هل ستغتال وسائل التواصل الاجتماعي الرواية؟
العدد 217 | 11 آب 2017
آندرو أو هاغان


لطالما كان اليوم الذي سيتراءى لنا فيه الخيال العلمي كشبح من ماضٍ جميل ماثلاً أمام أعيننا. لم يكن السبب وراء ذلك أن كل شيء أصبح حقيقياً، بل أن كل شيء أصبح مزيفاً. 

من كان ليدرك عند قراءته ويليم غيبسون في ثمانينات القرن الماضي المعروف ببساطة أسلوبه، أو كتب فرانك هربرت القديمة ذات الغلاف الورقي، أنهما لم يكونا سوى كاتبين واقعيين عاديين، عملا على نقل تبدلات الحياة الأساسية بأمانة لا تقل عن أمانة تشارلز ديكنز.

لا زلت أذكر منذ طفولتي ذاك الطقس الخاص بإطفاء التلفاز نهاية كل ليلة. كنا نندفع للقيام بذلك بسرعة لأن الملكة كانت تظهر على الشاشة، و كنا جميعاً نكره الملكة. لم يكن هناك ما نسميه اليوم جهاز تحكم عن بعد، لذا كان يتوجب علينا التوجه إلى التلفاز وضغط مفتاج الإطفاء، وما إن نفعل ذلك حتى يلفظ التشويش أنفاسه الأخيرة، وتقفز صورة الملكة التي لا تترجل عن حصانها إلى فضاءات أخرى، فلا يتبقى منها سوى نقطة بيضاء وحيدة.

كانت هذه الخطوة تعني أن العالم أصبح بعيداً الآن، أن حالة من السكون المطلق أسدلت ستارها فوق بريطانيا كلها، وأنه لم يكن بإمكانك الهرب من هذه الحتمية إلا من خلال كتاب تقرأه تحت الأغطية والمصباح بيدك. هكذا أمضيت نشأتي، بين التلفاز وكتب المكتبة، وقد أتاحت لي هذه الطريقة في الحياة العيش ضمن دائرة مثالية من الخصوصية.

لربما كان روبرت لويس ستيفنسون يتجسس علينا بدافعه الأخلاقي، ولربما كان إلهنا الكاثوليكي يفعل ذلك أيضاً -“هو فقط يعرف ما الذي يعتمل في قلبك” كما أخبرني أبونا ماكلوفلين ذات يوم- لكننا أصرينا على النظر إلى الخصوصية كملكية شخصية وأولوية مبدأية في حياتنا.

قمت منذ فترة بتغطية الكاميرا الخاصة بكمبيوتري بشريط لاصق، ثم صعدت إلى الطابق العلوي وألغيت تفعيل مجموعة البيانات الخاصة بالتلفاز. كنت قد تعرضت مؤخراً لعدة هجمات على الإنترنت بسبب بعض القصص التي كتبتها، لذا قررت أن أرحب بالمستقبل بطريقتي الخاصة، وذلك بأن أحول مهمته في العثور علي إلى عملية شاقة، بالرغم من كل ما ستسببه لي هذه الطريقة من ضجر حقيقي.    

سيكون الصراع في سبيل الحفاظ على الخصوصية وامتلاك الذات من أعظم المعارك التي سيشهدها القرن الواحد والعشرون، والذي، باعتقادي، هو الصراع ذاته الذي سيخوضه الأدب للحفاظ على هويته وتمايزه عن فقاعة الثرثرة القاتمة التي تثيرها وسائل التواصل الاجتماعي.

يزدهر إبداع الكاتب في فضاء من الخصوصية لا في فضاء التويتر، كذلك الحال مع القراء عندما تبهت الأضواء. يتراءى لي أن إفشاء جملك من دون اكتراث وبلا أي مقابل يشبه موتاً متواضعاً للتفكير، ويسيء إلى مهنة الكتابة التي تتقاضى نقوداً لقاء قيامك بها بشكل جيد.

