نهاية غير معروفة لقصة معروفة
العدد 185 | 21 كانون الأول 2015
ممدوح حمادة


المسيو جاك مات

حين اقتادوه قبل الفجر من فراشه أدرك أنهم لم يفعلوا ذلك لو أنه لم يرتكب شيئاً ما، ولكنه لم يستطع أن يعرف بالتحديد ما هو هذا الشيء، ولذلك أعمل ذاكرته بحثا عنه.

في التجمعات العامة كان يكثر المديح لكل من يشكل ذمه جريمة نكراء، وكان يمعن في ذلك لدرجة تصل إلى حد التأليه، لم يحصل على جائزة لقاء ذلك، ولكن لا يعقل أنهم ألقوا القبض عليه لهذا السبب.

بين الأصدقاء ورغم ثقته بهم كان يصمت وإذا تفوه صديق بكلمة ما عن هؤلاء الذين لا يجوز التفوه بحقهم إلا بالكلام الجميل كان يدافع عنهم أمام ذلك الصديق بشكل مستميت وسرعان ما يقطع علاقته به لدرجة أنه لم يعد له أصدقاء، لم يشكره أحد على فعله هذا، ولكن لا يعقل أنهم يقتادونه لهذا السبب.

أقاربه جميعا من ذوي السيرة والسلوك الحسن، ويتمتعون بعقول راجحة تجعلهم لا يرتكبون مثل هذه الأخطاء القاتلة، أبوه وأمه هما من علماه الصمت ولقناه أن المديح هو الدواء الفعال ضد زوار الفجر، الجدران والأثاث والهواء لا يمكن أن يتكلموا، وحتى لو تكلموا فلا شيء يقولونه فهو حتى في وحدته يكيل المديح، عندما يشاهد التلفزيون يظن أن أحدا يراقبه ولذلك يعبر عن إعجابه تحسبا لكل الاحتمالات، نعم يمكن أن يتم إلقاء القبض عليه لما يدور في رأسه من أفكار سوداء يتمنى فيها أن تنشق الأرض وتبتلعهم جميعا، ولكن من أين لهم أن يعرفوا بهذه الأفكار التي لم تجد إلى لسانه طريقا.

لا، إنهم يقتادونني لسبب آخر، فكر في داخله، ربما عثروا على خطأ في الحسابات في العمل، ربما تعرضت إحدى المباني التي وضعت مخططاتها لخلل ما، ربما تكون تلك الزجاجة التي سقطت عن حافة النافذة قد وقعت على رأس أحدهم فسببت له الأذى وربما قتلته، ولكن لا.. إنهم لا يقتادون اللصوص والقتلة بهذه الطريقة، لا يأتون لأخذهم قبل الفجر، وعدا عن ذلك فهم لا يطمشون أعينهم بعصابات سوداء، لا بد أن الذي اقتادونني لسببه أمر أخطر من السرقة، وأخطر من القتل.

وبما أنه لم يتمكن من العثور على مثل هذا الأمر الخطير فقد تركه للوقت لكي يكشف له ذلك السر، والوقت لم يطل، ففي الصباح كان يقف أمام المحقق الذي ألقى عليه نظرة شاقولية من الأسفل إلى الأعلى شعر أنها منشار كهربائي يقطعه إلى نصفين مما جعل كل مفاصله ترتعد وقلبه يبالغ في الخفقان والعرق يتصبب من جبينه رغم الجفاف الذي أصاب حنجرته لدرجة أنه ظنها من الخشب.

– من هو المسيو جاك؟

سأله المحقق واثقا، فلم يزد على الغموض إلا غموضا، فهو لم يسمع بشخص بهذا الاسم من قبل، ولذلك فقد نفى معرفته، ولكن ذلك كما هو مألوف في غرف التحقيق، لم يرض المحقق الذي هدده بنبرة واثقة:

– لا تكذب، نحن نعرف كل شيء.

وبسبب الثقة التي كان يتحدث بها المحقق فقد تمنى لو أنه يعرف شخصا بهذا الاسم لكي يقول كل ما يعرفه عنه وينهي هذه المعاناة المريرة التي يقع تحت هولها الآن، ولكنه مع الأسف لم يكن يعرف مثل هذا الشخص مما جعله يؤكد نفيه من جديد، الأمر الذي أثار حنق المحقق الذي  ضرب بيده على الطاولة وصرخ:

– لا فائدة  من الإنكار، نحن نعرف كل شيء.

