لكنني ضائع في المفاهيم
العدد 214 | 13 حزيران 2017
سامي سعد


فكرت فيما يتعلق بالشخوص، هل من الجائز أن تكون من ضمن الأشياء؟ تذكرت آية من آيات القرآن: هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا؟ يرتاح ضميري إلى أنه شيء، وأقل من شيء، فكرت أن هذا الشيء وإن بالغ في الإدعاء فإنما هو رهين الوقت/ تابع/ قرين، وأنه في غالب الوقت لا يتعلم، ليس ذكيا بما فيه الكفاية، لعوب/ شكّاء/ قليل العمق، هذا التركيب وحده هو سبب كل المتاعب التي يتعرض لها الكائن التعس، ذلك الكائن الذي فشل دائما أن يرتقي ليكون أهلا للألوهة (الحلم/ المثال) كما فشل (من دون أن يعترف) في أن يحافظ على براءته الأولى، فضاع في المنتصف، وجاء هذا المسخ.

يمكنني القول من دون عبث: إن كل شيء ضروري، وأن كل شيء تافه و بلا معنى.

أفكر: هل فكر الطائر في كيفية وآلية حركة الطيران؟ إن أعظم كوارث الإنسان قد بدأت حين اخترع الحساب، الذي قام على المعطيات، والتي استندت إلى الأدلة، والتي قادت إلى البراهين والنتائج. هكذا ينتهي الوقت، تنتهي المغامرة، ينتهي الفتح والكشف، ويظل القطيع قابعا في الغابة ينتظر حزمة برسيم جافة، علاجا سريعا للجرب، يتعلم الجميع سفالة الوقت، يتحولون إلى ترس في دائرته، ينبت الخوف في الأقدام، يصعد للقلب، يتمكن من الروح، ينام المرء على وسائد العادة حتى يأتيه القطار، فيحمله إلى قاع النسيان. أف.. ليس المصير هو الكريه وحسب، إنما من يغمض العين، من يقبل كل هذا العبث.

وليكن معلوما أنني لم أحب شيئا من تلك العلوم الحديثة لكنني حافظت على إحترامي لعلم الكيمياء، ذلك العلم الذي لا أعرف عنه أو منه شيئا ولو بالقدر اليسير، وإن كل ما يربطني بذلك المجهول هو إعتقادي الغامض بأن هذا العلم خاص بالتحول، تحويل الأشياء/ تغييرها/ توليدها/ تجاوز الأصول، اعتماده في الأساس على التجريب، أحب ذلك ولا أعرف ماذا يدور؟ أفعل ذلك في معامل الحياة والناس، وألاحظ عدم عنايتي بالنتائج، ففي الأصل أنا لست معنيا بالعلم أو العلوم، لست مكروبا على ضرورة التوصل لنتائج تخفف عن الإنسان، أنا كيميائي آخر، مفتون بالتحويل واللعب، أعشق التراكيب والغرابة، زمني ليس الزمن المعتاد على عقارب الناس، فرحي مختلس ونادر، وحزني دفين وغائر، وما أنا بنبي أو قديس، وما أنا بزعيم أو حتى قائد، أنا الذي تحدثت صبيحة ذلك النهار عن البراق والأعاجيب.

ما أقوله الآن، ما سوف أسطره في الحال، ليس من صلب الحكاية، إنما هو رجاء شخصي، إعتراف كامل الأمانة، قبل أن تطير عنقي أو يخمد قلبي، قبل أن يتلاحق الرواة الكاذبون في تفسير ما  يطرأ لي على بال، أسجل ولا أعرف لماذا، إنني مكتظ بالخجل، وما كل الفظاظة التي أتمترس خلف جدرانها سوى حيلة غر، في غابة لا ترحم. أفكر مترددا: هل أناديك بإسمك الصغير، اسمك الذي أخترعناه في لحظة قمنا فيها بنسف العالم من جذوره؟ ووهبنا أنفسنا أسماءً من خالص ضمائرنا، أسماءً تليق بذواتنا، ذواتنا التي صنعناها قسرا بعيدا عن مصانع القوم، حين نأينا قليلا ثم عدنا بمعجزات ألجمت الجميع، ونحن زيادة في اللهو ألتزمنا الصمت كمن تلقى إشارة من الرب.

قطع: ما علاقة الصمت بالمعجزات، وما علاقة اللغة بالجحود؟

كان قد بلغ به الضجر شوطا عظيما، وحتى دون أن يقرأ ذلك في كتاب أو يسمعه من فم، كان السؤال الأبدي القديم يفرض وجوه ككتلة راسخة: ثم ماذا بعد؟

من العبث الإجابة على الذات التي تعرف أن لا شيء بعد، الأمس هو اليوم، هو الغد.