لقد تحولنا جميعاً إلى استعراضيين هذه الأيام، أصبح السياسيون يستعرضون كل حركة يقومون بها بشكل مسرحي، لكن عندما يتعلق الأمر بالوقوف موقف المعادي لهذا السباق العالمي المحموم نحو الغباء، فإن خسارة شيء مهم تطال حتى الكتّاب ذوي المستوى المقبول.

قد يعمل الأدب، الذي يشمل الصحافة النبيلة في طياته، على رفع سوية الشأن الاجتماعي، لكن مهمته الأساسية تكمن في إثراء الفكر الشخصي على وجه التحديد، ونحن الآن في مرحلة قد تكون الخصوصية فيها، الخصوصية بمعنى التاريخ السري الكامل لأمة ما، السبيل الوحيد الذي نملكه لمواجهة القوى السياسية التي تستبيح أوقاتنا.

يتوجب عليك في هذا الزمان أن تؤدي دور ونستون سميث[i] بنفسك ولنفسك، أي أن تكون مراقباً من قبل نفسك ومن قبل الآخر، لأن ذلك يصب في صالح “الأمن القومي” ويخدم “التناغم العالمي”. قد لا يكون التلفاز في الطابق السفلي مطفأً على الإطلاق، بل يعمل على وضعية “الإطفاء الوهمي “، وهي وضعية أقرها برنامج مشترك وضعته وكالة الاستخبارات الأميركية CIA بالتعاون مع وكالة الاستخبارات البريطانية MI5 في حزيران من عام 2014، وأطلقت عليه وقتها اسم ” الملاك الباكي” “Weeping Angel..

 (بعض أنواع أجهزة التلفاز مبرمجة لتبقى، مع كاميراتها، على وضعية التشغيل، مما يسمح للوكالات باستثمار البيانات التي يتم جمعها من هذه الكاميرات.)

يفترض المبدأ القائم هنا، كما هو الحال في حملة “امنع” البريطانية، أن من يملك حياة خاصة لديه على الأرجح ما يود إخفاءه عن العلن، وهذا يعني أنه لا يمكن لأي شخص في المستقبل أن يتمتع برفاهية الخصوصية، إلا إذا كان لديه نوايا خبيثة.

تعمل بعض أجهزة التلفاز وكل أجهزة الهاتف “كأجهزة تجسس، تسجل المحادثات التي تجري ضمن الغرفة وترسلها عبر الإنترنت إلى كمبيوتر ملقم سري تابع لوكالة CIA”، هذا ما ورد في موقع ويكيليكس عند تسريبه لوثائق تخص برنامج “الملاك الباكي”. في وقتنا هذا أصبح تعرضك للتجسس في منزلك، أو إيقافك بهدف تفتيشك في الشارع وتسليم معلومات حولك للوكالات الأمنية، يندرج تحت عنوان الإجراءات الأمنية، ومجرد تشكيكك فيه سيجعل منك عدواً لـ “التفكير السليم” بالمفهوم الذي حددته صحيفة “ذا ديلي ميل”.

ليس على الفرد في أيامنا هذه أن يكون محارباً فذاً في سبيل الحرية كي يتمتع بفرصة الانتساب إلى حزب “الديمقراطيين الأحرار”، بل جلّ ما عليه فعله هو تبني حرية التعبير وحرية الحركة، ودعم الحقوق الأساسية للسيادة، كأفكار نظرية يؤمن بها بشكل شخصي. فقط في الآونة الأخيرة بدأ النظر إلى هذه المقدسات على أنها مطالب لشخص يحتمل أن يكون إرهابياً.

 

كان ديكنز مؤمناً بأن رحلات السكك الحديدية ستغير مفهوم الفردية بتعريفه السائد في ذاك العصر. في عام 1846 تعرف ديكنز على جورج هدسون الملقب بـ”ملك السكك الحديدية”، ثم أخذ يمعن التفكير في حمى المحركات البخارية هذه ليكتب عنها في روايته “دومبي وابنه”، التي كان يعمل عليها حينها، قائلاً: “في تلك الفترة بالذات سببت الهزة الأولى لزلزال عنيف تصدع كامل المنطقة وصولاً إلى المركز. كان هناك ما يقارب مئة ألف جسم وشكل متشظٍّ انتشروا بعشوائية هائلة بعد اقتلاعهم من أماكنهم وقد انقلبوا رأساً على عقب، بعضهم مخبأ في الأرض وبعضهم الآخر يتطاير في الهواء، وكان هناك قسم يتعفن في الماء، أشياء غير مترابطة على الإطلاق، تماماً كتلك التي نراها في الحلم… السكك غير المنتهية أو المفتوحة كانت قيد الإنشاء؛ لكنها، ومن قلب كل هذه الفوضى المروعة، كانت تعمل على شق طريقها بسلاسة نحو البعيد، سالكة مسارها الجبار نحو الحضارة والتطور.”