عندما لم يجد ما يقوله ظل صامتا مما جعل المحقق يعتقد أنها بداية الانهيار فسأله:

– المسيو جاك هل هو اسم حقيقي أم اسم حركي؟.. ما هي مواصفاته، هل هو طويل أم قصير؟ نحيف أم سمين، ما لون عينيه.

وبما أنه لا يعرف الإجابة على أي من هذه الأسئلة فقد صمت من جديد مما دفع المحقق لكي يفاجئه بحقيقة جديدة تجعل صمته بلا معنى:

– نحن نعرف أنك تقابله، عليك أن تدلنا عليه لأنك لن تخرج من هذه الغرفة قبل أن تفعل ذلك.

عندها لم يجد بدا من البكاء قائلا:

– أقسم لك يا سيدي أنني لا أعرف شخصا بهذا الاسم.

تنفس المحقق بضيق ينم عن فقدان صبره وفتح درجا في طاولته أخرج منه رزمة من صور لرسائل متبادلة بينه وبين سوزان.

أما سوزان فهي سائحة أجنبية التقى بها منذ عام على الشاطئ ونشأت بينهما علاقة استمرت لأسبوع لم يتمكن لا هو ولا هي من نسيانه، فقد كان أفضل أسبوع من العمر لهما معا، أسبوعا كان فيه الشاطئ قطعة من الجنة، ولذلك فقد تطورت العلاقة إلى حب عنيف تمخض عنه عدد كبير من الرسائل المتبادلة بينه وبينها بعد أن غادرت سوزان إلى بلدها، وما أخرجة المحقق من الدرج كان صورا لتلك الرسائل بالتحديد.

– في الخامس عشر من نيسان تسألك سوزان في نهاية الرسالة عن صحة المسيو جاك.

قال المحقق متأملا ضحيته التي يجب أن تقر بالحقيقة بعد كشف هذا الدليل القاطع، ثم سحب ورقة أخرى من الرزمة وتابع:

– في السادس عشر من نيسان ترد عليها قائلا ( المسيو جاك مشتاق لك) وفي الثلاثين من نيسان تتلقى ردا تؤكد فيه سوزان أنها أيضا مشتاقة له، فتعلمها في الثاني من أيار أنه يعاني من وعكه، فترد هي في الخامس عشر من أيار موصية إياك بأن تهتم به ولا تهمله لأن لا قيمة لك بدونه، وفي السابع عشر ترد أنت قائلا أنك شديد الحرص عليه وأنه قد تعافى من الوعكة، وفي الثلاثين من أيار تطلب منك سوزان ألا تكشفه لأحد فتعدها في الأول من حزيران بأنك لن تفعل ذلك لأنك تعرف أهميته.

وبينما تابع المحقق قراءة المقتطفات المتعلقة بالمسيو جاك في رسائل الاثنين كان صاحبنا قد تذكر المسيو جاك وتلك الليالي التي قضاها مع سوزان التي أطلقت اسم المسيو جاك على البطل الأساسي لتلك الليالي لكي تتجنب نطق التسمية الحقيقية التي كانت تعتبرها بذيئة.

قهقه بشكل هستيري ولم يتمكن من التوقف عن الضحك حتى عندما صرخ به المحقق، لا بل أن العنصرين اللذين كانا يقفان عند الباب أصيبا بعدوى الضحك فأخذت تفلت من بين شفاههما ضحكات لم يتمكنا من كبتها، وعندما انتهى ذلك أعلم صاحبنا المحقق بماهية المسيو جاك ماسحا الدموع التي أفرزها الضحك.

سيطر على المحقق صمت من ذلك النوع الذي يرافق شخصا عندما يفشل في مهمة ما فيبحث عن طريق آخر للنجاح فأمر الحارسين باقتياده إلى غرفة التعذيب، وهناك لم يتغير شيء يفيد التحقيق، حيث كان يكرر نفس الإجابة رغم تلك الركلات الموجعة التي كان يتلقاها على المسيو جاك كلما أكد لهم من هو المسيو جاك.

