لا بار في شيكاغو
العدد 285 | 1-4-2024
محمود الرحبي


كان “مال الله” أو “مالان” كما يُختصر اسمه في كلمة، يقف منتظراً أن يقطع الشارع، بعد أن قطع ساعة الغروب مشياً من بيت أخته بفردة عكاز؛ وفي طريقه القاحل صعد وهدة منخفضة تنفرج على سرح صخري، لتنتهي خطواته بمستراح الشارع العام.

إحدى عينيه على السقيفة الظليلة لموقف الحافلات، حيث سيجلس منتظراً الباص الذي يتحرك كل أربعين دقيقة ويعبر المحطات الخارجية لـ “العامرات” و”وادي عدي” والـ “الحمرية”، ليلقي مراسيه في (تيرمينوس) الحي التجاري بـ “روي”. هذه العادة اليومية من الحذر هي ما جعلت رحلته آمنة لا تقربها المخاطر، حيث لا يتذكر أنه قطع الشارع وتسبب في وقوف مفاجئ لسيارة مسرعة؛ فحين يقف، لا يهمه الوقت الذي سينتظره قبل أن يجدف قاطعاً الشارع، وأثناء ذلك الانتظار تتنزه حواسه بالنظر في شكل ومحتوى كل سيارة قادمة، المشاهد تمتعه لأنها جديدة عليه، فكل سيارة لاتعني الأخرى، وما سيراه فيها – من وجوه – لن يتكرر. لا يتقدم إلا إذا تأكد من خلو البساط الأسود بما يتسع لخطواته التي تتناوب على قطعها رجله اليمنى وعكازه الخشبي.

سلوك يومي يعود إلى ثلاث سنوات خلت، حيث يقوده رأسه في النهاية ليستريح في البار الهندي “نيرفانا”.   تبلغ المسافة بالحافلة من حي “شيكاغو” حيث يعيش، إلى “روي التجاري” حيث يوجد البار، أربعين دقيقة؛ وذلك بسبب الزحمة التي لا تنقطع إلا في الليل، حينها فقط (أثناء رجوعه) تختصر المسافة إلى النصف.

بعد أن يهبط من حافلة الوصول، يمشي نصف ساعة وهو يريح جسده في الطريق جالسا فوق ثلاثة أماكن تعود عليها: تحت “غافة” معرشة، وهناك زُرعتْ حصاتان مستويتان صالحتان للجلوس الآدمي، يقدر أحياناً أن يجد أحداً سبقه إلى إحداها، فيتبادل معه الحديث وكأنه يعرفه منذ الطفولة، وبمختلف اللغات واللهجات والإشارات، حيث يمتلك مال الله شيئا يسيراً من كل قاموس من قواميس ألسنة مسقط المتخالطة. المكان الثاني الذي يجلس عليه، عتبة دكان يشتري منه قنينة ماء صغيرة ويظل يشربها ببطء جالساً، مسلياً نفسه بمراقبة الداخلين إلى المحل والخارجين منه. المكان الثالث على مقربة خطوات قليلة من مقصده، وهناك يقف قليلاً ويستغل الفرصة لتثبيت إزاره تحت دشداشته، الذي انزاح ببطء مع مجهود المشي المبذول في نقل ثقل الجسد بمساعدة العكاز خطوة إثر أخرى. يرمق مدخل البناية وهو يستريح واقفاً في هيئة استعداد لتسلق سلالم الطوابق الثلاثة، حيث البار الذي تتسلل منه الموسيقى الهندية الراقصة لتملأ الفضاء بمرح ناعم.

صالة واسعة بمساحة طابق كامل، يدلف إليها مالان فيرى نفسه – في ما يشبه سفرا عبر الزمن- في عالم آخر ليس له علاقة بالعالم الذي كان فيه قبل دخوله. كانت الصعوبة الأكبر في هذا المشوار، تكمن في تسلق السلالم، حيث عليه أن يرفع ثقل جسده قبل كل درجة سلم وبعدها، مستعينا علاوة على عكازه، بالدرابزين الحديدي الذي يطوق حواف السلالم. تكاد عيناه أن تخرجا من وجهه وهو يصعد بكل ما أوتيت هامته من قوة ولهاث. وحين يدلف من باب البار، تعود عيناه إلى سابق حالتهما، ويملأ اطمئنان الوصول صدره. وفي أقرب طاولة فارغة يجلس ويطلب علبة بيرة بااااردة.