الآلة تدور بإنتظام محكم، ودون ذلك الدوران ما جئت أنت لاحقا بمن سبقوك، لترتدي زي الحائر وتسأل بسخافة من سبقوك أيضا، ذات السؤال الذي سألوه من قبل، وسيسأله أخرون حمقى سيأتون من بعدك: ثم ماذا بعد؟

 

 

فليكن، صباح مريب يشبه الوعي فجأة بأنك في مكان لم تكن فيه من قبل، صباح مشتبك الأطراف، تتداخل الرؤى كأنما تتلمس خطوك في ضباب كثيف، فيما الشمس على أبواب الظهيرة تواصل صفع الجلد بموجات من شعاع ساخن وغير نقي.

صباح كسارة البن، هل تعرفها؟ أنت الآن خارج من بين أنيابها الحادة، ولا توجد حبة بن واحدة في جسدك المفتت لا تئن، وأيضا، فليكن.

صباح الفجاءة التي تركن إليها كما تركن إلى حضن صديق، وإلا فمن أين يأتي صوت ماجدة الرومي يكرر لك ما تعرفه: كل شي عم يخلص، فكأنك تعرفها لأول مرة.

صباح الحلم القديم، بذات التفاصيل، ذات الرغبات، فكأن روحك ما عادت تعرف غير ذلك النبع، وأن النبع ما عادت فيه غير ذلك الماء، أين أنت وبحر الشمال؟ ماذا لك في محطات المترو أسفل الأرض قريبا من ميدان بوشكين بموسكو؟ إنه الخرف الجميل، صباح ممتلىء باللاشيء، فلا أنت بحاجة إلى القيام، أو إلى الجلوس، لقد ماتت كل الحاجات، ذاكرتك تدور حولك، أفكارك تجلس أمامك، وأحلامك أسفل قدميك، فيما تواصل فقرات الظهر العزف على أوتار وجع صديق، فليكن.

صباح اليقين الهادىء المستقر الرائق الواثق الكامل العمى برضا وقناعة شيوخ بومباي الزاهدين، صباح الوقت العجوز في باكورة الميلاد:

يا طول ما تنعقي، يا طول ما تلالي، يا طول ما ترقعي، في توبك البالي.

لا أرتب لشيئ فتهاجمني الأشياء، أريد أن أتحدث في طب العظام، أريد أن أخوض في مجال الطاقة، أريد تفسير المقدس وحالات نادرة من الكشف النوراني، أريد أن أعتصر الذاكرة قبل التيبس التام للحصول على كافة أسماء العاهرات، اللحظات، الأفلام، الدموع، الضحكات. يقولون لي إن ذلك يحدث مجتمعا في لحظة أخيرة، حين ترى كل دقائق حياتك مصورة قبل أن تغمض عينيك للأبد، ولا يعود في إمكانك الحديث أو الكتابة، لذلك أكتب الآن متعجلا.

واحد من تلك الصباحات، الصباحات الخرساء، الذباب يبتدىء النهار، سيأكلنا الذباب، ستأكلنا الوحدة، سيأكلنا الألم، سيأكلنا الصمت، ستأكلنا اللغة، الأحداث، التفاصيل، الماضي سيأكلنا، والمستقبل. الأحلام تجرنا للأمام، والذكريات تسحبنا للخلف، العربة والحصان والطريق سيأكلوننا، جرعة الشذى الزائدة أو وجبة ملوثة، في كل الأحوال_ الأوقات نحن نُطوى في فم هائل، بشع، غير رحيم، وضروري.

أه يا مسكين، يا حالم، يا عديم القدرة على تغيير شيء، يا كاذب، يا صغير، يا من لا تستطيع أن تصفع الأرض أو تعاتب السماء، وإذن؟

واصل مرة أخرى، واحد من تلك الصباحات، وقدر ما تستطيع أغمض كل نوافذك، ودع الصباح والأشياء تمضغك، كعادة كل صباح، وإذا كان لا بد لك من أن تمضغ شيئا، فامضغ زادك الأبدي الخالد، العجز، وهذا الضجر الفادح.

أنا مستاء من كل التفاصيل، وعليّ أن أسجل إعجابي بعنوان الرواية: الحياة.

إذن لن يكون هناك جواب! والصمت التام معناه أنك لا تنادي أحياء رغم أنك تراهم يتحركون، يصرخون، يربحون، يقاتلون.. الخ. تلك الأجساد خاوية، لا روح فيها، تعطلت أجهزة التواصل فيها، وصار كل فرد حجرا له اسم وتاريخ ميلاد ووظيفة، ربما أنت مثلهم، وهم يقينا ينظرون إليك كما تنظر إليهم، أنت تظن، وهم يظنون، و.. أم الحقيقة.

