من رواية ” التآمُر على أميركا “
العدد 246 | 01 آب 2019
فيليب روث


 

حزيران 1940- تشرين أول 1940

 

صوِّتوا لليندبرغ  ، أو صوِّتوا للحرب

 

    إنَّ الخوف يُهيمن على هذه الذكريات ، خوف دائم . طبعاً لا تخلو طفولةٌ من فترات رعب ، لكنني أتساءل إنْ كنتُ سأصبح أقلّ خوفاً لو أنَّ ليندبرغ لم يكن رئيساً أو لم أكن أنا يهودياً .

    عندما وقعَتْ الصدمة الأولى في حزيران من عام 1940 – ترشيح تشارلز أ. ليندبرغ ، بطل الطيران الأميركي ، من قِبَل المؤتمر الجمهوري الذي عُقِدَ في فيلادلفيا ، لرئاسة الجمهورية – كان والدي في التاسعة والثلاثين ، يعمل وكيلاً لشركة تأمين وحاصلاً على الشهادة الابتدائية ، ويكسب أقلّ من خمسين دولاراً بقليل في الأسبوع ، وهو مبلغ كافٍ لتسديد الفواتير الأساسية في موعدها ويزيد قليلاً . وأمي – التي كانت تود أنْ تلتحق بمعهد المعلمين ولكنها لم تتمكن من ذلك بسبب التكاليف ، والتي لزمتْ المنزل وعملتْ كسكرتيرة مكتب بعد إنهاء المرحلة الثانوية ، والتي أبعَدَت عنا الشعور بأنَّنا فقراء خلال أشد مراحل فترة الكساد الاقتصادي سوءاً بوضع ميزانية لِما كان والدي يكسبه ويُحضره إليها في كل يوم جمعة بكفاءة عالية لا تقل عن كفاءتها كمدبّرة منزل – كانت في السادسة والثلاثين . أخي ، ساندي ، في الصف السابع وصاحب موهبة خارقة في الرسم ، كان في الثانية عشرة ، وأنا ، في الصف الثالث ومتقدم بمقدار فصل – وجامع طوابع مُبتدئ ألهَمَه كما كان حال ملايين الأطفال رائدُ جمع الطوابع في البلد كله الرئيس روزفلت – كنتُ في السابعة .

    كنا نعيش في شقّة في الطابق الثاني من منزل عائلي صغير مؤلَّف من طابقَين ونصف في شارع تصطفُّ على طوله الأشجار ومؤلَّف من منازل خشبية الواجهات وأسطح مائلة من القرميد ، وتعلو سطع كلٍ منها قُبّة وأمامه فناء صغير جداً مُحاط بسياج من الشجيرات المنخفضة . كان الحي اليهودي قد بُنيَ على أرض مزرعة عند الطرف الجنوبي الغربي غير المتطور من نيوارك بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى ، سُميَ عددٌ من الشوارع ، بفخامة ، بأسماء قادة ظافرين في سلاح البحرية في الحرب الأسبانية-الأميركية وسُميَتْ دار السينما المحلية ، على اسم نسيب بعيد لـ فرانك ديلاني روزفلت – ورئيس البلاد السادس والعشرين – روزفلت . وشارعنا ، جادّة القمة ، الذي يتبوّأ قمة تل مُجاور ، مُرتَفَع لا يختلف في علوّه عن أي تل في مدينة مرفأ نادراً ما يزيد ارتفاعه عن مائة قدم عن سطح المستنقع المالح الناتج عن حركة المدّ والجذر في الجانب الشمالي الشرقي من المدينة والخليج العميق الذي يقع إلى الشرق من المطار الذي ينعطف حول حاويات النفط في شبه جزيرة بايون ويمتزج هناك مع خليج نيويورك ليتدفَّق ماراً بتمثال الحرية ثم يغوص في الأطلسي . وعند النظر عبر نافذة غرفة نومنا الخلفية غرباً يمكننا أحياناً أنْ نرى داخل اليابسة وحتى خط الأشجار القاتم لواتشونغ ، وهو سلسلة منخفضة من الجبال تحدّها عقارات مترامية ، وضواحٍ غنية ، قليلة السكان ، تمثّل الحدود القصوى للعالم المعروف – وتقع على مسافة ثمانية أميال من منزلنا . وعلى مسافة قريبة إلى الجنوب كانت تقع بلدة هيلسايد الخاصة بطبقة العمال ، وسكانها في الغالب من غير اليهود . وحدود بلدة هيلسايد هي بداية ولاية يونيون ، وهي نسخة طبق الأصل من نيو جرسي .

