من رواية “لقيط الناصرة”
العدد 305 | 13-2-2026
ميتين أرديتي | ترجمة: المصطفى صبّاني


في ما يلي الفصل الأول من رواية “لقيط الناصرة”  بعنوان ” في سن الخامسة بالناصرة – اللقيط” التي ستصدر قريباً عن “محترف أوكسجين للنشر”:

 

قال الطّفل:

– لنُضِف خطوتين إلى المسافة التي تبعدنا عن الجدار!

لم يكترث صمويل لعدّ صديقه خطوتين إضافيّتين تُطيلان المسافة الفاصلة بين خطّ رمي الحجارة والجدار، لأنّه يعلم سَلَفاً بعجزه عن مجاراة مهارته في التّصويب، فسواء طالت المسافة ثمانية أمتار كما حدَّدها أم قصرت، فلن يستطيع الفوز عليه، علاوة على دهائه بإطلاق العنان لكلماته السّاخرة المسترسلة لتشتيت تركيزه حين يهمّ بالتّسديد.

لكنَّ أكثر ما يؤرِّقه هو منع أطفال الحيّ الآخرين من اللَّعب مع صديقه يسوع، ليظلَّ وحدَهُ مَن عليه أن يلبِّيَ أمر أمّه التي تلحّ عليه دائماً: “علينا ألّا نتركَ هذا الطّفل المسكين وحدَهُ”. هو يعرف سبب نبذهم له، غير أنّه لا يتحمّل سخريتهم حينما يواجهونه: “ألعبتَ مع اللَّقيط وهَزَمَكَ شرَّ هزيمة؟ أمسرورٌ إذاً بما فعلَ بك؟”

تقضي اللُّعبة برمي حجر مسطَّحٍ أملسَ ليصل إلى مقربة من الجدار من غير الاصطدام به، ومن ينجحْ بمحاذاته، يَفُزْ بالنقط، ومن يُصبهُ، يَخسَرِ الجولة.

كان صمويل صديقه المحبوب وشريكه في السرَّاء والضرَّاء، لا يتأخَّر عن تلبية دعوته كلّما طَلَبَ منه مشاركته في اللَّعب، لكنْ لماذا لم يبادر هو الآخر ولو مرّة واحدة إلى دعوته لِلَّعِبِ معه؟ ولماذا لا ينضمّ إليهما أطفال القرية للمنافسة في هذه اللّعبة؟ أطال النّظر إليه قبل أن يقول له:

– هيّا! اقذف!

رمى الحجر بقوّة فارتطم بالجدار، فقال له ثانية:

– خسرتَ الجولة، فُزْتُ عليك بهدف لصفر، فحاوِل مِن جديدٍ رَمْيَهُ بدقّة محسوبة!

وتجنُّباً لتكرار نفس الخطأ، خفّض صمويل من قوّة الرَّمية، فسقط الحجر على بعد ثلاثة أمتار من بلوغه الجدار.

– جاء دوري الآن، قال الطّفل.

رماه بقوّة ليصطدم بالجدار حتّى يفوز صمويل بإحدى الجولات من حين لآخر ويمنحه ذلك الانتصار ليستمرئ صحبته، فكلّ ما يخشاه هو أن يعتزله ويتركه فريسة للوحدة والانزواء.

لم يكفَّ يسوع عن مساءلة أبيه مئات المرّات عن السبب الذي يمنع بقيّة الأطفال من اللَّعِب معه، فما كان على أبيه إلّا أنْ يردّ نفورهم منه إلى انتماء أسرهم إلى أهل العلم المحافظين على أصول الدين ورفضهم معاشرة الأدنى منهم مقاماً وعلماً. لكنّ الطفل لم يكن يرى في آبائهم مَن كان على علم بقراءة التوراة وتفسير شرائع الدين وأحكامه، كما أنّ الناصرة لم يستقرّ بها فقط من كان سليل العرفان وحجّة في الفقه والموعظة، ثمّ لماذا تتجنّب النساء تحيّة أمّه والحديث إليها، بينما يقفنَ للسلام على أمّ صمويل عند الالتقاء بها ويبادلنها الحديث، مع أنّ زوجها جاهل بالنصوص المقدّسة… ورغم أنّ أباه يحاول إقناعه دائماً بالرضا بحياتهم السعيدة بعيداً عن الآخرين وعدم السعي إلى معاشرتهم عنوة، فإنّ الطفل لم يَرَ في تفسيره ما يَشفي غليله، فيواجهه بما نصّت عليه التوراة من وجوب حبّ القريب كما تحبّ نفسك، وتذكيره بما دأب على ترديده دائماً: “كلّ الناس أقرباؤك مهما رمت بهم الأقدار”، لكنّ الأب يتلافى دائماً نظراته الملحّة والمتطلّعة إلى قراءة جواب شافٍ على شفتيه، فيبعد بسرعة عينيه، ناظراً إلى الأعلى كما لو كان يفكّر في أمر آخر يؤرِّقه.

غيرَ أنّ ما يثير الريبة أكثر في أعماق نفسه، هو اختلاف أبويه عن بقيّة الآباء، أبوه شيخ طاعن في السنّ وأمّه في زهرة العمر؛ يختلج قلبها خوفاً عليه إن ابتعد عن البيت مسافة خطوة، فهو قرّة عينيهما ومهجة قلبيهما، لكنّ كلّ هذا الحبّ يكدّره إحساسُه بشيء خفيّ يتكتّمان عليه.