***

حادثتان طرأتا على حياة مال الله شكلتا منعطفين يفضي كل منهما إلى طريق جديد، الأولى حين دخل السجن وقضى فيه أربع سنوات بسبب المشاركة في سرقة بيت، حينها طلَّقته زوجته وتزوجت محتفظة بابنته الوحيدة. وفي السجن لم يفكر في الانتقام (على غرار بطل رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ) إنما فكر في تغيير حياته. حين خرج اشتغل في شركة توصيل الكهرباء للبيوت والشوارع؛ وكان من ضمن مهامه الوصول إلى رؤوس الأعمدة الخشبية الطويلة المركوزة في العراء. ولكنه ذات يوم – وهنا تبدأ الحادثة الثانية- سقط نتيجة دُوار طوح به من صدر عمود، فاستقبل الأرض بإحدى رجليه مضحيا بها لصالح بقية الجسد. قدّمت الشركة له راتبا شهريا ضئيلا طالما ظل على قيد الحياة، وأعفي من العمل. انضم مال الله إلى بيت أخته واستأجر منها غرفة خارجية مع الطعام. قرر أن يعطل تفكيره ويملأ ذاكرته بكل ما يرى. وبذلك صار أكثر ما يعمل من حواسه هو عيناه.

حين يصعد الحافلة التي تمتلئ عادة بالعمال الداخلين والخارجين بعد كل محطة وقوف، لا يترك جزءاً يمر أمامه دون تفحص. يشمل التفاصيل بنظرات شاخصة لا ترى سوى شكل الأشياء وسطحها، كأنما هو العابر المتفقد والآخرون هم الواقفون. هكذا أراد أن ينتقم من ماضيه بأن يستمتع بكل ما تلتقطه عيناه منذ استيقاظه صباحاً وتناوله إفطاره الذي ترسله أخته مع ابنتها الوسطى. يستمتع حتى بالنظر إلى جزئيات الطعام قبل مضغها، كمن اكتشف فجأة أن طعاماً أمامه، أو أن لديه عينين عليه أن يشكر الله عليهما بالنظر جهد الإمكان دون تفريط بأدنى شاذة وفاذة. وكان حتى قبل النوم يحث عينيه على أن تتفحصا كل ما هو موجود أمامهما، مركزا على الجزئيات الظاهرة، قامعا أي شرود يعيده القهقرى إلى الردهات المتشظية لحياته.

***

بعد أن يضع عكازه إلى جانبه تنطلق آلة الكلام، وصوته يعلو وينخفض حسب قرب وبعد محدثه منه. يجد مال الله متعة مضاعفه في الحديث ما إن تهبط الجرعة الباردة الأولى من البيرة إلى صدره. وإذا لم يجد متحدثاً بالقرب منه، فإنه يحمل جسده إلى أي طاولة عامرة ويبتكر مع من يجدهم حديثاً ينطلق من فراغ. يتجنب أي انعراج إلى السياسة، سواء الداخلية أو الخارجية منها، أما غير ذلك من حديث فهو مرحب به، وخاصة إذا كان عن النساء، حيث يمكن لمخيلته أن تبتكر حدائقها الخاصة. إلى جانب الحديث، فهذا المكان الوحيد الذي يهدر فيه حلقه بالضحك. حتى حين بدأ نظره يخفت، لم يفكر مالان بتفصيل نظارة، كأن الأشياء يجب أن تتوارى من تلقاء ذاتها.

لا يمكث أكثر من ساعتين ونصف وهو يحتسي مشروبه ببطء، ما يكفي لأن يجلب له النعاس في الليل، والتحليق الخفيف أثناء الرجوع بالحافلة المتأخرة. ومع ما يناسب كذلك ظروف جيبه، ويؤمن له جلسات يومية لا انقطاع فيها. وقبل وقت كاف من رجوع آخر الحافلات إلى “حي شيكاغو” الذي يمكن أن يكون خطيرا إذا تأخر الليل، وبذلك سمي على اسم شيكاغو الأمريكية، نظراً لتعدد ألسنته وألوان بشره، فإنه يعود في زمن تكون الحركة فيه لما تزل قائمة؛ لذلك فإن مال الله لن يأخذ أكثر من ثلاث علب صغيرة يحتسيها على جرعات متقطعة يتخللها فائض من الكلام.  يدخل في حسابه كذلك متطلبات المثانة، حين ينتظر نصف ساعة، بعد آخر جرعة من علبة البيرة الأخيرة. أثناء ذلك يتردد أكثر من مرة على بيت الخلاء.

ولأنه لا بار في شيكاغو، فإن مالان يقطع ذلك الطريق يومياً، مالئاً وحدته بتفاصيل قرر أن يراها جديدة.

*****

خاص بأوكسجين


قاص ورائي من عُمان. صدر له عن محترف أوكسجين للنشر "طبول الوادي" (2023). من إصداراته في القصة: "اللون البني" (1998)، و"لماذا لا تمزح معي" (2008)، و"صرخة مونش" (2019)، و"ثلاث قصص جبلية" (2020). من رواياته: "خريطة الحالم" (2010)، و"أوراق الغريب" (2017).