نتوءٌ لحميّ بارز
العدد 266 | 01 آب 2021
خالد بن صالح


 

إلى زياد عبدالله

 

كانت تكرهُ أن تقول لي ذلك، لكنَّها لا تُخفيه: “ستكتب”.

هذا ما لا شكَّ فيه، وما أحاولُ الكتابة عنه الآن في أحد دفاتري الأثيرة. أمَّا الشكّ الحقيقيّ، حقلُ الغربانِ الشاسع، فهو ما يؤرقني، ويجعلني أتمنى لو كنتُ فزَّاعةً، صُنعت كيفما أتفق، لتطردَ هذه الغربانِ التي سوادها يتواطأ بشكلٍ قاتل مع سواد ليالي سنواتٍ عقيمةٍ من اللاكتابة. عدَّادُ العمر وصلَ إلى سن 42، ولم أستطع أن أكونَ كاتباً. لم أدوِّن يوماً شيئاً يُمكنني تسميتُه مسودة، ويستحق المُراجعة وإعادة الكتابة لاحقاً. هناك أمرٌ قد يبدو مجرَّد تفصيلٍ ثانويٍّ، لكن لا بد أن أذكره، وهو ارتباطي العجيب بالستيلو الأكحل Le stylo noir. يقول زملائي في العمل إن الأخبار التي أحرِّرُها بخطِّ يدي وبقلمٍ أسود جافّ يقسُو على سطح الورقة بكلماتٍ كأنَّها حُفرت بمِعْوَل؛ تكونُ أكثرَ جودةً وأوضحَ من تلك الأخبار التي أضطرُّ أحياناً إلى كتابتها بلونٍ مُغاير. والصراحة أنني أجهلُ السبب، ولم أرسُ يوماً على إجابةٍ لسؤال: لماذا أحبُّ الكتابة باللَّون الأسود؟ وبتلك الطريقة القاسية التي تجعل وُسطى يدي اليُسرى تنتهي بنتوء لحميٍّ بارز.

أعودُ إلى دفاتر الكتابة، فرُغم كوني لستُ كاتباً، إلَّا أنني اقتنيها باستمرار، وتلك قصَّةٌ أخرى. أملك عشرات الدفاتر الفارغة. حتَّى أنني لا أشعر بأيِّ حرج أو استياء كونها تتراكمُ سنةً بعد أخرى على رفوف مكتبتي المُرتحلة، وفي أدراج مكتبي الصغير، دون أن أخربشَ على صفحاتها جملة واحدة. الأغربُ من ذلك ربَّما، هو عودتي إليها من حين إلى آخر لأتفقدَّها، كما أتفقَّدُ كتاباً قرأته يوماً وأمسكَ بي، ثمَّ أروحُ أُقلِّب تلك الصفحات الفارغة كمَنْ يُقلِّب صفحات كتابٍ آخر تركَ، في نفسِه، أثراً لا تُغفِلُهُ عينٌ. أستطيعُ الجزْمَ أنَّه في المرَّات القليلة التي يزورني فيها أحدُ الأصدقاء الكُتَّاب إلى بيتي، وأهديه واحداً من دفاتري الأثيرة، ينتابُني بعد ذهابهِ ندمٌ شديدٌ. ليس بُخلاً، لا أبداً، والأمر، بلا أدنى شكّ، أبعد عن هذا الحُكم المُسبَق، إنَّما لشعوٍر طفوليٍّ بالتعَلُّق. تلك هي ألعابي المُفضلَّة، وربَّما ألعابي الوحيدة التي قد أكون حُرمتُ منها في طفولتي، وها هي تعودُ كلُّها في شكلِ دفاتر كتابة. غبطتي تكبر حين يُعبِّر لي ذلك الصديق عن إعجابه بهديتي. كيف لا وأنا لم أترك بلداً زرتُهُ، ولا مدينةً، ولا مكتبةً أو متجراً يبيعُ دفترَ كتابةٍ، يكفي أن يثيرَ حواسِّي حين أتصفّحُه، حتّى أقتنيه. نادراً ما أسأل عن السعر، ويحدثُ أن أشتري دفاترَ كتابةٍ بأسعار مُضاعفة دون أدنى شعور بالندم، خاصَّة في المطارات، فرصة الاقتناء الأخيرة. وحين يُهديني أحدُهم كتابه الصادر حديثاً، أشعر بالخجل من نفسي وأنا أردِّد في صمتٍ خبيث: لو كان دفتراً خفيفاً، فارغاً، وجميلاً لكانت فرحتي أكبر. لعلَّني أشتركُ مع أصدقائي الكُتَّاب، الذين غالباً ما أجري معهم حوارات ولقاءات أدبيَّة احتفاءً بكُتُبِهم، في أمر يبدو لهم غيرَ مرئي؛ وهو أني مُحتَرِفُ دفاترَ كتابةٍ، وإن كانت فارغةً. وأعتبرهم، أي أصدقائي الكُتَّاب، توائمَ روحي، وإن بدا الأمرُ، في أسوأ الأحوال، كحُبٍّ من طرفٍ واحدٍ، كونهم كُتَّاباً وتلك حرفتُهم، وكوني لست كذلك.

