327 مقامة
العدد 285 | 1-4-2024
أمين صباح كُبّة


1

حلحلتني شهادة الأكوان، بزخرفة أخبار العيان، فزعزعني الله بها تشويقًا، ثم ميّزني بها توفيقًا، ثم لم ألبث إلّا هُنيّةَ حتى أدمجني فيها، وأدرجني معها. فلمّا تشبّثتُ، رأيتُ خلقًا يعشقُ خلقًا، وخلقًا يقتضي خلقًا. ورأيت أنواره عليهم ساطعة، وأخبار الناس عن ذِكرهم قاطعة. وأخبارهم يا قارئي مبهمةٌ مهما جاهدتُ في إيضاحها، ذلك أنّها تُضحي مصدوقةً بلسان التزويق، وتمسي مكذوبةً بلغات التحقيق. تمرّ في التهم كالرّيح، وتقف حرونًا في مساكن التطويح، متوقّعة لعلامات التصريح أو أمارات التلويح. وما زلت رغم بصيرتي ألاحق الظلال، وأشعل نارًا في قلبي، وأخلق طوائفًا ترقص حولها. فما زال أمين يخرج مختلسًا وحافيًا وما من وجهة يمشي إليها. سيعود متعبًا وقد مشى طويلًا ملاحقًا شمسًا تغيب كلّما وصل إليها. قال من يعرفه أنّ الحياة ابتلعته. بحثوا عنه بين طيّات الكتب، وعلى مواقع التواصل وفي المستشفيات، وبحثوا عنه في شباك الماء وفي القوارب التي تتأرجح على الزرقة وحين خضّبوا دموعهم بالدم، وحدّقوا ببعضهم طويلًا، قالوا: لربّما ندم وعاد. وربما فرّ كعادته خجلًا. ربّما أحسّ أنّ العالم لم يعد له. وربّما خاف كعادته من الضياع. وتأمّلوا في ما حدث وقالوا إنّه كعادته يحب الفرار بعيدًا عن المنازل المتصدّعة، والعاشقات المتردّدات، والأصدقاء المتشاغلين، والأمّهات الحزينات اللواتي لا يؤوين أحدًا. والخوف الذي يكرمش الأيّام ويحطب جذع الطمأنينة في القلوب. فرّ أمين بعيدًا عنه وقالوا، لن يصل.

شعّ وجهه في الظلام. أي والله شعّ في الظلام بعد أن كان جزءًا منه وطرحته أطيافه. أراه هنا أو هناك. عينه الزائغة، وجهه الذابل الذي تغطّيه ابتسامته الزائفة، أرى صورته التي فقدت إطارها في انفجارات بغداد الكثيرة. صورته التي تستعيد ملامحها مرآةً تدهشنا كلّ مرّة بقدرتها على إظهاره بشكل مختلف. سمعته يتألّم. أو هكذا تخيّلت. كانت بغداد نائمة وغارقة بنفاياتها، مهدّمة وموشّحةً بأدخنة الحروب والقنابل الدخانية. رأيته يمشي وليس في الشارع إلّا خطاه. تابعته وهو يتمايل بساقين مشدودتين باتجاهي، ينتزع قدميه من الأشلاء والجثث، ويعيد غرسهما فيها، تلتمع قطرات العرق على وجهه وتتساقط على الاسفلت. كنت أقف أمامه في الشارع، لكنّني حين أستعيد المشهد أرى نفسي أتلصّص عليه من بعيد وهو غافل عنّي. عندما اقتربت منه لأعرف ما جرى له، صاح هاتفٌ وقال لي: كن مطمئنًا.

أمين الذي وضع قلبه في إغدارسيل[1]وظهر إلى العالم بآخر متحجّر، كان يعبر بحرًا ويعد أيّامه ويدعو الله أن يباركها. ينظر إلى البعيد فيرى حياةً شاسعة وقلبه المغروس في شجرة العالم تعشعش فيه الطيور يقول له ترنّم.. ونَم.

