بانكسي: لن يكون بمقدورنا القيام بشيء ما لم تنهر الرأسمالية
العدد 149 | 07 نيسان 2014
زياد عبدالله


سيتطلب الوصول إلى الفيلم المتواجد في زاوية “فيديو” في هذا العدد من أوكسجين الحديث عن فنون أخرى غير السينما، ولعل التعريف بداية بأن حديثنا هنا سيكون عن فيلم للرسام الانجليزي بانكسي عنوانه Exit Through The Gift Shop “الخروج من متجر الهدايا” سيوضح لمَ علينا بداية المضي خلف بانكسي بوصفه رساماً وما يمثله من تيار سائد في أرجاء كثيرة من العالم بما في ذلك عالمنا العربي لا بل إن هذا الحديث سيمضي بنا إلى عوالم أخرى تتدافع وفق إملاءات تسليط الضوء على أدوات التمرد الراهنة بالاعتماد على رسوم بانكسي.

جدران المدن الكبرى في العالم تعيش منذ زمن طويل صراعاً مع فن “الغرافيتي” أو “الستنسل”، الذي يعتمد تفريغ الأشكال ورشها بالألوان، ومع هذه الرسوم التي تعتبر محظورة وتسيء إلى جمال المدن ورونقها، ظهر فن كامل يتخذ من هذا الفعل الموصوف رسمياً وحكومياً بالتشويه، باعتباره فعلاً جمالياً خالصاً، لا بل إن رسامي هذا النمط يعيشون ملاحقين من قبل الشرطة، ولهم أسماء حركية بمعنى أنهم يوقعون أعمالهم دائماً بأسماء مستعارة مثل «ماسح الدماغ»، «الفضائيون» و«أعلى»، وغيرها من ألقاب كثيرة بما فيها بانكسي نفسه الذي لا يعرف أحد من يكون.

يتخذ هذا الفن من عراء الشارع معرضاً دائماً يمكن لأي أحد أن يراه، خارج صالات العرض وضدها، وفي مسعى لمواكبة الحياة اليومية ورصدها والتندر عليها، أو كما يقول بانكسي على الرغم مما يقولون فإن “الغرافيتي” ليس بأحط أشكال الفنون، ومع أن عليك أن تتسلل ليلاً وتكذب على أمك فهو حقيقة من أشرف أنماط الفن الموجودة، ما من نخبوية أو ادعاء، فهو يُعرض على أفضل الجدران التي تقدمها المدينة ولا أحد ينفر من أسعار رسوم الدخول، الناس الذين يديرون مدننا لا يفهمون “الغرافيتي” لأنهم يؤمنون بأن لا شيء يمتلك حق الوجود ما لم يحقق ربحاً، ما يجعل رأيهم عديم القيمة، طبعاً هذا تسرب إلى المدن العربية، وظهر جلياً مع ما عُرف بـ “الربيع العربي”، وقد لعب دوراً سياسياً كبيراً في هذا السياق، الأمر الذي يلتقي تماماً مع فن بانكسي المحمل دائماً برسائل سياسية واجتماعية واقتصادية، مستخدماً آليات الإعلان في مناهضة للإعلان نفسه، ورصد روح العصر الاستهلاكية، والمفاصل السياسية التي لا تعترف بالحدود ، الأمر الذي سيقود بانكسي إلى الخروج من لندن التي صارت رسومه فيها معلماً من معالمها، والرسم على سبيل المثال على جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، مثل لوحته الشهيرة لفتاة يطير بالونها بما يتخطى الجدار، أو رسمه منظر شاطئ بحر، كما لو أن الجدار يطل عليه بينما طفلان يلعبان في الرمل، وغيرها من رسوم أنجزها في فلسطين يهيمن عليها خرق هذا الجدار بمشاهد حياتية تهزأ به وتصور مناهضته للحياة في آن، ففي كتابه الذي ضم أعماله يقول: “بدأت اسرائيل عام 2002 في إقامة جدار عازل بينها وبين الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو في أغلبه غير قانوني وفقاً للقانون الدولي، إنه مراقب بعدد من نقاط التفتيش وأبراج المراقبة، وبارتفاع يفوق ارتفاع جدار برلين بثلاثة أضعاف، ويمتد لأكثر من 700 كيلومتر، المسافة التي تفصل لندن عن زيورخ، فلسطين الآن أكبر سجن في الهواء الطلق في العالم ووجهة فناني “الغرافيتي” لتمضية عطلة مملوءة بالأعمال”.

بانكسي رجل غاضب كما يقول عنه رسام “الغرافيتي” الفرنسي بلاك لو رات، الذي يعتبره بانكسي ملهمه، ولعله في فنه، أي بانكسي، يمثل حالة شبيهة بالمنشور السياسي الذي كان يمارس في الخفاء في مناهضة السلطات وأرباب العمل وغيرهم من رموز السلطة، فهو يصنع لوحاته ليلاً وفي سرية تامة لتستيقظ المدينة على لوحة تصور التلاميذ يؤدون تحية العلم، لكن لعلم سوبر ماركت، أو عبارة كتبت تحت كاميرا مراقبة تقول “أمة واحدة تحت كاميرا المراقبة”، أو قد يتسلل إلى “ديزني لاند”، ليضع مجسماً بالقرب من قطار الألعاب يمثل معتقلي “غوانتانامو”، وصولاً إلى عمله “التنصيبي” المتمثل في وضعه بأحد شوارع لندن حجرة هاتف حمراء مرمية على الأرض وقد زرع فيها فأساً وقد سال منها اللون الأحمر، لا بل إن بانكسي يؤمن بأنه «”ما من مقدورنا القيام بشيء ما لم تنهر الرأسمالية، وفي الوقت نفسه، فإن علينا جميعا القيام بالتسوق لتعزية أنفسنا”.