لم يرسم ديكنز هنا خطوطاً توضح المستقبل فحسب، بل رسم شرحاً تفصيلياً لما كان يجري حينها أيضاً. “عند مدخل السكة الحديدية تماماَ كنت تجد حقولاً مهملة، وحظائر أبقار، وكومات من الروث، وتلالاً من التراب، وخنادق، وحدائق، ومنازل صيفية، وورشات تنظيف سجاد.”

لم ير ديكنز حالة الانفتاح والتنور التي رافقت السكك الحديدية فحسب، بل رأى أيضاً تلك الغيمة القاتمة المقبلة مع كل ذلك الدخان والضجة والزحام في شوارع المدينة، وما يترتب عليها من نتائج تقضي على عزلة الحياة الريفية.

ترتب على حل معضلة المسافات ظهور مشكلة جديدة هي التقاربية. إذا ما نظرنا إلى الموضوع من وجهة نظر الكتاب الحقيقيين نجد أن الإنترنت قد لعبت دوراً مماثلاً.

بدأت القصة بما يشبه الوعد الطوباوي، “نحن” سنصبح على اتصال، “نحن” سنتشارك المعلومات والتجارب والخبرات بطرق سريعة ودائمة، لكن ما لم نكن ندركه هو أن هذه الـ “نحن” لم تكن سلعة راسخة، ولا الـ”أنا”، كما اتضح فيما بعد. الحدث الأكثر متعة الذي توقعنا حدوثه في السنوات الأخيرة كان ابتزاز مؤسسات السلطة القديمة، التي تعتمد على السرية والأكاذيب في أغلب أعمالها، على يد تقنية ذكية ليس لديها تحيز لحماية مصالح شخصية.

كان الهدف من إنشاء ويكيليكس وبيتكوين هو وضع صحة التقييم الذاتي المركزي للمجمع العسكري الصناعي تحت المساءلة؛ حيث ظهر محررون رقميون جدد يعملون بمقولة جديدة: سنعمل على فضح أسراركم كي تتمكن حواسيبنا من الحفاظ على نزاهتكم.

بدا الأمر وكأنه مرتبط برؤية جديدة للديمقراطية: سيوقع مالكو الحواسيب في العالم على قانون رقمي جديد في كل يوم وكل مكان، لفضح الفساد وضمان الحقوق، سيعمل القراصنة على وقف نزيف الأكاذيب.

لكن هؤلاء المحاربين في سبيل الحرية نسوا أن الوكالات تملك حواسيب ضخمة أيضاً، وبمرور الوقت سيصبح لديهم قراصنة وأشخاص تابعين للسلطة، يعملون على حماية القضايا القديمة نفسها المتعلقة برؤوس الأموال الضخمة.

عمل المجرمون على تحديد مسارات الإنترنت بنفس الطريقة التي اعتادوا فيها تحديد طرقات العالم السريعة، وكما جرت العادة، وقع المثاليون ضحية الصحبة السيئة.

كان بإمكان دونالد ترامب، هذا النرجسي الخبيث الذي يجسد رؤية أميركية رديئة عن الرجل الغني، أن يقول: “أنا أحب ويكيليكس”، وأن يكون أقرب إلى بوتين من أي شخص في واشنطن، وأن يكذب أربعمائة كذبة في مائة يوم. كان بإمكانه أن يضحك في نهاية الأمر مستهزئاً بكل ما فعل، وأن ينشر المزيد من الهراء على تويتر ويدرس قرار إلغاء اجتماعات الصحافة اليومية. الأمر برمته كان مسألة شخصية بحتة.