كن مطمئنًا أيها القارئ فالطفل الذي ضاع في الزحام وقلت أنّ زمنًا طويلًا مرّ على غيابه قد كبر كثيرًا واهترأت أقدامه، حكى عن ليل يبحث عنه، يكون أقلّ حدّة على همومه وأكثر رأفة على قلبه وأشار إلى الشجر وعرفنا مع هذا بأنّه لن يصل.

وتبعته في كبره، وعرفت أنّه عبر بحارًا كثيرة، وتبدّلت أسماؤه وألقابه وتكاثرت حرفه، تعلّم لغات الشوارع والسلالم الموسيقية وتخطيطات[2]EEG وصفحات الكتب القديمة واحتضن برودتها، وظل برغم مضي العمر يفر كلّما وجد بيتًا، وكان من الممكن اعتباره ناجيًا لولا أنّ الطيور ما زالت تنقر قلبه، ذلك المحفور في إغدراسيل.

ووجدتني أصور ما يختلجني حرفًا بحرف. وأراه بعين ترود للقلب، وقلب يتقوّى بأحكام الكرب، وشوق يوهن أركان الجسد، وتيه يهيج الحاسد عن الحسد، وينفث النفّاثات في العقد؛ وأداري فيه هوى نفسٍ لولا طروق الخيال والطب لكانت تزهق، وأعالج فيه روحًا لولا إلمام المنى بحواشيها لكانت تُزهق. وحال لولا تكفّل الله بتدابيرها لكانت تُمحق، وحشاشة لولا صنعة لطفه لكانت تحترق. وأقول يا صاحب المقامات حدّثني عنّي، واسمعني منّي وأقلَّ حواسي حدسي وظنّي، واثبُت لأصناف فنّي وعنّي فقد قابلتك بوجه وقّاح، وناقلتك بلسانٍ نوّاح، ووقفت في حالٍ برجاء إذا أنست به يئست منه، وإذا استوحشت به رجعت إليه، وأنا في خضم ذلك لا أدري كيف أبرّد غلّتي فقد حرّت، ولا أدري كيف أبرّد جمرتي وقد التهبت، ولا أسكّن زفرتي وقد توالت، ولا كيف أنفّس كربتي وقد غالت، ولا كيف أكفّ عبرتي وقد سالت.

ظاهري محشوٌ بالشرور، وباطني قد غشي من الغرور، وفنائي في حبيب أجهل كنهه، فَدائي من دوائي ودوائي من طبيبي، وعلّتي من نبعي، وبلائي من نعيمي، وفنائي من حبيبي. يعلّلني النسيم إذا رقّ، ويؤنسني البرق إذا برّق. أنا الجيب الممزّق من هذه الأشجان، والطرف المجرور في هذه الأوطان، والخد المخموش على فوت ما بين الخبر والعيان. قد اشتدّ من هذه الحال وجعي، وازداد من هذا البوح جزعي وعليه أقول:

(أصاح ألم تحزنك ريحٌ مريضةٌ

وبرقٌ تلألأ بالعقيقين لامعُ

فإنّ غريب الدار ممّا يشوقه

نسيم الرياح والبروق اللوامعُ)