كثيرٌ منهُم، أصدقاء وأقارب، اكتشفوا مع مرورِ الوقتِ شَغَفي بالدفاتر، وكثيراً ما تحوَّلت حفلاتُ عيدِ ميلادي إلى بيغْ بانغٍ صغيرٍ يُعلنُ ولادتي مرَّة ثانية، حين أُهدى دفتراً. وكثيراً، أيضاً، ما خُيِّرتُ بين الدفاتر وهدايا مثلَ سمارت فون أو حذاء إيطالي أنيق، كما تفعل أختي المسكينة، المُقيمة في فرنسا، ويخيبُ ظنُّها في النهاية لتقول لي: “كنت عارفة، راني غير نتعَّب في روحي معاك”. الأغرب ربَّما، هو أني لستُ مُحرجاً على الاطلاق، ولم أكنْ يوماً، من امتلاكي لدفاتر كتابةٍ فارغةٍ منذُ أكثر من عشر سنوات، إلى غاية آخر دفتر اقتنيته منذ أسبوعيْنِ من إحدى مكتبات بوسعادة بغلاف يشبه إحدى لوحات كاندينسكي التجريديَّة.

 قد يكون هناك سؤالٌ مُعلَّقٌ في مكان ما يصعب الوصول إليه، يحتاج إلى إجابةٍ قطعية وحاسمة، حتَّى لا يتحوَّل الأمر إلى مَرَضٍ نَفْسيّ، أو هَوَسٍ مَرَضِيّ قد يتفاقم مع الأيام والسنوات، وأُصبح شبيهاً بمَنْ يقوم بتجميع ألبسة نسوية داخلية، باقتنائها أو بسرقتها من حبال الغسيل القريبة، دون أن يكون قد نامَ مع امرأةٍ واحدةٍ في حياتهِ، أو دون حتّى أن يُمَارس، على تلك الأشياء الناعمة، العادة السرِّية.  لا أنكر أنني حاولت البحث عن ذلك السؤال المعلَّق حتى أجدَ لهُ إجابةً. قرأتُ كتباً وشاهدتُ أفلاماً عديدةً عن كُتّاب يكتُبون نصوصهم القصصية أو الشعرية أو رواياتهم على دفاترَ تحكي، عن نفسها، قصَّةً موازيةً لتلك التي تُكتَب على صفحاتها. لا أنكر أني لم أتأثر كما ينبغي، حين حوَّلَ الكلبُ “مورفي” قصائدَ بطل فيلم “باترسون” إلى قطعٍ ورقيةٍ يستحيل جمعُها، وباترسون، وهذا اسم البطل أيضاً، شاعر موهوب لا يملكُ نسخةً ثانيةً من قصائده المكتوبة على ذلك الدفتر. بل، إلى جانب عدم التأثر، حسدته على لقائه بسائح ياباني قَدِمَ، في المشهد الأخير من الفيلم، خصِّيصاً إلى مدينة باترسون ليتلمَّس أثر شاعرها وليم كارلوس وليامز، وليُهدي بطلنا المنكوب دفترَ كتابة جديد.

 يحدُث أحياناً أن أقتني أو أُهدَى دفاترَ لا تُعجبني بعد تفحُّصها جيٍّداً، فأضعها على جنب لفترة لا تطول كثيراً، حتى لا أمنحها امتيازَ أن تبقى فارغةً مثل حشدِ الدفاتر التي أحِبُّها. أسحبُ أقربَ كتابٍ يَقَعُ بين يديَّ واختارُ مقاطع وعبارات لأدوِّنها بقلم أسود جاف على صفحات تلك الدفاتر، أو دفاتر الدرَجَة الثانية كما صنَّفتُها لاحقاً. أبقى أياماً أقتبسُ نصوصاً ومقولاتٍ لكُتَّاب وفلاسفة ورسّامين وممثّلين وحتّى رياضيّين إلى أنْ أملأها. لينتابني، بعدها، شعورٌ غامضٌ بالرَّاحة، كمَنْ انتهى للتّو من عقوبةٍ مدرسيَّة قديمة تقتضي منه كتابةَ عبارةٍ محدَّدة عشراتِ المرَّات.

الدفترُ الأنيقُ هو بمثابةِ أيقونةٍ فارغةٍ، يستطيع أيُّ قدِّيسٍ مُشرَّدٍ أن يأوي إليها. الدفترُ النظيفُ هو ملجأٌ للكلماتِ المُهَمَّشة، المرمِيَّة على قارعة الطريق، أو تلك المُتردِّدة الهائمة على وجهها. الدفترُ الفارغُ هو ببساطة دفترٌ فارغٌ يصلح يوماً ما للكتابة.

*****

خاص بأوكسجين


شاعر من الجزائر صدر له "سعال ملائكة متعبين" 2010، "مائة وعشرون متراً عن البيت" 2012، و"الرقص بأطراف مستعارة" 2016، و"يوميات رجل إفريقي يرتدي قميصاً مزهراً، ويدخن L&M في زمن الثورة" 2019. و"مرثية الأبطال الخارقين" 2023.