كان بإمكانه أن يتهم أوباما بمراقبته، أو أن يتشارك معلومات أمنية مع روسيا، وكان بإمكاننا فقط أن نغرق في تساؤلاتنا: ما هي النقطة التي بدأ عندها هذا التغيير، ومن الذي كان يلعب دوراً فاعلاً؟ أكان هذا التغير المفاجئ انتصاراً لحرية الإرادة والتعبير؟ وهل سمحوا لأنفسهم هؤلاء الطوباويون المثاليون، القراصنة الجدد، العابثون الموهوبون بهذه المنظومة، أن يتحولوا إلى مجموعة من المغفلين الفاعلين في هذه المؤامرة العالمية يمينية التوجه؟

كنت أحاول إقناع دون ديليلو بعد نشر روايته “الرجل الساقط”، التي كتبها عقب تفجيرات 11/9، بأن “الواقع” كان أبعد من رؤيته، لكنه، في الحقيقة، كان أبعد من رؤية أي شخص.

إنه زمن الإطفاء المزيف، زمن يخال لك فيه أن الأدب المتخيل والأدب الواقعي شيئان غير قابلان للفصل، وأنه قلما سنحت للكتّاب والقرّاء فرصة مواتية أكثر من هذه اللحظة لاكتشاف “الحقيقة”.

في عالم الإنترنت فقدت الحياة الخاصة المعنى الذي حملته لهنري جيمس، وأصبحت عملية مراقبتنا للآخر ومراقبتنا من قبله ومراقبتنا لذاتنا أشبه بتشغيل دارة كهربائية تربطنا برموز رقمية. يمكننا القول أن الحياة الداخلية التي كانت تدور حول ماهية الشخص من الداخل، وما يطرأ عليها من تبدلات ملحوظة، كانت تشكل مادة الأدب. أما في أيامنا هذه فقد تحول معنى الحياة الداخلية إلى شيء مختلف، حيث أصبحت هذه الكلمة تشير إلى ماهية الشخص الذي تكون عليه داخل الشبكة. كل حركة تقوم بها وكل فكرة تعطيها عنك نماذج التسوق التي تتبعها، وكل إعجاباتك التي تضعها والطريقة التي تتقاطع فيها مع الآخرين، ستشي بك. قد تتحول المعارك المستقبلية ببساطة إلى مجرد صراع للتحكم بنظام التشفير.

قد نكتشف حياة شخص مثل إيزابيل آرتشر، بطلة رواية جيمس، بما فيها من خصوصيات، من رغبات مكبوتة ونقاط ضعف سرية، بتاريخها وبطبيعتها البشرية، في نمط معين من الجمل والمقاطع، نمط من أشياء قيلت وأخرى لم تُقل، لتظهر لنا في النهاية كإنسان يضج بالحياة.

لكن مفهوم الفردية تغير عما كان عليه سابقاً، لذا فإن المكان الأمثل الآن الذي قد تكتشف فيه شخصيات تتشابه بفرديتها مع هذه الفتاة سيكون الشبكة العصبية. عند إلقائك نظرة على براءات الاختراع الخاصة بعلم الحاسوب والمقدمة في السنوات الثلاث الأخيرة، سترى مستقبلاً لم تعد الخصوصية فيه أمراً متعلقاً بالفهم الدقيق للإنسانية، بل بعالم الخوارزميات. لقد كان هذا الأمر محسوماً منذ مدة.

في عام 2010، صرح مارك زوكربيرغ في مؤتمر عقد في سان فرانسيسكو أن الخصوصية لم تعد شأناً اجتماعياً، أما نك دينتون، ناشر في موقع جوكر، فقد تحدث عن جيل بأكمله حين قال” كل خرق للخصوصية هو نوع من التحرر”.