    في عام 1940 كنا عائلة سعيدة . كان والداي دائميّ الخروج من المنزل ، ومضيافَين ، اختارا أصدقاءهما من بين زملاء أبي في العمل ومن النساء اللائي كنَّ مع أمي يُساعدنَ في تنظيم اتحاد الآباء والمعلّمين في مدرسة جادة تشانسلر المبنيّة حديثاً ، وكنتُ مع أخي ندرس فيها . كلهم كانوا من اليهود . ورجال الحي أيضاً كانوا إما لهم تجارتهم الخاصة – مُلاّكاً لمحال بيع الحلويات ، أو البقالية ، أو بيع مجوهرات ، أو بيع ملابس ، أو بيع مفروشات ، أو محطة وقود ، أو بيع المعلبات ، أو مُلاّكاً لمحال صغيرة للصناعات من خط نيوارك-إرفنغتُن ، أو عمّال سمكرة ، وعمال كهرباء ، ودهّانين ، وصانعي مراجل يعملون لصالح أنفسهم – أو باعة متجولين مثل والدي ، يخرجون في كل يوم إلى شوارع المدينة وإلى منازل الناس ، يبيعون بضائعهم على أساس العمولة . والأطباء والمحامون اليهود والتجّار الناجحون الذين يملكون مخازن كبيرة في قلب البلد كانوا يعيشون في منازل العائلات الواحدة في شوارع تتفرَّع ناحية المنحدر الشرقي لتل جادّة تشانسلر ، بالقرب من متنزّه اليهود العام كثيف الأشجار والعشب ، وهو مشهد طبيعي مساحته ثلاثمائة أكر تفصل بركةُ التجديف فيه ، ومضمارُ لعبة الغولف ، ومضمار سباق الخيل منطقةَ اليهود عن المصانع ومحطات انطلاق سفن الشحن على طول الطريق رقم 27 وجسر سكة حديد بنسلفانيا إلى الشرق من ذلك والمطار المُزدهر إلى الشرق منه وطرف حافة أميركا إلى الشرق منه – مستودعات ومراسي مرفأ نيوارك ، حيث يُفرغون البضائع من كل أرجاء العالم . وعند الطرف الشرقي للحي ، الطرف الخالي من أي متنزّه عام حيث كنا نعيش ، هناك كان يُقيم أستاذ مدرسة غير دائم أو صيدلي وفيما عدا ذلك كان هناك بضعة محترفين من بين جيراننا المُباشرين وطبعاً لم يكن هناك أيٌ من عائلات المقاولين أو أصحاب المصانع المزدهرين . كان الرجال يعملون خمسين ، أو ستين أو حتى سبعين أو أكثر ساعة في الأسبوع ؛ وكانت النسوة يعملن طوال الوقت ، من دون مساعدة أدوات توفير الجهد ، يغسلن الملابس ، ويكوين القمصان ، ويرتقنَ الجوارب ، ويقلبن الياقات ، ويُثبّتن الأزرار ، ويزلن العث عن الملابس الصوفية ، ويُلمّعن قطع الأثاث ، ويكنسن الأرضيات ويغسلنها ، ويُنظّفن النوافذ ، والبالوعات ، وأحواض الاغتسال ، والمراحيض ، والمدافئ ، وينفضنَ الأبسطة ، ويرعين المرضى ، ويشترين الطعام ، ويطبخن الوجبات ، ويُطعمنَ الأقارب ، ويُرتّبن دواليب الملابس والأدراج ، ويُشرفنَ على عمليات الدهان والإصلاح في المنزل ، ويُعددنَ لإقامة الطقوس الدينية ، ويُسددنَ الفواتير ويُدرن سجلات العائلة وفي الوقت نفسه يسهرن على صحة أطفالهن ، وملابسهم ، ونظافتهم ، وتدريسهم ، وتغذيتهم ، وحُسن سلوكهم ، وأعياد ميلادهم ، وانضباطهم ، ومعنوياتهم . قليل من النساء كنَّ يكدحن مع أزواجهن في المحلات التجارية التي تملكها العائلة في شوارع المحلات التجارية المجاورة ، يُساعدونهنَّ بعد انتهاء دوام المدرسة وفي أيام السبت أولادهنَّ الأكبر سناً ، فيوصلون الطلبات ويعتنون بالمخزون ويقومون بالتنظيف .