هذه أمثلة سريعة من آلاف الأعمال التي نفذها بانكسي، وبمسعى منا للوصول للفيلم الذي يحمله هذا العدد من أوكسجين، وقد تشكلت لدى القارئ فكرة موجزة عن هذا الفنان الذي أجرى لقاء واحداً في حياته نشر في “الغارديان” دون أن يكون من أجرى اللقاء معه متأكداً تماما من أنه هو، مع أنه كذلك حقاً، كون «الغارديان» نفسها كانت تنشر لقاءات أو أخباراً خاصة ببانكسي من قبل منتحلين لشخصيته سرعان ما يتم تكذيبها في اليوم التالي.

لن تكسر قاعدة التخفي في فيلمه “الخروج من متجر الهدايا”، فهو سيظهر مقنعاً مع بداية الفيلم، ولكم أن تستعدوا لأنكم ستكونون أمام وثيقة مهمة عن فن “الغرافيتي”، لكن حسب ما يورد بانكسي في البداية “الفيلم جيد إن كانت توقعاتكم ليست بالكبيرة”، ودون أن يغيب عن الفيلم اللعب، بمعنى أنه لعبة تشبه إلى حد بعيد رسوم “الغرافيتي”، ستتحكم في بنية الفيلم الذي جاء وثائقياً لكن بمرح كبير، ونبش كبير لعوالم من يقومون بالرسم على الجدران وفي أنحاء كثيرة من العالم.

فالفيلم سرعان ما يكون قصة الفيلم نفسه وهو يعرفنا بشخصية تتحلى بكل الغرابة ومتطلبات الهوس الذي يستدعيه أي فن، اسم هذه الشخصية تيري غواتيه، وسنقع عليه في متجر الهدايا الذي يملكه في أميركا، وهو مهووس بتصوير كل شيء، حاملاً الكاميرا أينما ذهب، ومصوراً لكل ما يقع عليه أثناء يقظته، وإن كان من طريقة من أن يقوم بالتصوير وهو نائم لما تردد.

تيري سيقع في غرام رسامي “الغرافيتي”، سيلاحقهم واحداً واحد وهو يصورهم ويمضي معهم في أسفارهم، وصولاً إلى قراره في البحث عن بانكسي بغية القيام بالشيء نفسه معه، الأمر الذي يبدو في البداية على قدر كبير من الصعوبة، لكن وقبل أن يتعرف إلى بانكسي يكون قد قدم من خلال ما تقدم رصدا استثنائيا لعوالم رسامي “الغرافيتي”، الأمر الذي يمتد إلى بانكسي نفسه الذي يطارده أو للدقة يطارد تيري أعماله، ومن ثم يقبل بانكسي أن يقوم تيري بتصوير فيلم عنه، لكن وكما يبدو تيري في الفيلم فإن الأخير لا يعرف إلا أن يصور ويصور بلا نهاية، ولتكون النتيجة فيلماً رديئاً يؤدي إلى تحول تيري إلى رسام “غرافيتي”، بينما يقوم بانكسي نفسه بتصوير فيلم عنه بحيث نرى النجاح الهائل الذي يحققه تيري من خلال المعرض الذي يقيمه وبانكسي يقول بتندر إنه تعلم ضرورة ألا يشجع أحداً على الرسم.

بنية الفيلم، كما استعرضناها، ستكون الحامل الأنسب الذي وجده بانكسي لتقديم فنه ورفاقه عبر السينما، وذلك بالاتكاء على نسج قصة لطيفة مملوءة بالتندر، وبما يتيح تقديم عوالمه وعوالم هؤلاء الرسامين في إيقاع عال على الدوام، وإيجاد معادل سينمائي لها يتيح له ومن معه تقديم رسومهم بالاعتماد على الصوت والصورة، في استثمار سينمائي له أن يتناغم مع اعتماد رسامي “الغرافيتي” على الانترنت في ذلك.

اسم الكتاب

اسم الكاتب


كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحترف أوكسجين للنشر. صدرت له العديد من الروايات: "سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" – (2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (2017)، و"ديناميت" (ط1: 2012. ط2: 2018)، و" برّ دبي" (ط1: 2008. ط2: 2018). وله في القصة القصيرة: "سورية يا حبيبتي" (2021)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (2016). كما صدر له شعراً: "ملائكة الطرقات السريعة" (2005)، و"قبل الحبر بقليل" (2000). من ترجماته: "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب-مختارات من قصائد تشارلز بوكوفسكي" (2016)، و"طرق الرؤية" لجون برجر (2018)، و"اليانصيب وقصص أخرى" لشيرلي جاكسون (2022). وله أيضاً كتاب مختارات من التراث العربي بعنوان "الإسلام والضحك- نواضر الخاطر في كل مستطرف باهر" (2018)،  و"لا تقرأ هذا الكتاب إن لم ترَ من السماء إلَّا زرقتها" (2023) الصادر عن محترف أوكسجين للنشر.