 

بالنسبة لأي كاتب تعتبر هذه الحالة إنذاراً بخطر محدق يستوجب التصرف مباشرة. كتابتك للأدب تعني أنك شخص في حالة نتاج دائم، ولا أعني هنا أنك تقوم بالكتابة طوال الوقت، بل أنك توجه نفسك نحو النصوص التي تعرف أن بمقدورك كتابتها. أنا شخصياً أغادر المنزل دائماً سعياً وراء القصص، ودائماً أتغير بسببها. لا يستوجب هذا الفعل ميدالية ذهبية أو شيئاً من هذا القبيل، إنه مجرد عادة لدى بعض الأشخاص، لكنني أرى من المنطقي الاعتقاد بأن فعلاً كهذا يؤسس لحوارات قد لا يحصل عليها الروائي بطريقة أخرى.

أثناء عملي الحالي كمراسل صحفي أشعر أنني شخص يسعى وراء الحقيقة أكثر من جمع الأخبار، شخص لا يرى التقنيات الأدبية دخيلة على أسلوب عمله إطلاقاً، وقلما يجدها غير مناسبة له. اتجهت في السنوات الأخيرة نحو الكتابة عن أشخاص يسكنون واقعاً صنعوه لأنفسهم، أو لنقل واقعاً يتقاطع مع الأدب، وقد تطلب مني الحصول على القصة المنشودة أن أدخل في فضاءات هؤلاء الأشخاص وأرقص مع أطيافهم.

. كتب الشاعر والاس ستيفنز: ” الواقع هو صيغة مبتذلة نهرب منها بالمجاز”، هذا ما تعلمته من الشعراء عندما كنت قارئاً شاباً، ألا أثق بالواقع، وشخصيات عالم الإنترنت المعروفة التي عملت معها لكتابة مقالي:” الحياة السرية: ثلاث قصص حقيقية”، تعتمد على مستوىً عالٍ من الاستعارة في وجودها ونفوذها في العالم

اعتدنا في هذا الزمن أن ننظم المفارقات الراسخة في وضعنا الراهن لنطلق عليه بعد ذلك اسم ثقافة.  (يكفي أن تتابع تلفاز الواقع Reality TV. ). تبعاً لما ذكرته عن المجاز قد يتمتع الكاتب المبدع بالأسبقية في دراسة هذا النوع من الثقافة- ولهذا قد نحسن صنعاً إذا ما فتحنا المفكرة وشغلنا آلة التسجيل بين الحين والأخر.

عندما سألت نورمان ميلر ذات مرة عن أقرب الفنون للكتابة كان جوابه “التمثيل”. تحدث حينها عن انحسار جوهري للأنا، وهي حالة لا ينسبها معظم الناس إليه، لكن كتّاب الأدب الخيالي والواقعي، الذين يكونون في حالة بحث دائم عن حياة أخرى، يجدون هذا المبدأ مألوفاً لديهم، فهم يؤمنون بأن عمل الكاتب يجب أن يكون الاستثمار في تجاوز الذات. أظن أن هذا ما عناه سكوت فيتزجيرالد عندما قال أنه لا يمكن التعويل على سيرة الكاتب الذاتية لأنه” إذا كان الكاتب يتمتع بأي سوية جيدة فلا بد له أن يمتلك عدداً كبيراً من الشخصيات”.

لقد تكرس فينا الاعتلال  الناجم عن استخدام الشبكة العنكبوتية قبل وقت طويل من فهمنا للطريقة التي ستغير فيها التكنولوجيا حياتنا. بمعنى أنها  أتاحت إمكانية استخدام أدوات صناعة الأدب لكل الناس على حد سواء بمجرد أن يكونوا قادرين على الوصول إلى حاسوب ما، وراغبين  في الغوص في بئر الغيرية العميق الذي صنعه عالم الإنترنت هذا.

تنبأ جاي جي بالارد بأن الكاتب سوف يفقد دوره في المجتمع. كتب ذات مرة: “نظراً لأن الواقع الخارجي خيالي بما فيه الكفاية، فإن الكاتب لم يعد مضطراً لتأليف القصص لأنها موجودة حوله بالفعل”. بإمكانك أن تلاحظ كل يوم كيف تثبت صحة مقولته هذه على الشبكة؛ إنها ساحة متاجرة بالأنا.  