    كان العمل هو ما يُميِّز ويُعرِّف جيراننا بالنسبة إليّ أكثر من الدِين بكثير . لا أحد في الحي كان يُرسِل لحية أو يرتدي أزياء عتيقة من العالم القديم أو يعتمر قلنسوة ضيّقة سواء خارج أو داخل المنازل التي كنتُ أتردَّد عليها روتينياً مع أصدقاء طفولتي . ولم يعُد الراشدون يتقيّدون جدياً بالسلوكيات الظاهرية ، الملحوظة ، هذا إذا افترضنا أنهم كانوا يتقيّدون بها أصلاً ، وبغضّ النظر عن أصحاب الدكاكين الأكبر سناً كالخيّاط وبائع اللَّحم الحلال – والشيوخ المرضى والعجزة الذين يعيشون في فاقة مع أولادهم البالغين – لم يكن أحد في الجوار يتكلَّم مع لكنة . وبحلول عام 1940 كان الآباء اليهود وأولادهم في الزاوية الجنوبية الشرقية من أكبر مدينة في نيو جرسي يتحادثون باللكنة الإنكليزية الأميركية التي بدتْ أقرب إلى اللغة المحكية في بلدتيّ ألتونا أو بنغامتن منها إلى اللهجات المحلية المحكية كما هو معلوم على الطرف المقابل من نهر هدسن من قِبَل نظرائنا من اليهود في الأقسام الإدارية الخمسة . وكانت الكتابة اليهوديّة تُرى على واجهة محل اللحّام وتُرى منحوتة على عتبات نوافذ الكنائس اليهوديّة الصغيرة المُجاورة ، ولكن لم يكن أحد يرى في أي مكان آخر (ولا حتى في المقبرة) أبجديّة كتاب الصلوات ولا الأحرف المألوفة للّغة المحكيّة التي يستخدمها طوال الوقت كل شخص حتماً لكل غرض يمكن تصوّره ، في كل المجالات . وعند كشك بيع الصُحُف الكائن أمام متجر السكاكر عند المنعطف ، كان عدد الذين يشترون صحيفة ” مضمار السباق ” يفوق عشرة أضعاف الذين يشترون الصحيفة اليوميّة المكتوبة باللغة الييديّة ” التقدُّم ” .

   لم تكن دولة إسرائيل قد أُنشِئتْ بعد ، ولم يكن ستة ملايين من اليهود الأوروبيين قد اختفوا عن الوجود ، وكانت الصِلة المحليّة الوثيقة لفلسطين النائية بالأمر (وكانت تخضع للانتداب البريطانيّ منذ أنْ قضى الحلفاء المنتصرون عام 1918 على آخر الولايات النائية للإمبراطوريّة العثمانيّة المندحرة) لغزاً بالنسبة إليّ . فعندما يظهر شخصٌ غريب يُنمّي لحية ولم يُرَ أبداً من دون قُبّعة مرّة كل بضعة أشهر بعد هبوط الظلام ويطلب بلغة إنكليزيّة ركيكة المُساهمة في تأسيس أرض وطن يهودي في فلسطين ، لم أكنْ أفهم تماماً ، أنا الطفل غير الجاهل ، ماذا يفعل على عتبة منزلنا . كان والدي ينفحني أو ينفح ساندي قطعتين نقديَّتين لكي نُسقِطهما في صندوق إعانته ، ولطالما كنتُ أعتقد أنَّ الهِبة الممنوحة بدافع الرأفة تجنّباً لجرح مشاعر الرجل العجوز الفقير الذي بدا ، من عامٍ إلى عام ، أنّه لا يستطيع أنْ يفهم أنَّ لدينا أرض وطن منذ ثلاثة أجيال . في المدرسة كنتُ أٌقدِّمُ واجب الولاء لعلم وطننا الأم في صباح كل يوم . كنتُ أُنشِدُ عن منجزاته الرائعة مع أقراني في غرفة الدرس في برامج التجمُّع . كنتُ أهتم باشتياق بالعُطل الوطنيّة ، ومن دون  أنْ أولي أدنى اهتمام بصِلتي بالألعاب الناريّة بمناسبة الرابع من تموز أو بديك عيد الشُكر أو بمباريات يوم الذكرى . كانت أميركا هي وطننا الأم .

