يحدثُ دائمًا في مثلِ هذا الوقت
العدد 220 | 14 تشرين الأول 2017
فتحية الصقري


أمشي باتِّجاهِ البيتِ، بعدَ يومِ عملٍ شاقّ،

أعبُر المَمرَّ المُؤدِّي إلى غرفتي

إجازةٌ سعيدة

يقولُ السرير

تقولُ الكنَبة

تقولُ أدواتُ المطبخ.

أُلقي بالأعباءَ الكثيرةَ، واحدةً تلوَ الأخرى

في الأدراجِ، في الطاولة، على أرضيَّةِ الغرفة

بعضُها يتدحرجُ، بعضُها يتصدَّع،

وبعضُها يرتطمُ خمسَ مرَّاتٍ  بالجدار،

مثلَ كرةٍ من المطَّاط، ولا ينكسر.

خمسة أيَّامٍ لن تكونَ 

باردةً، كسولةً، وخفيفةً بعضَ الشيء، كما أشتهي

لكنَّها ستكونُ كافيةً لأتعرَّفَ، مِن جديدٍ على السريرِ، والكنبة، وأدواتِ المطبخ.

وكما يحدثُ دائمًا في مثلِ هذا الوقت

أفتحُ النافذةَ مرَّةً واحدةً في اليوم

بالتحديدِ بين الخامسةِ والسادسة؛

لأنضمَّ لمهرجانِ العصافيرِ الصَّباحيّ

أفتحُ النافذةَ في توقيتٍ خاطئ

في أوَّلِ يومِ إجازة

حيث لا عصافيرَ، لا مِهرجاناتٍ، لا تأمُّلات،

فقط حيواناتٌ، تتدافعُ، تركضُ خلْفَ بعضِها

تدخلُ مِن شِقِّ النافذةِ الصغير

أبقارٌ برؤوسٍ كبيرة

ثيرانٌ بعيونٍ نصفِ مفتوحة

قطيعٌ من الماعز والخرفان

رسائلُ الشكوى مِن بقايا الحيواناتِ المُلقاةِ في كلِّ مكان

أخبارُ البلديَّات :حملاتُ نظافةٍ مكثَّفةٌ في مواقعِ التجمُّعاتِ البشريَّةِ، مَسْحُ المناطقِ، وانتشالُ الجِيَف

فمُ هذا “العيدِ” الثرثارُ، وأسنانُهُ الحمراءُ الحادَّة

كيفَ أنامُ؟ كيفَ أكتبُ؟ كيفَ أشربُ الشايَ؟

أُديرُ غسَّالةَ الملابس

أَحذفُ الفيديوهاتِ والرسائلِ التي لم أجرُؤ على فتحِها ومشاهدتِها من الهاتف

أُقلِّبُ قنواتِ اليوتيوب، قنواتِ التلفزيون،  الكتبَ، المجلَّاتِ العالميَّة؛

بحثًا عمَّا يمكنُه جَلْيُ أوقاتي المهدورةِ، في كَنْسِ القُمامةِ، وتشريحِ أسبابِ تدهورِ الوعيِ و الذائقة.

أقلبُ العالمَ على بطنِه،

وأجلسُ فوقَ ظهرِه

ينهضُ غاضبًا، ويقذف بي بعيدًا، خلالَ ثوانٍ،

كما لو كنتُ كَوْمةَ ريشٍ، أو قماشًا من  (الشيفون)

أحملُ ما هوى، وارتطمُ، وتكسَّرَ منِّي إلى السرير،

أَطوي ساقي، وأَربطهُما بذراعي

كلُّ شيءٍ يُمكنُهُ خَدْشُ روحي

كلُّ شيءٍ يُمكنُهُ أنْ يكونَ سببًا في قتلي.

لماذا لا أجمعُ كلَّ الأيامِ، في سلَّة الفواكه،

وأحشرُها في ماكينةِ العصائر،

وأُقدِّمُها عصيرًا طازجًا للمتحلِّقينَ حَولي:

المَيْلُ، الشفقةُ، الحُنوُّ،  الرِقَّة؛

لأُتابعَ عن قربٍ أربعَ فقماتٍ يَمشينَ بِثِقَل

لكنْ هل أستطيعُ، بعدَ هذا كلِّه مُشاهدةَ عرض للأزياء؟

أُحبُّ العارضاتِ والألوانَ والبهجةَ المُخترَعة

قُبَّعةٌ بيضاءُ مُدوَّرةٌ بكمشةِ ريشٍ أزرق،

بِنطالٌ مُمزَّقٌ، مائلٌ للرماديِّ الغامق،

تنُّورةٌ قصيرة، مُخطَّطةٌ، بِلا وزن،

قابلةٌ للطيَران،

قميصٌ شفَّافٌ، بِلا أكتاف،

قميصٌ قصيرٌ مُزيَّنٌ بِالفَرْو،

قميصٌ جهتُه اليُمنى زرافةٌ، جهتُه اليُسرى طائرُ لَقْلَق

أقراطٌ كحقائبَ صغيرةٍ ومُلوَّنة

رأسٌ يشبهُ غابةً نهضتْ للتوِّ مِن نومِها

أظافرُ طويلةٌ مستعدَّةٌ للخَمْش

أحذيةٌ تجرُّ خلفَها غيومًا وأمطارا

مشيٌ مائل، مشيٌ بطيء، مشيٌ غارقٌ في حُلْمِه

فمٌ يَعَضُّ، ويُخرِجُ لسانَه

يدٌ تصفعُ

خرطومُ مياهٍ يرشُّ وجْهَ العالمِ بالألوان

شاعرٌ سكران

رقصةٌ جماعيَّةٌ

طاووسٌ يتجوَّلُ في حلبةِ

أجراس ضخمة، تتحرَّكُ، بِلا صوت

سفينةٌ تغرق

طريقٌ طويلٌ يتعثَّرُ  بالبيوتِ والسيَّاراتِ، وحاوياتِ القُمامة

*****

خاص بأوكسجين


شاعرة من عُمان. صدر لها: "جمهور الضحك"" 2016، و""أعيادي السرية"" 2014، و""قلب لا يصلح للحرب"" 2014، و""نجمة في الظل"" 2011."