بفضل البريد الالكتروني أصبح التواصل الفوري وغير المرئي مع الآخرين متاحاً للجميع، سواء استخدموا شخصياتهم الحقيقية أو شخصيات أخرى. هناك أكثر من 67 مليون اسم مزيف على الفيسبوك، ومن البديهي أن كثيراً منهم يمارسون حياة أقل اعتيادية، أو بكل الأحوال أقل عرضة للتدقيق.

تَمكّنَ التشفير من تحويل الشخص العادي إلى شبح، كأن يكون اسماً مستعاراً، أو محاكاة رديئة، أو انعكاساً لصورة ما. في هذا الفضاء الافتراضي قوتنا الشرائية فقط هي ما تجعلنا أشخاصاً حقيقيين، حيث تكون الأنا التي نملكها، مهما كانت طبيعتها، منفتحة على عروض تسعى لتغييرنا نحو الأفضل- لون جديد للعينين، تأمين أفضل، جسد أنحل- تطرحها شركات التسويق والأجهزة الخلوية التي تجمع بياناتنا قبل تسليمها للحكومات، والتي بدورها تعمل على جعلنا مرئيين مجدداً بشكل يخدم مصلحة  الأمن القومي.

لربما أغرق بالارد في تشاؤمه حيال دور الكاتب، فماذا لو افترضنا أن الكاتب لم يفصل القابس الكهربائي عند مواجهته لهذه التخَّيلات الجديدة، بل قام بإدراج نفسه ضمن الشبكة وعاد بمعلومات جديدة؟

 

انجذابي نحو مشاكل الواقع الافتراضي جعلني أدرك أن الكثير منها قديم قدم الإنسان. هناك شيء خاص بالإنسانية- سحر عاطفة صادقة وجوهر تجربة معاشة- لا يمكن للآلات أن تعرفه، حتى الآن على الأقل، ويبدو أن البحث عن ذلك الشيء في خضم هذا التغيير الجارف أصبح عملاً قديم الطراز، نظراً لأن المرء بات على استعداد لمقايضة كل الحقائق اليقينية بمجاهيل يعرف أنه لا يفهمها.

 

ست سنوات كرست نفسي خلالها للكتابة من ركن “الغرب المتوحش” لعالم الإنترنت. أحياناً كنت أشعر كمن يتنقل وحيداً على صهوة حصانه بين وديان ومستنقعات تطور ما بعد العصر الصناعي. لقد عشنا زمن الإنترنت قبل أن نتمكن من ضبط المجتمع أو إرساء مبادئ اللباقة، قبل وضع آداب للسلوك أو أخلاقيات مهنية واضحة، وقبل أن تتحول أنظمة الشبكة الأنطولوجية الجديدة إلى سلوك مكتسب.

 

قد أكون خضت غمار الأوحال الأخلاقية لكل هذا، لكنني خرجت من هذه التجربة بالتعرف على عدد من الشخصيات. ليس جوليان أسانج مؤسس ويكيليكس شخصية نموذجية لعصر الإنترنت أكثر مما هو تشارلز فوستر كين شخصية نموذجية من عصر الصحافة. بالنسبة لي كنت أرى أسانج سعيداً دوماً بكونه شخصية مركبة وغير عملية تماماً بقدر ما هي متناقضة. إنه نرجسي لدرجة تمنعه من التعرف على أخطائه، مثل ترامب الذي يربطه فيه نوع من الصداقة.

كانت الأشهر الستة التي قضيتها في الحديث معه، أو بالأحرى في الاستماع إليه، في المنزل النائي الذي كان ينفذ فيه إقامته الجبرية في نورفولك، أشبه بأن يعيش الإنسان فترة من الزمن مع رجلٍ خارجٍ من عالم ترولوبي، رجل معجون بمجموعة من الأكاذيب وحالات النكران ولكنه مع ذلك مهووس بمنهج أخلاقي يفرض على الجميع مواجهة الحقيقة.

عند زيارتي له في السفارة الإكوادورية علمت أنه فقد صوابه، وقد أثبتت تصرفاته الغريبة منذ ذلك الوقت صحة فكرتي.