   ثم رشَّحَ الجمهوريون ليندبرغ وتغيَّر كل شيء .

 

   بقيَ ليندبرغ عظيماً بحجم بطل على امتداد ما يُقارب العقد من الزمن في حيّنا كما في كل مكانٍ آخر . كان إكماله طيرانه وحيداً من دون توقّف طوال ثلاثٍ وثلاثين ساعة ونصف الساعة من لونغ أيلند إلى باريس في الطائرة الصغيرة المُخصَّصة لراكبٍ واحد ” روح سينت لويس ” قد تزامن حتى مع يوم في الربيع من عام 1927 عندما اكتشفَتْ أمي أنّها حامل بأخي الأكبر . ونتيجة ذلك ، احتلّ الطيّار الشاب الذي بثّت شجاعته الإثارة في أميركا وفي العالم أجمع والذي تنبّأ إنجازه بمُستقبلٍ من التقدُّم في مجال الطيران لا يمكن تصوّره جاء ليحتل مكانة خاصة بين سلسلة من مآثر العائلة التي أفرزتْ أول قصّة بطوليّة متماسكة أنجزها طفل . لقد اجتمع لغز الحَمْل وبطولة ليندبرغ من أجل إضفاء تميُّز يصل حتى الألوهيّة على أمي أنا ، التي بالنسبة إليها لم يُرافق تجسُّد ابنها الأول أقلّ من بشارة كونيّة . ولاحقاً سوف يُسجل ساندي هذه اللحظة برسمٍ يُمثّلُ تجاوُر هذين الحَدَثَين الرائعَين . وفي الرسم – الذي أكمله في سن التاسعة ويمتُّ بصِلة غير مقصودة لفن المُلصقات السوفييتي – تخيّلها ساندي على مسافة أميال من منزلنا ، وسط حشد مرِح عند منعطف شارعيّ برود وماركت ، على هيئة امرأة شابة في الثالثة والعشرين ذات شعر فاحم وابتسامة مُفعمة بالبهجة ، والمُدهِش أنّها وحدها وتضع مئزر المطبخ المُرصَّع بأشكال الورود عند تقاطُع أشد شارعي المدينة ازدحاماً ، إحدى يديها ممدودة على طولها عبر مُقدّمة مئزرها ، حيث اتساع وركيها ما زال جديرَاً بشكل خادِع بفتاة صغيرة ، بينما بالأخرى كانت وحدها وسط الحشد تُشير إلى السماء نحو طائرة روح سينت لويس ، التي تعبُر كما هو ظاهر فوق قلب مدينة نيوارك بالضبط في اللحظة التي أدركتْ أنّه ، في إنجاز لا يقلّ بطوليّة عن إنجاز إنسان مثل ليندبرغ ، حبلَتْ بسانفورد روث .

   كان ساندي في الرابعة وأنا ، فيليب ، لم أكنْ قد وُلِدتُ بعد عندما اختُطِفَ طفل تشارلز وآن مورو ليندبرغ الأول ، وكان صبيّاً أصبحَ تاريخ مولده قبل ذلك بعشرين شهراً  مناسبة للابتهاج الوطنيّ ، اختُطِفَ من منزل عائلته الجديد المنعزل في منطقة هوبْويل الريفيّة ، في نيو جرزي . وبعد ذلك بعشرة أسابيع عُثِرَ على جثّة الطفل المتحلّلة بالمُصادفة في الغابة على مسافة بضعة أميال . كان الطفل إمّا اغتيل أو قُتِل بالمُصادفة بعد انتزاعه من مهده ونُقِلَ ، تحت جنح الظلام ، ولا يزال بملابس النوم ، من نافذة غرفة الحضانة في الطابق الثاني ونزولاً من سُلَّم مؤقَّتْ إلى الأرض بينما المُربّية والأم منشغلتان بأعمال المساء المعتادة في جزء آخر من المنزل . ومع انتهاء مُحاكمة الاختطاف والاغتيال في فليمنغتن ، نيو جرزي ، في شهر شباط من عام 1935 بإدانة برونو هاوبتمان – السجين الألماني السابق ذو الخمسة وثلاثين عاماً ويُقيم في حي البرونكس مع زوجته الألمانيّة – كانت شجاعة أول طيّار يقطع المحيط الأطلسي وحده قد امتزجت بشفقةٍ حوّلته إلى عملاق شهيد إذا ما قورِنَ بلينكولن .

