وقتٌ صالح للاستعمال وآخر للغرق
العدد 300 | 15-9-2025
خالد بن صالح


“وكما خرّبْتَ حياتَكَ هنا

في هذه الزاويةِ من العالم

فهي خرابٌ أنّى ذهبْتَ”.

قسطنطين كافافي – ترجمة: سعدي يوسف*

 

عالقٌ منذ أيام طويلة في قصيدة “المدينة”. أطأ أراضٍ بعيدة وأختبر أمكنةً من مكاني هذا، في هذه الزاوية من العالم. حيث لا حركةَ ولا خطواتٍ لأحثّها مشياً خارج حدودِ تعليمات الطبيب، وحرصِ أهلي كبيرهم وصغيرهم على الالتزام بما يحسّن وضعي الصحّي الذي تأزّم إلى درجةِ اقترابي من ملامسة الأبدية بيدٍ لا ساعة في معصمها. هكذا أمسى كل الوقتِ المتبقي صالحاً للاستعمال، وهديةً غير متوقعة لم أحظَ بها منذ زمن طويل.

يا له من فراغٍ هائل!

يا لها من قطعة موسيقية حزينة، بلا عازفٍ ولا مستمِعين.

 

هذه المرّة، “قلتُ: سأمضي إلى أرضٍ أخرى

سأمضي إلى بحرٍ آخر

لأجد مدينةً أخرى…”

وكما قسطنطين كافافي الذي أحب كتابة اسمه بلا حرف السين الذي عادة ما تنتهي به الأسماء اليونانية، فإنَّ الخواء والانتظار والأفكار السوداوية تتبعُ كلّ قولٍ آخر، كلّ حلمٍ بالوصولِ آيل للزوال كحافلةٍ تنحرف براكِبيها من على الجسرِ باتجاهِ الهاوية. الهاوية التي يغرق فيها الجميعُ عدا صُنَّاعِها، وتتوعّد أيَّ عابر سبيل بالغرق:

“إذْ ليس لكَ من سفينةٍ

ولا مِن طريق”.

 

“إنكَ تعرفُ أغوارَها والشِّعاب”، أنتقلُ إلى سعدي يوسف، كما لو كنتُ أنا الآخر “حفيدَ امرئ القيس”، موغلاً في “ذاكَ الظلام العميم”، أراني أتخبّط دائماً كما لو أني ألفظ أنفاسي وأصرخ بلا صوتٍ في المنام: “أهوَ ذنبك أنكَ يوماً وُلدتَ بتلكَ البلاد؟”. الخطواتُ القليلةُ في مساحةٍ ضيّقة مدعاةٌ لليأس، أعوّضها بقطعِ مسافاتٍ أخرى في القراءة والتأمّل في جسدي الساخر من نفسهِ، وهو يتآكلُ بعيداً عن أي تراجيديا كبرى أو قضية جوهرية أو مسألة وطنية كان يحلم بالتضحية والفناء من أجلها. لعلّها الرغبة في تحويل المعجزات اليومية الصغيرة إلى أثر أدبي خالد. ربّما ما هي إلّا قشّة أخيرة يتركها الغريق وراءه كدليل إدانة لا نجاة. أو لعلّه الأمل الضئيل في الحفاظ على شيء من النقاء الذي بات في خطر.

يا له من اكتشافٍ عظيم!

يا لها من صفحة ممزّقة من كتاب، ومنسية في كتابٍ آخر مجهول.

في لحظاتِ الخراب الأخيرة، لا تحضر حياتُكَ كشريط أخبار بجُمَل طويلة ومملّة تمرُّ كنعوش صامتة على بساط أحمر؛ إنما تبدو أشبه بعناوين كتب قرأتَها كـ رجل بلا صفات، وتلاشت بينها الحدود كـ أشياء تتداعى، بينما رحتَ تسبح في قلب الظلام كـ كائن لا تحتمل خفّته، متناسياً كـ حلزون عنيد مائة عامٍ من العزلة، وما ضاع منك كشاعر في رسالة الغفران واستبدلته بـ أزهار الشرّ في ربيع أسود بعد أن قالت لهم رفيقة دربكَ هامسةً: تزوجتُ شيوعيَّاً، معلنةً عن بداية فصل في الجحيم.

يا له من بوحِ رجل قادم من الظلام!

يا لها من لعبةٍ ساذجة، هذا الموت على حافة الأشياء.

أترك المدينة التي “أضعتُها، وخرَّبتُها تماماً” ورائي، وأعود إلى واقعي الصغير المليء بالمؤجّلات، وبالأفكار التائهة، وبكلّ ما يعيدني إلى “خرائب حياتي السّود”. لكن، “إلامَ أظلُّ في هذه العتمة”؟ أتساءلُ مستنجداً بشاعريَّ: اليوناني ومترجمِه العراقي، مستحضراً قصيدة أخرى، أتركها مغلقة كما نوافذ مبنى قديم، فـ “قد يكون الضوء حزناً آخر” وأنا لم أعد جاهزاً لـ “أيّ فجاءات ستحدث”. ما عاد الغدُ يحملُ شيئاً يمكن توقّعه أسوأ ممّا هو عليه واقع الحال. ولأني سجينُ لحظتي المكانيةِ هذه، لا يمكنني مجاراةُ شاعر لا ينفعلُ مع الحياة ولا يصطدمُ بها، إنما ينأى بنفسهِ عبر صفحاتٍ معتّقة من تاريخ الأساطير الإغريقية والرومانية، إذ تبدو الحروبُ كحكايات ما قبل النوم، وقصصُ الحبِّ مواربةٌ لا تكسِر الضّلع. وعلى هَدْي أن تكون الحياة فصلاً من الجحيم وأن يكون الحبّ كلباً من الجحيم أيضاً؛ فلا راد لي سوى تمزيقِ تلك اللحظة التي تعيدني إلى أوطان مشتعلة حتى في الخرائط، فالجغرافيا تسبق التاريخ، والمشي يسبق التفكير، والشِّعر لا تُعينه على الكتابة إلّا سكين مطبخ كانت في يدِ رفيقتي التي تقطّع البصل منذ الصباح الباكر، بينما كنتُ أتخبّط في فراشي كغريقٍ في ماء نهرٍ عفنٍ وحولي صراخٌ وجثثٌ وسماء سوداء بعيدة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المقاطع بين مزدوجتين حوارية بين النصّ وبين قصيدتَي “المدينة” و”النوافذ” لقسطنطين كفافي وقصيدة “حفيد امرئ القيس” لسعدي يوسف.

*****

خاص بأوكسجين

 

 


شاعر من الجزائر صدر له "سعال ملائكة متعبين" 2010، "مائة وعشرون متراً عن البيت" 2012، و"الرقص بأطراف مستعارة" 2016، و"يوميات رجل إفريقي يرتدي قميصاً مزهراً، ويدخن L&M في زمن الثورة" 2019. و"مرثية الأبطال الخارقين" 2023.