 

كان دائماً يشعر بالكره تجاه هيلاري كلينتون، وبإمكاني القول من خلال معرفتي الكافية بآلية تفكيره إنه سيقع ضحية كرهه هذا. لقد كان الواقع أبعد من رؤيته هو أيضاً. ناشر موهوب بجدارة تحول إلى خادم لقوى لا يفهمها، وبرأي أن عداءه للخصوصية في الوقت الذي يصون فيه خصوصيته حوّله إلى عبرة وعظة لزمننا هذا.

 

جاء إلي مدعي اختراع عملة البيتكوين كريغ رايت بنفس طريقة أسانج، فجأة ودون سابق إنذار، زاعماً أنه لم يعد هناك مجال لوجود الخيال العلمي. 

قال: “لقد أصبح كله هنا”. اتضح لي أن رايت شخص غريب الأطوار جداً من خلال إجاباته عما يخص قضية العملة الرقمية وصولاً إلى الأزمة الاقتصادية لعام 2008، وقد أثارت اختباراته الداخلية لنفسه اهتمامي لإعجابي بطبيعتها.

عندما أنظر إلى الوراء أشعر أن رايت كان يرى وجوده بالكامل كشيء تمت صناعته في فضاء الإنترنت، وعندما حاول الخروج منه والمطالبة بحقه في الشهرة انهارت فرديته.

كان يرى نفسه كشخص غير معروف ولا يمكن الكتابة عنه، أما أنا فقد كنت أرى فيه تجسيداً رقمياً لإحدى شخصيات ثيودور درايزر.

كان من المفترض أن الخصوصية قد فقدت مكانتها كعرف اجتماعي، ومع ذلك فقد كان هؤلاء الرجال مهووسين بالحفاظ على خصوصيتهم، لذا فإن التنقيب عن عيوبهم من خلال شخصياتهم الرقمية أصبح مهمة خاصة بالكتابة. قضيت وقتاً طويلاً في متابعة شخص يدعى رونالد بين، وهو شخصية رقمية استوحيتها من شاب توفي منذ 30 عاماً، وقد عمل ذلك على هدم الجدار بين الأدب والواقع بطرق لا زلت أحاول فهمها. لقد فعلت ما دأبت شرطة الميتروبوليتان على فعله لسنوات، انتقيت اسماً من شاهدة قبر ثم ألفت حوله ملحمة. بمرور الوقت أصبح روني حديث الساعة لكنه كان أيضاً جزءاً من الصحافة التجريبية، شخص حقيقي وغير حقيقي بنفس الوقت، أثار زوبعة  من الأسئلة حول وجوده.

داخل كل رجل وكل امرأة كلمة تحمل في طياتها اللحظات الأكثر صدقاً في حياتهم، وليس بإمكان الشبكة إخفاء ذلك.

من المحتمل أن يؤدي إلغاء الخصوصية إلى قتل الرواية. لكن الاحتمال الأقوى هو أن تؤدي هذه الحالة إلى إلباسها حلة عصرية جديدة كما جرت الأمور عند اختراع القطارات أو الصواريخ أو الجنس.

واحدة من المكافآت التي تثلج صدر الكاتب هي أن يجد نفسه حياً في تفاصيل قصصه، وهذا ما يقدمه لنا عصر الإنترنت، كرنفالاً جديداً بالكامل من المحرضات الوجودية. في طفولتي كنا نطلق اسم “العروض” على الكرنفالات القادمة إلى منطقتنا، وهذا ما وجدته عندما بدأت البحث عن أبطال في آلة الخيال، أشخاص استعراضيون غادروا حدود كيانهم الأصلي ، بسبب ماضيهم أو طموحاتهم أو أوهامهم، ليدخلوا فضاء الإنترنت الرحب.

في عالم يسمح لكل شخص أن يكون أي شخص، عالم لا أهمية تذكر فيه لكونك شخص حقيقي، لا زال بعضنا يرغب أن يضاعف عمله على حل المشاكل الإنسانية، مدفوعاً بقناعة يقينية أن حواسيبنا لم تصبح هوياتنا بعد. في قاعات المرايا المضحكة لا بد أن يرى المرء في انعكاسه شخصاً آخر.  

____________________________________________________

عن  صحيفة “الغارديان”

[i] بطل رواية جورج أورويل “1984”