تناوب عليه المحققون والجلادون ولكنه لم يغير شيئا في أقواله مما جعلهم يصدقون أخيرا فيطلقون سراحه.

عاد إلى بيته فوجد في صندوق البريد عشرات الرسائل التي أرسلتها سوزان في غيابه، وكلها كانت تنتهي بالسؤال عن المسيو جاك الذي كان قد خمد نهائيا بسبب الرعب الذي أصابه والركلات الكثيرة التي تلقاها أثناء التحقق من هويته ولذلك فقد أصبح صاحبنا على قناعة تامة بأن الحب الذي كان يربطه بسوزان قد تعرض للدمار التام بعد مأساة المسيو جاك الذي كان أول وأهم مقومات ذلك الحب، ولهذا فقد جلس إلى الطاولة وكتب في رده على رسائل سوزان المطولة رسالة لم تحتو سوى على ثلاثة كلمات: (المسيو جاك مات).

***

نهاية غير معروفة لقصة معروفة

الجميع يعرفون قصة “سندريلا” وما جرى لها مع الأمير، والعز الذي يفترض أنها عاشت فيه بعد أن تحولت من خادمة إلى أميرة، ولكن كعادة المؤرخين دائما ، فإنهم لا ينقلون لنا الجزء الأسود من القصة، وهذا ما فعلوه مع  “البواب” الذي أصبح رأسه مطلوبا بعد العثور على “سندريلا” بدقائق.

بسبب الفرح الذي كان يسيطر على الأمير بعد عثوره على حبيبة قلبه “سندريلا” لم يكن يسيطر على سرعة عربته التي يجرها ستة عشر حصانا، شاقة الطرقات نحو القصر وكأنها ريح عاتية، ولذلك لم يلحق “البواب” أن يبتعد عن الطريق الذي كان في وسطه متجها إلى طرفه المقابل، ولولا لطف الله لكانت عجلات العربة فرمته وحولته إلى عشرين قطعة. 

نهض “البواب” وقبل أن ينفض الغبار العالق على ثيابه صرخ موبخا السائق:

– انتبه يا بني آدم.  

لم يكن “البواب” يعرف من هو السائق، ولم يكن يتوقع أبد أن العربة ستفرمل ويترجل منها أربعة رجال يرتدون ملابس المرافقة السوداء، ليصرخ به أحدهم:

– تعال إلى هنا أيها الوغد.

أدرك “البواب” عندما شاهد هؤلاء أن قدره قد كشر له عن أنيابه وقال في سره: (ليت عجلات العربة فرمتني وأراحتني من هذا المصير)، ولكن الروح غالية والحيوان لا يمكن أن يستسلم للموت حتى لو سدت عليه الوحوش جميع منافذ الهرب، و “البواب” الذي كان يشعر أنه الآن حيوان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فكر بنفس الطريقة، ودفعه صراع البقاء لكي يسلم ساقيه للريح.

لحق الرجال الأربعة بـ “البواب” بسرعة هائلة يبدو أنهم تدربوا كثيراً لبلوغها، ولو تهيأ لهم وشاركوا في بطولات الجري لما كان لهم منافس على المراكز الأربعة الأولى، ولكن التدريب مهما كان طويلا ومتقنا وحتى المنشطات التي مهما بلغت فاعليتها لا توازي الخوف في دفع السرعة إلى أقصى مستوياتها، ولذلك فقد تمكن “البواب” من جعل المسافة التي بينهم تتصاعد رويدا رويدا إلى أن تهيأ له أنهم فقدوا أثره، ولكن ومن باب الحيطة تابع ركضه إلى الأمام لكي يقطع الشك باليقين، وكما حدث مع “سندريلا ” حدث مع “البواب” ، فقد أفلتت فردة حذائه اليمنى من قدمه، وبسبب السرعة التي كان يجري بها فقد قطع عدة أمتار قبل أن يشعر بذلك، فتوقف وقرر العودة لالتقاطها ولكنه لم يكمل خطوته الأولى إلى الوراء حتى شاهد الرجال الأربعة يخرجون من خلف المنعطف بنفس السرعة التي انطلقوا فيها، فأدرك أنهم لم يفقدوا أثره كما تهيأ له، (إنهم لا يفقدون الأثر) قال لنفسه ولم يتورع عن التضحية بفردة حذائه وأطلق ساقيه للريح.

