نصيحة ودعم أسلافه كي يعود حفيده للوجود.

بالتوازي مع المحور الرئيسي للفيلم؛ نتابع كل فرد من أفراد الأسرة من خلال واجباتهم اليومية وحياتهم الخاصة، نطلع على الأحداث التي تجري على مستوى آخر من الوجود، وعلى عدة مستويات زمانية، لندخل بتوليفة سردية تربط عدة أجيال بِمصفوفة وجودية بشرية، بِتتابع زمني يبرهن بالأسباب ارتباط الحاضر بالماضي، لنجد بالمحصلة أننا مندمجين وجودياً بالطبيعة والكائنات بنظام متين جداً!

الفيلم روائي تبعاً لِلأسلوب السردي، لكن بطرح غير تقليدي وميال درامياً وبصرياً للنوع الوثائقي، فَالشريط تركيبة من المشاهد التسجيلية، الكاميرا تسجل قصة افتراضية كَتبها قنير بِالشراكة مع جورج طومسون واقترح على مجموعة من السكان الأصليين أداء شخصياتها، إذاً جميع المشاركين بالفيلم ليسوا ممثلين محترفين، يبدو أنّ الأمر أغرى قنير لرفع مستوى التحدي، وهو ما نلاحظه بخيارات التصوير المعتمدة بكثرة على اللقطات الطويلة، وأغلبها بكاميرا ثابتة وزاوية تصوير واحدة، مما أفسح المجال لِكيفية المُشاهدة الوثائقية.

كما أنّ الفيلم قليل الأحداث المُحرِكة، ويكُرِّس العملية الإخراجية نحو التقاط تصرفات وتأملات وأفعال الشخصيات، وتستند العملية بِهذا الخيار على أثر العنصر الشكلي الجمالي، فَالكادرات غنية بالتفاصيل، وتقدم اكتشافاً غريباً لِلمُشاهِد، والمكان يزخر بِحميمية الطبيعة البرية، والشخصيات تنطق وتتصرف بعفوية.

يقدِم “قنير” في فيلمه 4 مشاهد فيديو أرت متباعدة في زمن الفيلم، هي لوحات تتداخل بها ألوان حارة وباردة، غير واضحة الدلالة، لكنها بِحركتها وتفاعلها تجعل المُشاهِد يستشعر الاندماج في غرضها، وكأنه يريد القول أننا كَبشر -رغم اختلافنا- مرتبطين ومندمجين مع أنفسنا والطبيعة، ومهما تحركنا وتفاعلنا سنبقى ضمن حدود هذا الاندماج.

السلام والبساطة الذّي تعيشه شخصيات الفيلم ليس سوى انعكاس حقيقي لعيش معتنقي تلك الديانة، نعم يتعرضون للمشكلات ويعانون صعوبات الحياة اليومية، لكن إيمانهم يعينهم على كل المشقات، فَالحلول حاضرة دوماً، وحضورها يأتي من فهم وإدراك سريع للأسباب.
نشاهد ذلك في الشريط، ونتعرف على ديموغرافيا ذاك الشعب، نستكشف جغرافيا وأمكنة وطبيعة مختلفة.
يحقق “قنير” بتلك العملية جذباً سحرياً للمُشاهِد، ويجعلنا نتساءل عن معنى وجودنا ومكاننا في هذا العالم، نراجع عالمنا الخاص الذي نحلم بِهِ بِما يحتويه من ماديات ومشاعر وآمال.. ارتباطه وترتيبه وسط عوالم الآخر، فَهل هو موجود؟

****

حاص بأوكسجين


ناقد سينمائي من سورية.