يتمنون لك المغادرة بأي وسيلة، كما تتمنى أنت لهم الزوال على أي شكل. ما هي الحياة التي تمضي على أساس كهذا؟ ضرطة كبرى، طيز.

الحل:

أن تطفىء نار أحقادك في العمل ( أكل، شرب، نكاح ) تلك الساقية التي لا تكف عن الدوران.
الإنتحار بألف طريقة، أيسرها أن تعبر عن ذاتك بصدق، وأن تكون حرا، أمينا: طز.
أن لا تفيق من سكرتك: خمر، حشيش، ألم.
أن تتعرض لأيام الله ونفحاته على الطرق السريعة، العمارات الشاهقة، البحر الواسع، اختفاء غامض.
أن يرحمك الموت أو الجنون.

 

 

كان يحلم يا جندل، حلما من الصنف الممتاز، غرفة في فندق سابينا، ونافذة على محيط بلون العقيق، الغابة ترسل عطورا كل مساء، وسبع طيور للمؤانسة، فيما شراشف المهد من قطيفة زرقاء.

كان يعرف يا آدم أن حلما من هذا النوع سيكلف رأسه خمس شرائط للصداع، وامرأة من أبنوس وقهوة تتراوح بين الكتف والصدر.

إن كل شيء ميسور، الخناجر على الرف، والأسماك في السماء، والموتى حين يحلمون بصباح لا يشبه أي من الصباحات.

هذه الطرق، البيوت، الوجوه، الكتب، الأسماء، الأعمال، خطوط الهاتف، الأزياء، الشكل، الشجر القديم، الفلسفات، الحكمة، ميراثي الشامل من كل هذا الهراء، جلدي المفرط في اللغو، عيوني المقلوبة، الذاكرة العفنة والذكريات، البلاد، الأحلام، قوانين الجنس، كل الأدوات، الملاعق، حشو الفم، القداسات، الأيام/ الأيام، كل ما وجدته مصفوفا كالسم على مائدة العشاء، حين صرخت أمي كعادة النساء حين يفتحن أقدامهن للولادة أو الموت، وقذفت بي للحفل الملعون، كل ما كان جاهزا أمامي: ينبغي أن يتحطم.

إن كل ما أقوم به ” ليس من شأني ” لكنني ضائع في المفاهيم.

عليّ أن أتحرك حتى لا أصاب بالعفن، لكن كيف؟ في الحقيقة يجب أن لا أكون هنا، لكنني مترسخ في غير تربتي، غاضب بلا أمل، لا أمل على وجه الأرض، وهذا ليس مؤلما كما يتصور الضعفاء، المؤلم هو حربك ضد كون لا يريدك أن تكون كما تحب أن تكون، لي رغبة في محو العالم، منذ بدء الخليقة وأحلامي متعذرة على التحقق، العنف والسباب ضروريان، كل راحتي يلهو بها المحترمون، عورة هذا الوجود: الغباء، ودمامته: العمى.

أخطاء كونية، آلهة تتردد كثيرا، المجرم مستغرق في العمل، والحفل كان واسعا، التصفيق يسعد الهواه كما المديح يفعل بالنساء، دائما وفي كل وقت كان يركض في الليل، يحتسي هواءا سريا، ويضاجع العناكب، جرائم بلذة المورفين، لذائذ تجرح الروح اليابسة، دائما وفي كل وقت يعتلي البرج ويتذكر “أبو حيان” .. تلك المدائن أرحم باللصوص، وحين يبدأ السباق، يتوقف، يضحك، يزمجر، الربح والخسارة والألقاب والمكانة: القمامة تتوالد، تواصل الكلاب النبش.

وأنا لن أرد تحية السلاحف، لن أنتظر.

وحيدا كباقي الأيام، ليس عندي ما أقول، فكل شيء قد قيل آلاف، ملايين المرات، العالم فارغ تماما إلا من هذا الضجيج العارم (الحياة).

أتوغل في ما لا أعرف له اسما هذا الصباح، جان دمو ومخطوطته الوحيدة ( أسمال ) وهادي الحسيني في العام 97 يحاوره وهو في حالة سكر عميق في إحدى حانات عمان، ويقول دمو: الشاعر دائما في المكان والزمان الخطأ… طيب.

يتحدث عن الشعر والشعراء وهو نادرا ما يفعل، يلاحظ غربة الاثنين في هذا الوجود إلا من يتقن حرفة الغناء والرقص والبكاء على أبواب المانحين أو تملق الأفخاذ للصعود إلى سدنة الرضا..أف ” ضلك دق ” ……يا لحظ المغني.

