هواء الرّصاصة
العدد 280 | 21 تشرين الأول 2023
محمود الرحبي


وقبل خوض غمار قراءة ما يلي فإن عليكم معرفة بأنه فصل من رواية “طبول الوادي” الصادرة أخيراً عن محترف أوكسجين للنشر:

كنَّا نستريح فوق حصيرٍ سعفي بعد عراكٍ، وقد أسندْنا ظهرينا إلى جدار الغرفة التي خصَّصها أبي لاستقبال زوجتيه بالتناوب. كانت أشبهَ بمربّع عجائب شُيِّد من الطين والخُوص، وعُمِّدَ بجذوع نخلٍ مفلوقة إلى نصفين وُزِّعتْ بترتيب عادل لتثبيت الزوايا والسقف، وخُطَّ عليها برسومات زهرية باهتة غير متقنة تحاكي هيئة النخيل.

في طفولتنا أنا وأختيَّ قبل أن يولدَ أخي بدر، كانت الغرفة كبيرة في أعيننا، وأثاثُها يشحن رؤوسنا بالأخيلة، إسفنجة السرير الأرضيّ المغرية بالقفز، وجدرانُها التي تترصَّع بالمرايا وبأسلحة أبي وخنجره الفضّي المتوارث ذي الجناحين الموشيين بأسلاك الفضّة الملوّنة، وقبضته العاجيّة اللامعة كناب وحش، وسكين صغيرة معلّقة بخيطٍ حائلٍ للصفرة، تتأرجحُ من إحدى حلَقَتَي الخنجر الفضيّتين. هناك كذلك صورة معلَّقة لجدّي الذي لم يرَهُ أحدٌ منا سوى والديَّ وجدّتي. متجهّم وهو ينظر إلى مَن يصوِّرُه بتحدٍّ أشبه بالوعيد. وكما روت لنا أمّي فمن أجل أن يلتقطَ هذه الصورة لوجهه، تردّد أياماً، وحين قرّر التقاطها بدى كمن يُقدِم مرغَماً على ارتكاب إفك، لاعناً الزمن الذي اضطره إلى التصوير، ومتحسِّراً على سِيَر أسلافه ممّن كانوا يحجُّون بحريّة إلى مكّة في قوافل الجِمال، ورغم ذلك قطع طريقاً طويلة إلى العاصمة، ليستخرجَ جواز سفرٍ لم يغادر به إلا مرّة واحدة إلى الحج، وعاد من هناك مريضاً، وقد حدث كلّ ذلك في عام وفاته. أبي نزع الصورة من الجواز، ثم جاء بها من دبي أكبر من حجمها عشرَ مرات ومحبوسةً خلف زجاج.  ليس فقط أسلحةُ أبي والمرايا المتقابلة والإسفنجة العريضة وقصّة جدّي المعلّقة، بل كان حتى الهواء الذي يحوم في تلك الغرفة، والذي يأتي معبّأً بعبَق عطريّ، يحمل رسائلَ سحريّة. فأيُّ إطلالة عابرة إلى الغرفة كانت تجعل الواحد منا يركض باحثاً عمن يبوح له من الأطفال بما رأى وبالصوت الخافت الذي يُكشَف فيه السرّ. وربّما لأنّها تظلُّ مغلقةً طوال الوقت، فقد كثَّف ذلك من أمرِ غموضها. فأبي لا يفتح هذه الغرفة إلا وفقا لحساباته. رغم ذلك فهو يعلّق المفتاح بوضوح في مسمارٍ أعلى قليلاً من قامة الأطفال، ما إن يغلقُها في الصباح. أما من تصلُ يداه إلى هناك، فقد كبرَ عقلُه وزادَ خوفُه، وبالتالي لن يجرؤَ على لمس المفتاح، سوى أمّي حين تنظِّفها وتهيّئها لدخول أبي من أجل قهوة المساء، التي تُقدَّم له مرفقةً بصحنِ تمر أساسيٍّ ثابت، مع صحنٍ إضافيٍّ متغيّر حسب الظروف والمواسم، قاو، أمبا ناضح، فيفاي، سفرجل، جوّافه، فرصاد، فندال… كل ذلك تستأثر أمي بتقديمه، وتعدّ له منذ الظهيرة. وإذا تعذر شيء من فاكهة الأرض، فكوبُ حليب طازج يهطل من ضرع الشاة، أو صحنُ تمرٍ مدلوك يتوسّطه فنجانُ سمن عربي. وكان أبي حين يدخل إلى الغرفة نَهبُّ لمصافحته واللعبِ أمامَه في صغرنا، أو مشاركته القهوة حين كبرنا. كنت أظنُّ أنه ينام وحيداً في الغرفة، وهو أمرٌ يحدثُ كثيراً. لكن ما إن نستسلم للنوم ويتأكّدَ من ذلك حتى يطلبَ إحدى زوجتيه لمشاركته الغرفة، وقد اكتشفتُ بالحدس وليس بالصدفة، حين عدوتُ في العمر، وكنتُ أحرص في ليال كثيرة على التظاهرِ بالنوم كي أظفرَ برؤية ذلك السرّ الليلي. يكون دخول عمّتي أو أمّي حذراً كأنما ظلٌّ يزحف في الظلام الدامس إلى الغرفة. ولن يتقدّم الليل كثيراً حتى تخرجَ من الغرفة وتأخذَ مكانها في السرير بجانب أطفالها.