2

ليس مرعبًا أن يكتب أمين عن الخوف، انتقامًا من كوابيس ناخت على صدره، الطفل المذعور التائه سقط عنه لونه فغيّر جلده، ورمى أقنعته، أنفاسه متسارعة تخرج رئتيه عن طورهما، خوفه وحشٌ يسكن الرؤوس والقلوب، خوفه نبضات جمهور صاخب يتراكض من انفجار. رأى أمين في خوفه عوالمًا يمتزج فيها الغيم بالحجر. تنقّل بين أحلام غامضة أرهقها النوم، وافترش أعشاشًا تقرع أبواب الشّجر، ضيّعه ضبابٌ يصفّق لزوّار الشمس، فتقافز مفزوعًا بين الأعماق والأعالي، ورأى قمرًا يقود عربة للنجوم، وشمسًا تحرس مصابيحًا للّيل. ابتكر حياته، وقرأ موته. قال أمين إنه خيط الشبكة الذي يتقطّع كلّما تحرّك، وإنه لا ينعقد إلّا على نفسه، ولا يفكّ إلا ليدخل إلى نفسه. وقال إنّ قلبه المتحجر صخرة من فن وابتكارات، كأنّ بشرًا استبقوا الزمن فجاؤوا إليه، نحتوه وماتوا، وانكسرت أزاميلهم من التكرار. وقال مرّة أنّه روحٌ مترهلة مثل حبال تراخت على صفحات الماء وتلاعب بها قارب مهمل، تتأرجح بين الأيادي، وتسلّم أقدارها للخيوط التي تتلاعب فيها، فتحملها لوجهة تجهلها وتنازعها رغبات مكتومة. كلّما نبت الأمل في واديه يترصّده منجل. قلبه مسرحٌ أطفئت أضواؤه وتلاشى ضجيجه، ولم يعد يدرك بعد عامه الخامس والعشرين ما يفعل.

(هو لا يدري… هل السعي فرارُ

أم من القيد انعتاقٌ للحياة؟!

كلّ بابٍ وبه يحكي انتظار

صدأ الوقت ونزق الطرقات

مرّة يشدو بعينيه انتصارُ

مرّة يفلت طوقًا للنجاة).

3

التبس عليّ الجهرُ بالكتمان، وامتزج الخبر عندي بالعيان، واعتلق الفقدان بالوجدان، وسُلّطت عليّ ألسنة مقرّعة بالتقصير، وعاقرت أهوالًا مروّعة بالتنكير، حتى نبوت عن الكون نبوًّا، وسموت عليه سموًّا، فلما أُخذ بمخنقتي في هذا الوقت، ومنعت من أن أروي أو أكشف، عطفت لائذًا بالإسفار عمّا دهاني بالاستتار. فلمّا رآني الله على هذا الحال المائل. حبسني في نفسي، ودفنني في رمسي، وسلبني روحي وأُنسي، غيّب عنّي قمري وشمسي، وضيّع حسّي عن غدي وأمسي. وقلت يا ولي النعم! هل وراء الصدق غاية، أو هل فوق العشق نهاية؟ غيّبتني بصدقك عن رؤية صدقي. فما حيلة من إذا أدنيته أبليته، وإن أخفيته جلّيته، وإن قيّدته أمرجته، وإن بعّدته قرّبته، وإن أرويته أعطشته، وإن حرّكته وقّفته؟ فكلّ الذي منك به عجب، وكل الذي بي منك شجب. همت الدموع بالفرق، والتهفت الضلوع بالحُرق، وزيّنت حقيقتي بالحق. وحّدتك فوجدت، وتوجّدت بك فاتّحدت. اللهم روّح صدري بنسيم ودّك، وأغمر أرجاء قلبي بغوامر رفدك، وجد علّي بك. واجعل روحي في مغارس معرفتك، ولساني في قواطف وصفك. وإذا ضعفت فقوّني، وإذا اعوججت فسوّني، وإذا أصحرت فآوني، وإذا اعتللت فداوني، وإذا نكرتك فعرّفني، وإذا بنت عنك فصلني بك، وإذا التويت عليك فقوّمني لك. يا صاحبي للطائف برّي، ويا كاتمًا لغوامض سرّي. أظهرتني ببوالغ قدرتك، وقلّبتني في سوابغ نعمك، وعجنتني في روائع صنعتك، وقرّبتني من شاسع حقيقتك، وأمّنتني من قوارع سطوتك، وحُشتَني بهذه الأعاجيب إليك حوشًا بعد حوش. ونوّشتني ببراعة أساليبي إلى أُنسك نوشًا بعد نوش. وأنا على عادتي في الفتور والنفور، مؤثرٌ لمخاوض الظلمات على النور. أزحت علّتي ورفقت بي، وجلت في وهمي، وسكنت حرمي، وقبلت برّي وقدّمت إسعافي، وعظّمت ألطافي، آثرت نجاتي، وقدّمت غياثي، وكنت لي الممتّع المؤنس، والمفرّج المنفّس من بعد أن تاهت روحي في مساكن الغربة، وتجرّعت في ضياعها الكربة بعد الكربة. وكنت وليي يا ربّ عندما سرحت في غياهب الظلمات، ومددت لي حبلًا من عطفك يدّلني على نورك. اللهم فكنّ لي كما قلت [3]وأخرجني من ظلمات التدبير إلى شوارق نور التفويض، وحسبي من سؤالي علمك بحالي، فقد جعلت الفقر لوجهك سببًا للوصول إليك والدوام بين يديك. وإنّ التدبير معك من أشد حُجب القلوب عن مطالعة الغيوب، وإنما التدبير للنفس ينبع من وجود المواددة لها. وما أقبح عبدًا جهل بأفعالك، وغفل عن حسن نظرك.