لكنّ ما يهمّه اللحظة هو أن ينهيَ هذه الجولة من اللَّعِب ويجنِّبَ صديقه صمويل الشّعور بالهزيمة والهوان:

– تعادلنا الآن، لنكملْ ونَرَ مَن سينتصر في النهاية، فقد حان دورك لترميَ بالحجر!

ظلّ صمويل متسمِّراً في مكانه، ينظر إليه شَزْراً.

– هيّا اَلْعب! سننتهي حالاً، ألحّ عليه يسوع.

لكنّ صمويل ظلّ ثابتاً، فقد ضاق ذرعاً من إكراهه على اللَّعِب مع طفل منبوذ يعرّضه دوماً لسخرية الآخرين، فلم تعد نفسه تطيق اللّعب حتّى نهاية هذا المساء ولا غداً ولا في أيّ يوم آخَر.

– سأعود إلى البيت.

– لكنْ بعد أن ننهيَ هذه الجولة. أصرّ الطفل.

أدار ظهره قافلاً نحو بيته، فحاول يسوع ثنيه بشدِّهِ مِن ذارعه، لكنّه أبعَدَ يده بعنف ثمّ دفعه بقوّة، تاركاً إيّاه في حالة من الذهول. ولأوّل مرّة شعر صمويل بتفوُّقه على منافسه، فتجرَّأ على البوح بما يكتمه في نفسه:

– أتعرف لماذا يرفض الآخرون اللَّعب معك؟ هذا لأنّكَ لقيط!

وأخذ يصيح:

– لقيط! لقيط! لقيط!

لكنّه سرعان ما تنبّه لزلّة لسانه الوقحة، فارتعدت فرائصه خوفاً من نكثه للعهد الذي قطعه    لأمّه بعدم التلفُّظ بهذا الكلام الجارح أمام صديقه، فقفز مسرعاً نحو البيت.

تساءل يسوع مع نفسه عما تعنيه كلمة “لقيط”. طبعاً هي كلمة نابية، أراد صمويل إهانته بلفظها على ذلك النحو. وإنْ لم يكن الأمر كذلك لما صاح غاضباً وفرّ هارباً… فهل لكونه لقيطاً تتبرّم نساء القرية بأمّه ويتجاهلْنَها حين يلتقين بها في الطريق؟ وحدَها أمّ صمويل من بين كلّ نساء القرية التي تأتي لزيارتهم أحياناً، لكنّ تصرفها الغريب يثير الريبة! فحين تدخل بيتهم تسرع بالمغادرة دائماً، ولا تتحدّث إلّا بصوت منخفض كما لو كانت تأتيهم متسلّلة حتّى لا يراها الناس.

قبل أن يدخل البيت، يعرّج الطفل نحو الإسطبل ليقبّل الحمار أبراهام الذي يحمل أبوه مُؤَنَهُ على ظهره. ودائماً ما يجده خلف ورشة النّجارة بعيداً عن معلفه يجرّ حبله الطويل. كانت له مراسيم خاصّة للتعامل معه، يزوره ثلاث أو أربع مرّات في اليوم ليربّتَ على رقبته ويمسح على ظهره حالما يلقاه خلف الورشة متحرّراً من أثقال أبيه، يتناول الحشائش التي قدَّمَتْها له أمُّه.

عندما رآه قادماً نحوه، اقترب منه ووضع خطمه على كتفه، فأحاط الطفل ذراعيه برقبته وقَبَّلَه العديدَ من المرّات قبل أن يتراجع خطوة إلى الخلف:

– أتعرف ما تعنيه كلمة لقيط؟

نظر إلى عينيه منتظراً منه جواباً:

– أترى أنّي لقيط؟

أخذ أبراهام ينظر إليه برقّة الكائن الصبور، فقال الطفل مع نفسه: إنّ الحمار يفهم ما يحدّثه به ومتيّقن من استيعابه لفحوى كلامه، وفي جعبته الجواب الحقيقيّ عن استفساره، لكنْ للأسف، لا يستطيع التكلّم ولا الإفصاح عمّا يريد قوله.

ظلّ الطفل ينظر بإمعان إلى عينَي الحمار لمدّة طويلة قبل أن يقترب منه هذا الأخير ويضع خطمه ثانية على كتفه، فهمس الطفل في أذنه قائلاً:

– عليّ أن أعرف، أفهمتَ؟ حتماً عليّ أن أعرف ما تعنيه كلمة “لقيط”؟

*****

خاص بأوكسجين


كاتب سويسري فرنكفوني من أصل تركي مواليد 1945. ألف العديد من الأعمال الروائية نال عنها جوائز مهمة، منها: "توركيتو"» (2011) جائزة جون جيونو و"الطفل الذي يقيس العالم" (2016)- جائزة البحر الأبيض المتوسط. و "راسم الأرواح" (2021) - جائزة الجامعة الكاثوليكية للغرب. و"ستصبح أبي" (2022) - جائزة ميكافيلي. و"جزيرة السائحة الفرنسية" (2024)، وأخيراً ثلاثية القسطنطينية التي صدر منها: "الراقص الشرقي" (2025) و"جاسوس أتاتورك" (2025).