الغرفة كذلك مزيّنةٌ بمرآتين مستطيلتين معلقتين في الجدار كأنّهما لوحتان دانيتان تعكسان بأمانة صورة كلِّ من يمرُّ قبالتهما، كما أنّهما تضاعفان من حجم الغرفة، حيث لا توجد مرايا في البيت إلا في هذه الغرفة. هناك كذلك الروْزَنَة العلْوية، وهي جوفٌ مربّعٌ في الجدار، تحتشد عليه زجاجاتُ عطور نفَّاذة، وغرش ماء الورد، ومِرود كُحْل، ومضربُ زيتٍ للشعر. فوقَها تنفرج كوّةُ تهوية تطلُّ على الباحة والسماء ورأس شجرة «القاو» والجزءِ العلوي من جذعها الذي يفترعُ منه غصنٌ طويلٌ يهتز برفقٍ كيَدٍ تلوّح بالسلام علينا.

جالسان أنا وأبي نلهث، تحتنا نبتَ ظلّان بشريّان ينسحبان من الجدار الطيني، يتّجهُ أحد الرأسين للأعلى، بينما الآخرُ مختفٍ بسبب انحناء صاحبه؛ فبدا كأنّه ظلّ جسد بلا رأس. وكانَ ما يرسله صدرانا من لهاث يحرك تلك الظلال الأرضية هبوطاً وصعوداً.

أبي بمصرّ أبيض يطوّق رأسه، ووجهٍ حادِّ القسمات تتبعثر على سالفيه بقعُ شعر قصيرة تفصل بينها مساحات ملساء، جالساً القرفصاء، عاقفاً قامته القصيرة وجسدَه النحيل، باسطاً راحتين مقلوبتين فوق ركبتيه، ومرسلا بصره إلى فتحة التهوية العلويّة التي تحاذي السقف، يطلُّ منها جزءٌ من الرأس المتجهِّم لشجرة «القاو» المعمِّرة، والتي لها عينان تظهران في الليل عميقتين بأهدابَ ورموشٍ شبه آدمية. وقد بدت، بسبب ما برزَ منها، وكأنّما تابعت بغضب تفاصيل ما حدث.