(قد تخلّلت مسلك الرّوح مني

وبذا سمّي الخليل خليلا

فإذا نطقت كنت كلامي

وإذا صمتَّ كنت الغليلا)

يا لسان الوقت، وواحد هذا الورى، وعين الزمان! يا ربّ الأرواح الفانية، والأجساد البالية، والبنات الصغيرات، وربّ من أحببتهن، ومن ابتسمن لي ومن أردنني أن أحبّهن، وربّ من كتبتهنّ. فرّغني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكفّلت لي به ولا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذّبني وأنا أستجيرك، افتح مسامع قلبي لذكرك، وهب لي مع كلّ بليّة صبرًا ومع كلّ نعمة شكرًا. لك الحمد في اللّيل إذا أدبر، ولك الحمد في الصبح إذا أسفر، ولك الحمد حمدًا يبلغ أوّله شكرك، وآخره رضوانك. واسمع يا ربّ حديثي عن شوق إليك لاهب، وعيني نحوك رانية، ونفس في يدك عانية، وكلٍّ عندك رهين، وبعض بسوء إغفالك له مهين. وما زاد في بلواي أنّي قانط من عودك إلى معهودي منك، مرحوم في حالتي التي ملك زمامي فيها لك، طامع في أريحيّة تحرّكك. اللهم فاكفني مؤونة قول لا تراد به، وغائلة معنى لا تصح فيه، وغبّ أمرٍ لا تكون عنده، وارحمني وأنت أرحم الراحمين.

4

شهق أمين مع الضوء. وأدمن أعياد الميلاد وكؤوس الفرح، يتراءى له خيط ضوء تراه خيالاته عتبات ستأذن بعدها بانهمار اليقين، يستيقظ الطفل المنتشي مع صواني الشموع وورق الياس، تعشب روحه فجأة مع أغنيات العجائز والجارات، والبنات الصغيرات، يغفو طويلًا وهاجسه أن يرى النور في لحظة يتنقّل بها بين كوابيس ما أنزل الله بها من سلطان. الطفل بوجهه المستدير وصوته المتلعثم الذي لا يتوّقف، وقميصه الأزرق. سيكبر ويكره أعياد الميلاد، ويبعثر حيرته في الفضاءات، ولا يتبع إلّا سرابه، يشعل موقده بحطب الشّك، فتشرب من روحه اللحظات الرّتيبة وتقاسمه القلق.

(لو كان جُبّا لقُلنا:

ربّ قافلة تأتي على بهجة الأقدار ترفعهُ

تمرّ مثقلة بالغيث ذات ضحىً

لكن إلى حيثما قد كان ترجعه

والروح قد هرمت من فرط ما انتظرت

ورقّ، حتى سؤال الوقت يوجعهُ

وأوهن العمر والمرآة قد شحبت

وصاح يهذي ببيت كان مطلعه

يا للغياب متى تأتي؟!