عندما وصل الرجال الأربعة إلى فردة الحذاء توقفوا وتناولها أحدهم وقرروا العودة إلى المقر، فخبرتهم في البحث عن “سندريلا” تجعلهم يتمكنون من اكتشاف هذا الرجل الذي كانوا يجهلون أن اسمه “البواب”.

ضرب الأمير بقوة على سطح الطاولة، ضربة اهتزت لها أركان العرش وصاح بصوت بعث الرعب في قلب “سندريلا” وجعلها تتمنى لو بقيت خادمة عند زوجة أبيها:

– قيسوا الحذاء على أرجل الجميع.

وقبل صياح الديك كان الخبر قد تفشى في أوساط الجماهير ودب الرعب في البلد، خاصة وأن أحدا لا يعرف مقاس فردة ذلك الحذاء المشؤوم، لم يغمض لرجل جفن خوفا من أن يطابق الحذاء مقاس رجله وأخذ كل يبحث عن مهرب من هذه الورطة التي تكلف رقبة، ففكر بعضهم بالهرب من المدينة ريثما تمر العاصفة، ولكنهم سرعان ما تخلوا عن هذه الفكرة بعد أن اكتشفوا أن مفارز الحراسة قد أغلقت جميع أبواب المدينة ومنعت أحدا من الخروج أو الدخول.

ومثلما دفع الخوف “البواب” لكي يكون أسرع رجل في العالم فقد دفعه لكي يكون أذكى رجل في العالم أيضا، خاصة وأنه بخلاف الآخرين يعرف أن فردة الحذاء ستطابق مقاس رجله، وتوصل إلى طريقة تخلصه من الخضوع للاختبار المنتظر، فتناول عصا وأخذ يضرب بها رجله اليمنى حتى هشمها، وساعدته بذلك زوجته بدافع الحب، ومثلما سرت شائعة الحذاء بسرعة تفشت وصفة “البواب”، وقبل أن تشرق خيوط الصباح الأولى كان جميع رجال المدينة يسيرون على عكازاتهم الخشبية بعد أن قام كل منهم بكسر رجليه، فهم لا يعرفون أية فردة حذاء أفلتت من رجل ذلك الكلب (هكذا كانوا يسمون الرجل المجهول الذي سبب لهم هذا البلاء والذي هو “البواب”) .

وأمام كوة الغرفة التي خصصت لإجراء الاختبار في اليوم التالي كان يصطف طابور مكون من آلاف الرجال الذين يتكئون على عكازاتهم بأرجل ملفوفة بالجص منتظرين ما الذي سيفعله رجال الأمير.

أما خلف الكوة فقد كانت تبدو وجوه رجال الأمير الحائرة فيما تفعله.

سأل أحد رجال الأمير الآخر:

– ماذا سنفعل الآن؟

– سننتظر حتى ينزعوا الجص عن أرجلهم.

أجابه الآخر و تناول فردة الحذاء القرينة ونهض، ثم خرج رجال الأمير من باب الغرفة كل يتكئ على عكازيه ويجر رجليه المضمدتين بالجص.

ومنذ ذلك اليوم وحراس الأمير ينتظرون أن ينزع الجص عن أرجل الرعية، ورجال البلد يكسرون أرجلهم كلما تماثلت للشفاء، رغم أن البواب قد مات في نهاية أخرى غير معروفة لقصة أخرى غير معروفة أيضا.

***

رسالة حب

كان من المهجع الأول، هو لا يعرفني ولكن أحدهم أرشده إلي وأخبره بأن سبيلي سيخلى غدا، ولذلك اقترب مني أثناء فترة التنفس ورجاني بعد أن عرفني بنفسه، أن أنقل له رسالة إلى خارج السجن، أنا في الحقيقة كان يجب أن أرفض فهذا الأمر ممنوع منعا باتا، وفي السجن إذا ارتكبت موبقة من هذا النوع فإنك لا تدفع مخالفة خمسين ليرة، ولا رشوة خمسة وعشرين ليرة، إذا ارتكبت مثل هذا الخطأ في السجن فإن في انتظارك “زب الثور” على اقل تقدير، عدم المؤاخذة يعني، ولكنك عندما ترى التوسل في عيني أحدهم تأخذك النخوة وتوافق، ولهذا فقد وافقت تحت تأثيرشهامتي على نقل رسالته.