اللجوء للخيال أحيانا ضرورة حياة ، إضافة إلى أن هناك فقط يمكن رؤية جسد الحرية عاريا، ويمكن أيضا تبرير كل الخروجات وفهم معنى الهذيان. نحن مرضى بشكل دائم على شاشة العقلاء في الأرض، ووسيلة التي قتلت الشاويش بمعاونة ابنتها، قالت عند سماع الحكم باعدامها: ليس مهما، سنخرج أيضا.

علبة ثقاب أيامي سقطت في بحر الحظ، ومن لحظتها وأنا أتخبط في عماي سعيدا.

ريف: سأضيف للجنون حاشية، ماجدة الرومي تعتزل الغرام، وأنا أرعى حظيرة الدجاج، أطعم الماعز، أهرس الذرة للبط، أصنع شايا بالمريمية وأتناول قرصين لا أعرف فائدتهما، أصلي طلبا للفتح والكاشفة، لا لدخول الفردوس، أجيب على الهاتف بلا حماس، أستمع للراديو، أحدق في جبانة الحياة بسأم، والست تقول ” أنا غيرني عذابي في حبك ”  والحياة التي كنت أظن دائما على يقين مجهول بأنها هناك، استقر ايماني اليوم بأنها ليست في أي مكان، الحياة هي الطقس، المزاج، الزئبق، هي في نهاية كل الكلمات: كلمة.

أمارس حبا من الذاكرة، أجتر الوقت، الحيز الرحيم الذي تبقى هو في رهافة القصيدة، من أوصى باشعال شمعة بدلا من لعن الظلام؟ ألا لعنة الله عليه، فما في الظلام غير مجهول، رحيم، عدمي، وما في النور غير اللسع، الاحراق، النفي، فيا ليت أني بقيت ظلاما قبل أن ينفخ في طيني، ويا ليت أني خيرت لأختار، ولو حدث لأخترت ألا أكون شيئا.

” وأنا اللي عليك مشتاق ” …..

أحب المهرج، أحب غباء الكلاب في إخلاصها، أحب اللصوص المدركين عدالة جرائمهم، أحب الجريمة العميقة، كنت أحب البحر، حتى أكتشفت أنه كالعاهرة لا يرفض من يعانقه، وكنت أحب نفسي، قبل أن أكتشف أنها كباقي النفوس.

ريف: سأستأجر سيارة بيك أب، وأقودها بتبرم وعبوس، سأنسى الوقت المشئوم، وأذهب مباشرة إلى جسر الوادي، سأقف على مدخل مدرسة سينا سكول، وانتظر الأولاد حتى يخرجون إليّ، أعرف أنك في الطريق إليهم، أجهز كلماتي ووجهي لإستقبالك بطرافة تليق بعاشق صعلوك، أبدأ الأن في التدخين، وإستلاب إبتسامات من عهد الصبا والغرام الأشعث.. ايه كم تكرهين الكلمات الكبيرة، وأعرف أنك ستهمسين في أذني: لولا الشارع الذي يغص بالناس لأطبقت على فمك بشفتاي حتى تصمت عن هذا العبث..

سأجرب الغضب من أجلك على شيء لا يستحق، إذ ما معنى أن يحصل الولد على درجة أقل في التاريخ؟ ستصرخين في وجهي: اسكت، اسكت، أنت تفسد حياتنا بأفكارك، التاريخ يا سيدي مادة عليها خمسون درجة، فهمت؟ وأنا سأضحك بدلا من القول في سري: كل التاريخ في طيز عير. لن أفتح فمي وأقول أن التاريخ كذاب، يكذب، كذوب، خاصة هذا التاريخ العربي، المسكون بالأساطير، المبالغات، الخلط بين الواقع والخيال، وطارق بن زياد، والبحر من وراءكم، إذ لو كان هذا التاريخ صحيحا، فأين الوقائع على الأرض؟ ولماذا أندثر كالفقاعات إن لم يكن أكذوبة.

ماذا سنأكل اليوم؟ قبلات، قبلات، وحيث أن ذلك لم يحدث بالشكل الكافي، فسأظل إلى أبد الأبدين جائعا، جائعا، وليرحم الله أبي: كل مطرود ملحوق. إلا أنت يا ريف، فاللحاق بك هو القيامة.. وجدت علبتي زبادي في الثلاجة، ذهبت بهما للجراء المولودين حديثا، لست وحدي يا ريف، هذه التداعيات كائنات تتنفس، ألتف على الجهات كجبل بأربعة وجوه، أحن إلى موسيقى مجنونة، أشتاق إلى صدر بض، وعطر خفيف، أرجو إبحارا إلى هاواي وزيارة تاج محل، ومضاجعة أرملة راجيف غاندي، أحلم بان أضحك حتى ترتج أضلاع الخلاء.

*****

خاص بأوكسجين


روائي وشاعر من مصر. من اصداراته الروائية: "تلة الذئب"" 2008، و""السراديب"" 2015."