تعيد لي المعنى؟

وتغلق بابًا كنتُ أشرعهُ).

5

أطرق باب الحلم كلّ صباح، أفتح في ذاكرة الكتب ثقوبًا تنزف منها الذكرى، تتسرّب منها مقطوعةً موسيقية تسقط سهوًا وأنا أعزف، مثل نص شعري كتبته وأخفيته، أشبه بمقطوعة خالدة في ذاكرة جمهور لم يستمع إليها بعد، بكلمات لا بدّ منها ليستمرّ الكون، كلّ منها عالمٌ كامل الصفات، كلّ منها مجرّة. مثل درويش مصلوب دفُن وظلّت يده طالعةً من القبر تداعب حبّات المسبحة في فجرٍ تستنير به بغداد. مثل راعٍ جلس فوق غيمة متأملًا هلع الناس من موت محتم. بعدها ضرب بعصاه الأرض، وكان نداءً لأسافل الكائنات. مثل ولد حاول أن يجعل في وجه أيّامكِ لحظة شمس، أرادكِ متأخرًا عن العالم لكي يحمل حق ميلادكِ مرارًا، كي يجنّب الكون زلزالًا بدرجة اختفائكِ. وهذا جهدٌ يا عزيزتي المُقلُّ في شأنه كثير، وإفضال المثرى فيه خطير، وزخرف القول فيه غرور، وتحبير اللفظ فيه تحيير، وهتك السرّ فيه افتضاح، وكتمان الحال فيه إيضاح. مقادٌ قوله سهل، ومراده صعب، الرجاء فيه ممدود، والحق في إظهار الشوق معه مقصود، والخلف فيه إنجاز، والذلُّ في ترديده اعتزاز، دركه فوات، وموته حياة، زمانه ممتدٌ بلا زمان، والخلق فيه عن الحق مرتدٌّ بلا بيان، والصمت يا هذه في ذكر غرامكِ أبلغ. وقلبي يخاف من المضي ومن المكوث، وقلبي كهفٌ يغفو به وحش، يشبه آدم الذي يمشّط الأرض باحثًا عن ربّه كلّ حين؛ وما زال الحنين فيه عند البعد باردًا ولم يطفئه دفء العالم ولا حضن أمّي ولا وجوه من ابتسمن لي.

وقلبي مثل قلبكِ ليس يخشى

مصابرة فكيف يخاف ذعرًا؟[4]

وأتمنّى حينًا لو أنّي عتبة لا تضطر أن تدخل أو تخرج، وأنّ نكون واحدًا لا كمثل المرء وظلّه؛ بل أن نمتزج ونشيع كما يضيع المرء بنفسه، فقد قيل أن المحبّة لا تصح بين اثنين إلا إذا أمكن لأحدهما أن يقول للآخر يا أنا.[5]وهذه أصوات قومٍ تحلّقوا حولي عن هواجس جادها الحق بصور الغرام، فتهامسوا بينهم في أوقات كان لله فيها تصرف بحق إظهار العشق وإنشاء الكون، فتخافتوا بها متهاجزين، ونبروا  عن حقيقتها متعاجزين، قولهم يا حبيبتي في الجملة كثير مختلف، منتشر مشتهر، يشتهي أن يصادف قلبًا علوقًا ونفسًا عشوقًا، حتى يعشعش فيها. خبت الأنوار والأضواء، وخوت السماء والأنواء، وفقِد الصباح وأُدرك بالعشاء. فلا كبد إلا وهي مقرونة بالحزن، ولا عين إلا وهي ذارفة عن القلق والفرق، ولا أمل يصح إلا في الله، ولا رجاء إلا عنده، ولا خلاص من نيران البعد، ولا نجاة منها إلا برَوحه.