الرسالة كانت جاهزة لديه، فسرعان ما استل من جيب “بدريسته” علبة حمراء طويلة وأخبرني أنه لف رسالته في آخر سيجارة في العلبة، أما أنا فقد أعمت علبة السجائر عيوني، فمنذ عشرة أيام تقريبا لم ادخن سيجارة واحدة،  فلقد انتهت سجائري ونقودي ولم يعد بإمكاني الحصول على سيجارة إلا عن طريق التسول.

خجلت أن اتناول سيجارة من العلبة  امامه في باحة التنفس، ولكنني بعد نهاية التنفس وعودتي إلى المهجع فعلت ذلك قبل أن استقر على (يطقي)، سحبت سيجارة وأشعلتها وأخذت اسحب انفاسا عميقة منها ثم أنفخها في  فضاء المهجع حتى يصل دخانها إلى السقف  وكنت أشاهد كيف تخرج خيوط منها عبر الكوة التي في السقف.

السجائر الباقية وإن كنت قد سحبتها من العلبة بشكل آلي أيضا، إلا انني لم أدخنها بنفس النهم، فبعد أربعة او خمسة سجائر كنت  قد اشبعت جوعي وخرجت من حالة الخرم الشديد التي كنت فيها، ثلاثة او اربعة اشخاص انتبهوا لوجود علبة السجائر معي فحصل كل منهم على واحدة فيما يشبه عملية تسول.

استمر هذا البطر حتى العاشرة ليلا، حيث أخرجت سيجارة فوجئت بأنها الأخيرة، تلك التي فيها الرسالة،  اصبت بالرعب، سيكتشف أمري حتما إذا لم افعل شيئا، علبة فيها سيجارة واحدة، لا بد أنهم سيكتشفون الأمر، هايل الكلب يجد متعة في تفتيش السجناء، يفعل ذلك بنظرة سادية في عينيه لا يمكن إلا أن تثير الاشمئزاز في نفسك، وإذا عثر على شيء فإنه سيمارس ساديته بكل سرور، لا… يجب العثور على طريقة أخرى لتهريب الرسالة.

خياراتي كانت محدودة جدا، ولذلك لم ابذل جهدا كبيرا في تقليبها، تناولت البسطار وسلخت بطانة نعله و قمت بدس الرسالة هناك، ثم لبسته وأخذت اسير فيه بدلا من الشحاطة، لكي تستقر الرسالة فلا يجد هايل السجان بروزا في حال مد يده للبحث في البسطار، يمكن أن يفعلها هذا الحقير، إنه لا يقرف من شيء.

في اليوم التالي وفي الساعة العاشرة تقريبا، تليت اسماء ستة أشخاص وطلب منهم الخروج إلى الباحة، خرجنا إلى الباحة ووقفنا في النسق المتعارف عليه، ولخمس دقائق لم يقترب منا أحد، ثم جاء عدد من الحراس على رأسهم هايل وبدأت عملية التفتيش.

الحمد لله، لم أكن من نصيب هايل الذي توجه إلى سجين آخر، وقد كان واضحا أن الحارس الذي يفتشني يفعل ذلك بروتينية تدل على أنه لا يطمح للعثور على شيء معي، مما بعث في نفسي بعض الطمأنينة، في الحقيقة لم تكن ملامح الحارس عدوانية وشعرت في نظراته ببعض التعاطف وربما الاعتذار، كل شيء كان على ما يرام، حتى إن عثر على شيء فإنه سيتجاهل الأمر، إنه يقول ذلك دون أن ينطقه، أخذت دقات قلبي تستقر شيئا فشيئا حتى شعرت بها طبيعية، واختفت حالة الخوف كليا وقيد شعرة كان يفصلني عن الجنة، ولكن في وجود هايل السجان لا مجال للحديث عن الجنة ولا عن الخير ولا عن أي شيء آخر يمكن ان يبعث في نفس الانسان غير اللون الأسود الغامق، انفجر هذا الكلب في سعار مفاجئ، وعندما ينفجر هايل  فإنه من غير الممكن معرفة السبب، حيث تسود حالة هستيرية  يشعر المرء خلالها أن كلبا على وشك التهام محاشمه، انتقض هايل على أحد السجناء واخذ يلكمه حتى  رماه ارضا ثم وجه إليه عدة ركلات ثم استدار نحونا وصاح بهسترية والشرر يتطاير من عينيه (رملاااااااا).