أمّا أنا، الصورة المصغّرة عنه التي تعكسُها المرآة أمامَنا، بالأنف العريض المفروش فوق الوجه، والهيئة القصيرة، في سن السادسة عشرة، وقد اعشوشب في ساحة لحيتي زغَبٌ باهت، كأنّما يرسل نداءات الخروج؛ كنت جالسا بجانب أبي، متّكئاً على الجدار نفسه، مُرخِيا ساقيّ وحانياً جذعي وأنا ألهث وأنتحب وقد ضيَّقتُ غِطاءَي عينيّ من الألم. كان كلُّ جزءٍ في جسدي ينبض بفعل هجماتِ العصا التي أذن انكسارها على ظهري باستراحةٍ قصيرة. ومن خلال الشقوق المنفرجة في الجدران والنافذة الوحيدة، تسلّلتْ شمسُ الأصيل لتغمرَ الغرفةَ الطينية ذاتَ السقف الواطئ بضوءٍ باهت.

قام أبي في صمت -بعد أن أكملَ لحظات استراحته ولهاثه- جهة سلاحٍ ناريٍّ مثبَّتٍ في الجدار، وفي تلك اللحظة أطلقتُ ساقيَّ للريح.

كانت قرى وادي السحتن المتناسخة تختفي ورائي وأنا أركض عاريَ الرأس، حافيَ القدمين، لا أحمل في جيبي «بيسة» حمراء، ولا أعرف إلى أين سأذهب.

لم يكن هناك شارعٌ تسلكُه السيَّارات إلا ذلك الموجود في محيط مركز الرستاق. ومن أجل الوصول إلى هناك، عليّ قطعُ مئات الأمتار مشياً على الأقدام وتسنّم طريقٍ ملتوٍ بين الجبال، لا يخلو من عطش. لكنّي كنت أستشعر، وأنا أدفع جسدي بكلِّ ما أوتيَتْ قدماي من طاقة، حرارة رصاصة في طريقها لاختراق ظهري. وبسبب ذلك وصلت بأسرع مما يتصوَّر خيالي الجامح إلى مركز الولاية. وهناك بدأتُ ألوِّح إلى السيارات التي تمخرُ الشارع المتْربَ، وكأنّها تغوصُ في قلبِ دوَّامةِ الغبار، التي تجرّها وراءها أنَّى ذهبت. كان عليَّ أن أجدَ، وبسرعة، من يبعدُني إلى أقصى نقطة، إلى حيث لن تصلَ عينا أبي، اللتان أعماهما الغضب.

وقفَ أحدهم، وكان يقود سيارة «نكال بوشنب» رموشُ عينيه ولحيتُه مشبعان بالغبار. شمَّر عن أحد ساعديه، وأخرج يده من النافذة، وقلّب كفّه في الهواء متسائلاً من دون أن يتكلّم. ومن الجهة المقابلة كنت أصرخُ بكلمةٍ مركَّبة من شقين، يشير الأول إلى المكان المقصود والثاني إلى الجيب المثقوب: «العاصمة… ما عندي فلوس» هزَّ السائق رأسه بالرفض وتقدَّم بسيارته، التي لاحقتْها سحابةٌ كثيفةٌ من الغبار.

نظرتُ بقنوط إلى السحابة الغبراء، ثم قبضتُ حفنةً من الحصى وقذفت بها فراغ الشارع؛ حصاة تلو أخرى.

لم يتوقَّف أحد ليقلَّني، وبخاصَّة أولئك الذي يحملون معهم عائلاتهم. لكنْ بُعيد الغروب، كان سائقُ سيَّارة من نوع «جيتي بوطابوقه» يرفعُ صوت مسجّله عن آخره بغناء «علي بالروغة» … «يا طير سلّم ع الحبيب» الممتزج بالإيقاع القويّ للعود. ولخوفِه من وَحشة الليل الذي سيخترقُه بعد قليل، حملني معه كمؤنس.

******

خاص بأوكسجين


قاص ورائي من عُمان، من إصداراته في القصة: "اللون البني"" (1998)، و""لماذا لا تمزح معي"" (2008)، و""صرخة مونش"" (2019)، و""ثلاث قصص جبلية"" (2020). من رواياته: ""خريطة الحالم"" (2010)، و""أوراق الغريب"" (2017)."