(بيني وبين قلوبٍ كلّما ابتسمت

أتيتها من صحاري النفس ألتحفُ

غسلت في حلو ما قالو مرار دمي

حتّى تقاطر شهدًا قلبي الصلفُ

وكلّما كنت أُوحى من محبتهم

زملت قلب نبيٍ فيّ يرتجفُ

تنزّلوا في صعيد الروحِ ثم سمَوا

لأنّهم أصفياء الحبّ حين صفُوا

كانوا -وقد كانت الأسماء محض صدى-

حقيقة واسمهم في القلب معتكَفُ

من قبل أن تعرف الأنهار وجهتها

من بعد ما عبّأوها الحبّ وانصرفوا

وجوههم كلّما حاولت أقرأها

تسللت في دمي واحتدّ بي شغف

لأنّهم سرّي المفضى علانيةً

إنّي بهم أتّقي قلبي وأعترفُ).

6

اعتّق اشتياقي وأحاول أن أطرده من فناء قلبي، أرمي شياطين الغياب بجمرات من حنين، وأحلّق مع الملائكة الغيارى، والعشّاق السابقين، ومرتّلي الذِكر، والعازفين. رأيتُ سماوات ملوّنة، وطيورًا دائخة، وقبائلَ تعزف الموسيقى على غيمٍ يخبّئ مطره لصلاة استسقاء. عدوت بين النجوم، وصرت مزارًا للدمع وباركته. ربّتّ على غيابكِ المرتبك مثل مغنٍ على مسرح نسي أغنيته الأولى موهمًا صوته أنّ العالم ما زال يحبّ ويطلب أن يسمع أغنية أو يقرأ قصيدة. مثل مركب بلا ربّان طوّحته ارتطامة قوية بالصخر، نحو هاوية تتقاطع في أسفلها شرائح من نور، وأجساد ملائكة لها أجنحة مجروحة لا تكفّ عن الاختلاج والخفقان. مثل كعبة يخشع الطائفون حولها والكون يستكين بدويّ تلبيةٍ، ودعاء محروم. الطفل يا هذه أُلقي في بحر مظلم من سفينة دبّ فيها الخوف، وهلك من فيها، وكان حيًا ولكنّه من الغرقى، وكان كالموتى، ميتًا بلا جنازة ولا تابوت. حتّى وجدكِ.

فسبحان الذي خلقني وسمّاني، وألقى في صدري غضب العواصف، وأضاء بحرفي الطريق، قدّني من أطراف الأقلام، ونادى في الطّور أنّني آت، فانشقّ صدر الغيب متّكئًا على صلوات سبقتها دموعٌ حرّى، جمرة تحترق في قلب الزمان وتتفتّح زنبقة في ركام أيّامه. سبحان الذي جعل قربتي لا تمتلئ إلّا منه، ورماني في مطحنة العوام ثمّ صفّاني من شرورها، وأنعم عليّ بتخليص النفوس من شوائبها بفهمها وتسليتها وعلاجها. وإذ أُشعل من الذكريات مراكب شوقٍ لأيامٍ تأخذني لحنين قديم يقاسمها الضوء، وأُزهر حين يتراءى لي وهجٌ منتظر من نبع ترتجُّ روح البداية في خطواته، وتهمس على وقعه أغنيات الأثر. ولدت في  السابع والعشرين من شهر آذار عام ١٩٩٨. اسمي أمين صباح كُبّة. وأنا صاحب المقامات.

________________________________________

[1]  شجرة العالم في الميثولوجيا الإسكندنافية

[2] تخطيط كهربائية الدماغ

[3] إشارة إلى قوله تعالى (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)

[4] لا يصح الحب بين اثنين إلا إذا أمكن لأحدهما أن يقول للآخر يا أنا) من كتاب السحاب الأحمر) لمصطفى صادق الرفاعي

[5] البيت لبديع الزمان الهمذاني من مقامته البشرية بتصرّف

*****

خاص بأوكسجين

 


كاتب من العراق. صدر له "مقامات إيلاف"" 2021."