عندما يقول هايل رملا  فإنه لا يقصد تلك الهرولة التي قد تتبادر إلى ذهنك، عندما يقول هايل ذلك عليك أن تلقي في مراجلك كل ما لديك من الفحم وتنطلق بأقصى سرعة، لكي تتحاشى ركلاته التي يوجهها لمن يتستطيع الوصول إليه.

مضى وقت طويل ونحن نركض من جدار إلى جدار،  وقت لا أعرف كم استمر لم نكن نسمع خلاله إلا ( اسرع.. اسرع ولاك..)، وعندما أتانا أمر هايل (وقوف قف) بعد طول انتظار كنا بالكاد نلتقط انفاسنا وعيوننا تكاد تخرج من محاجرها وبعضنا اخذ يسعل، وكنا نسبح في عرقنا، كنت أشعر بقدمي وكأنها في مستنقع عندما كنت أتحرك.

أول شيء فعلته بعد خروجي من السجن هو الابتعاد عن بوابة السجن، أما الشيء الثاني فقد جلست على الرصيف وخلعت الفردة اليمنى من بسطاري حيث قمت بدس الرسالة، ولكنني لم اعثر هناك على ورقة، عثرت على شيء لزج أخرجته بأكبر قدر من الحذر لكي لا أمزقه، وعندما تمكنت من ذلك اكتشفت ان الرسالة تحولت إلى عجينة ورقية  مضمخة بالحبر، لم ينج منها سوى زاويتها التي اتسعت لكلمة واحدة وحرف من الكلمة التي بعدها :                (حبيبتي ســــ)  أهي سعاد.. ام سناء..أم سها.. أم سوسن..لا احد يعلم ذلك إلا السجين الذي قدم لي علبة السجائر، والذي نسيت اسمه.

***

العريف جمال

كان العريف جمال طوال النهار يسرد علينا متباهيا قصص البطولات التي قام بها والتي دخل بسببها السجن، ولأنه أثناء حديثه كان يغدق على الجميع بالسجائر التي يفتقد غالبيتنا إليها فقد كنا نصدقه، أما في الليل فقد كان يتدثر إلى فوق رأسه ويغط في بكاء عميق، وكنا أيضا نصدقه، رغم أنه لم يكن يضيفنا السجائر.

***

الرقيب 

عندما اقتادنا هايل السجان إلى حلاق السجن الذي هيأ كرسيا لحلاقة الرؤوس التي اصطفت في رتل كنت أقف في آخره وقال له:

– الرقيب لا تحلق له على الصفر، احلق له “إنكليزية”.*

شعرت بشيء من الاعتداد لأن هناك ما يميزني عن بقية الجنود الذين كانوا يصطفون أمامي في ذلك الرتل.

ولكن الحلاق الذي لم يستطع تمييز الرقيب عن باقي العناصر بعد أن نزعوا عنا الرتب والملحقات الأخرى التي ينزعونها في السجن، تساءل:

– أيهم الرقيب؟

فأجابه هايل السجان:

– الجحش الذي في نهاية الرتل.

*****

خاص بأوكسجين


كاتب وسيناريست من سورية. كتب العديد من المسلسلات الدرامية السورية التي حققت نجاحاً كبيراً منها: "ضيعة ضايعة"" بجزأيه، ""بطل من هذا الزمن""، و""الخربة""، و""ضبو الشناتي"" وغيرها الكثير. من مؤلفاته: ""فن الكاريكاتير من جدران الكهوف إلى أعمدة الصحافة"" وأعمالاً قصصية منها: ""المحطة الأخيرة""، و""جلنار""، ومسرحية للأطفال بعنوان ""صانع الفراء"". صدر له مؤخراً عن دار ممدوح عدوان مجموعة قصصية بعنوان ""دفاتر الأباطرة""."

مساهمات أخرى للكاتب/ة: