ويظل العواءُ واقفاً كالمنارة
العدد 226 | 28 كانون الثاني 2018
الكيلاني عون


هناك دائماً شيءٌ ما

هناك دائماً ما يتنحَّى جانباً

لتعبر الرصاصةُ إلى جسد العصفور

ليجد الصواب الأحدب مهلةً ليحتسي الخواء

لتترمَّل يدٌ فارغة تداعب الرياح

هناك شيءٌ قبل أوانه يختلي بالبرتقال

يقشِّره حتى تبين صرَّة الضباب ولا يأكل سوى حاجته

لبدايةٍ أخرى

وأنا أفهم الآن لماذا أخرجوني من الحقل وفجَّروه وماتوا

كان ينقصهم من سيبكي عليهم

من يتفقَّد سلاحه كل ليلةٍ حتى لا يسرق اللصوصُ

كدماتهم الباقية

من ينتظر سلامَ الناس البعيدين

لئلّا تضيع الرسائل والنجوم التي بلغتْ سِنَّ النبيذ

لئلّا يُقال إن حزناً يجوع

في جيوب الهرير

هناك شيء أقول دائماً سأفعله بعد قليل

وأنا أحصيه كدراهم البال

وغالباً أتباهى بمعجزةِ نسيانه

هكذا أيّها الغبار نبدأ من حجرٍ لا طائل من وجوده

نرمي به كلبَ الليل فيختفي

ويظل العواءُ واقفاً كالمنارة.

 

كشعبٍ يريد أن يرى ابتسامة الإله

البستانيُّ الذي اشتراني من قافلة المهاجرين

نفخ الغبارَ عن وجهي فصرتُ شجرةً صفراء

لم أره بعدها يتقصَّى حِيَل الضوء الأمير

كان يتعذَّب كفريسةٍ تتخبَّط في الشِباك ولم تُؤخَذْ

أسمع غيابه مثل حشدٍ من هديل

ليس لديه ما يفعله

غير الذهاب والمجيء بين نقطتين

الأولى بدأت منذ ولادته

والأخرى لن يصل إليها إلا وهو

يئن من حجم الفراغ

يتكلَّم كمن يلطِّخ النوافذَ بدم الرماد

ينظر كمن يدلي بقلاع الرمال على شاطئ الملاك الصغير

ويجمع الأيامَ بخيط يتدلّى من حزامه

ثم يطوف بها

كشعبٍ يريد أن يرى ابتسامة الإله.

 

كسورُ الأزل المنهوب

مائلٌ صحنكِ الذي تشرب فيه الطيور ما قوَّضته غنائمُ البرق

أيتها الريح، مائلٌ ووحيدٌ يلمع كزندقةِ الغار يعود زائراً

ليومٍ كان معطفه المبحوح في البرد

متردِّداً كاختلاس العناق على حافّة الضوء

كشهيدٍ يتبرَّأ من دعابات النصر

لا سمع ككلِّ المبيتِ الهريس، لا خريف يُرْهَن للنحل

ولا مقبض لبرهةِ اصغاء

يا جبل النوافذ أيّها الوقتُ بأصابعه أصابعِ الزمَّار المسروقة

ليس كافياً ما نشفق عليه، ما نطويه ويطوينا من مسافاتٍ

ما نؤجِّل الثناءَ على جزائر رعشتهِ 

وأنتنَّ يا أمهات الرماد ماذا أعددتنَّ لخيال الشفق؟

ليس كافياً ما تُظهرنَ لجلاءِ استدارةٍ نحو البحر

ما تظهرنه عبثاً لكتم القوارب. عبثاً صوركنَّ تنوء بالمكان

ناقصاً الفراشات خجولة بقشور اللون

ممحوَّة وتنقذ المناديلَ من شيء يعضُّ النومَ بأسنان الهدير

دلاءٌ تختلط إزاء البئر،

دلاء تستعير كغيرها كسورَ الأزل المنهوب

وتنحدر بكُناسةِ الحقِّ

إنه المجهول العويل في مقلاة الناموس 

أبداً لن يُطلَق سراحُ الفضَّة من سعار الذهب.

*****

خاص بأوكسجين


شاعر وتشكيلي من ليبيا. صدر له: "لهذا النوم بهيئة صيد ""، و""شائعة الفكاهة""."