   بعد انتهاء المُحاكمة ، غادر آل ليندبرغ أميركا ، آملين عبر الاغتراب المؤقّتْ في حماية طفل آل ليندبرغ الجديد من الأذى واستعادة بعضٍ من الخصوصيّة التي اشتاقا إليها . وانتقلتْ العائلة إلى قرية صغيرة في إنكلترا ، ومن هناك ، وبوصفِهِ مواطناً مُستقلاً ماديّاً ، بدأ ليندبرغ يقوم برحلات إلى ألمانيا النازيّة التي سوف تُحوّله إلى نذل بالنسبة إلى مُعظم اليهود الأميركيين . وعلى امتداد خمس زيارات ، استطاع خلالها أنْ يتعرَّف أولاً على ضخامة آلة الحرب الألمانيّة ، كان في استضافة الضابط الطيّار غورينغ ، وكان قد قُلِّدَ أوسمة في احتفال رسميّ باسم الفوهرر ، وقد عبَّر بكل صراحة عن تقديره العالي لهتلر، واصفاً ألمانيا بأنها ” الأمّة الأشدّ إثارة للإعجاب ” في العالم وبأنّ زعيمها ” رجل عظيم ” . وهذا الاهتمام كلّه والإعجاب أبداهما بعد أنْ أنكرتْ قوانين هتلر العنصريّة عام 1935 على اليهود الألمان حقوقهم المدنيّة ، والاجتماعيّة ، وحقوق المُلكيّة ، وألغتْ مواطنيتهم ، وحرّمتْ الزواج المُختَلَط بالآرييّن .

   في الوقت الذي بدأتُ بالالتحاق بالمدرسة في عام 1938 ، كان اسم ليندبرغ يستفزّ السخط نفسه في منزلنا الذي تُثيره برامج يوم الأحد الإذاعيّة التي يبثّها الأب كوفلين ، الكاهن من ديترويت الذي يُحرّر صحيفة أسبوعيّة يمينيّة اسمها ” العدالة الاجتماعيّة ” وأثار خُبثه المُعادي للساميّة حنق جمهور واسع خلال مرور البلد في أوقات صعبة . وفي شهر تشرين من عام 1938 – وهو العام الأشد حُلكة ، وشؤماً بالنسبة إلى يهود أوروبا خلال ثمانية عشر قرناً – حرَّض النازيون في كل أرجاء ألمانيا على ارتكاب أبشع مذبحة جماعيّة في التاريخ الحديث ، الـ Kristallnacht (السماء الصافية) : حين أُحرِقَتْ الكنائس اليهوديّة ، ودُمِّرت منازل اليهود وأعمالهم ، وخلال ليلة أنذرتْ بمستقبلٍ مُريع ، أُجبِرَ آلاف اليهود على مغادرة ديارهم ونُقلوا إلى معسكرات اعتقال . وعندما خطر لليندبرغ أنّه جواباً على هذه العمليّة الوحشيّة غير المسبوقة ، التي ارتكبتها الدولة على أرضها الأم ، قد يُفكِّر في إعادة الصليب الذهبيّ المُزيَّن بأربعة صلبان معقوفة الذي منحه له الضابط الطيّار غورينغ بالنيابة عن الفوهرر ، رفضَ الفكرة لأنّه رأى أنَّ التخلّي علناً عن صليب الخدمة من فئة النسر الألمانيّ سوف يُعتَبَر ” إهانة غير ضروريّة ” للقيادة النازيّة .

   كان ليندبرغ هو أول أميركيّ حيّ ومشهور تعلَّمتُ أنْ أكرهه – تماماً كما أنَّ الرئيس روزفلت كان أول أميركيّ حيّ ومشهور تعلَّمتُ أنْ أحبّه – وهكذا هاجمَ ترشيح الجمهوريين له لخوض معركة الرئاسة أمام روزفلت في عام 1940  ، كما لم يحدث من قبل ، ذلك الكمّ الضخم من الأمن الشخصيّ الذي تقبّلته بداهة بوصفي طفلاً أميركيّاً لأبوين أميركيّين أتلقّى تعليمي في مدرسةٍ أميركيّة في مدينة أميركيّة في أميركا في سلامٍ مع العالم .

——————-

تصدر الرواية العام المقبل عن دار المدى

 

*****

خاص بأوكسجين

 

 


مساهمات أخرى للكاتب/ة: