في الشعر العربي الأميركي
العدد 266 | 01 آب 2021
خالد المطاوع


قبل سنوات مضت، اشتركتُ وزميل لي بجمع أنطولوجيا من الأدب العربي الأميركي. وقد فكرنا في إطلاق عنوان للكتاب “فتح بوابات جديدة” أو “إطلاق العاصفة” أو “كسر جدار الصمت” وسوى ذلك من العناوين الأخرى المشابهة. لكن عنواناً واحداً خطر لنا ولم نتخلَّ عنه: “ما بعد جبران”. وأظن أننا لم نستطع التفكير في المزيد من العناوين المثيرة للاهتمام لأن فكرة الخلاص من حضور جبران خليل جبران الاحتكاري في الكتابة العربية الأميركية قد أسرَتْنا، إذ لم يكن كلا المحرريَن محباً لجبران. وقبل بضعة أشهر من إصدار الأنطولوجيا، قدّمتُ ورقة في مؤتمر عربي أميركي ذكرتُ فيها أن جبران كاتبٌ من الدرجة الثالثة ووجدت أن القليل من الحضور قد عارض رأيي. وبذلك يكون الوقت قد حان لـ قتل الأخ.

وقبل وقت قصير من إصدارنا الأنطولوجيا الخاصة بنا، نُشرتْ أنطولوجيا عربية أميركية هي”ورق عنب: قرن من الشعر العربي الأميركي” التي صدرتْ في سنة 1988، وشكلتْ أحد أهم الأحداث في الآداب العربية الأميركية. كان الكتاب أكثر أهمية للأمريكيين العرب مما هو للأمريكيين الآخرين. ولم يكن هذا مفاجئاً، إذ يجب على أبناء جماعة إثنية أن يكتشفوا أنفسهم قبل أن يكتشفهم باقي أفراد أمتهم. لقد أطلعتْ “ورق عنب” العربَ الأميركيين على شعرائهم. وتعرّف معظم هؤلاء على الشعراء جبران خليل جبران، وأمين الريحاني، وخليل النعيمي، وإيليا أبي ماضي، الذين قدموا إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين وكتبوا بالعربية وأسهموا في تحديث الأدب العربي.

يحتل شعراء المهجر مكانة مرموقة بين أحفادهم اللبنانيين الأميركيين، ولا سيما جبران الذي لا يزال يحظى بالتقدير هنا لدى الأجيال الأكبر سناً وأجيال الحنين. ومع ذلك، كانت “ورق عنب” تهدف بشكل أساسي إلى تعريف العرب الأميركيين بشعرائهم المعاصرين، ومن المثير للاهتمام أن الكثير من الشعراء الأميركيين العرب قد تعرفوا إلى بعضهم البعض منذ ذلك الحين لأن معظمهم لم يلتقوا قبل اجتماعهم معاً في هذه الأنطولوجيا التي جمعها بمحبة غريغوري أورفلي وشريف الموسى اللذان قصدا تشجيع العرب الأميركيين والقراء في العالم العربي على تجاوز جبران وشعراء المهجر.

في هذا الشأن الأخير حققتْ “ورق عنب” نجاحاً جزئياً. لقد كانت الأنطولوجيا عبارة عن كتاب للشعراء، كتاب اقتناه مؤلِّفون أميركيون شباب واطّلعوا على أدب انعكست فيه تجربتهم الكتابية. أسهمت هذه الأنطولوجيا بإدخال الأدب العربي الأميركي في التعليم الجامعي. لكن بالنسبة إلى الجالية العربية الأميركية عموماً، كما بالنسبة إلى العالم العربي، بقي جبران هو الكاتب العربي الأميركي الوحيد المعروف، ومن جهتنا، شريكي في التحرير وأنا، كنا قلقَين من مسألة أن جبران يعرقل العربَ الأميركيين وزملاءَهم العرب ويشكّل حاجزاً أمام العلاقة بين الجالية العربية الأميركية وكتّابها. ومثل أوديبين توأمين، نويتُ ومحرري المشارك وضع حد لجبران. وبالفعل، كان هناك جيل جديد من شعراء “المهجر” الذين يكتبون بالإنكليزية ويكتبون من زمنهم الراهن وبأعلى مستوى من المهارات التقنية والفنية، وأردنا تسليط الضوء عليهم.

شكّل جبران في أمريكا نوعاً من زومبيٍّ أدبي ارتبطت كتبه ارتباطاً وثيقاً بالروحانية السطحية السلسة، لكنها استمرت في الرواج. إنه في عداد الموتى من الناحية الفنية، لكنه مُجدٍ من الناحية المالية. على الرغم من أن الكتّاب العرب الأميركيين لا يقرؤونه ولا يعتبرونه نموذجاً يحتذى به، إلا أنهم تعلموا منه بعض الدروس. ولعلّ نجاح طاغور في عشرينيات القرن الماضي كحكيمٍ مستشرق اعتُبرت كتبه من الأكثر مبيعاً قد شجعه، فقرر سلوك هذا الطريق. وفي ذلك الحين نشأتْ صناعة لبيع البضاعة الاستشراقية كان من شأنها أن تجعل من أي مؤلِّف شرق أوسطي حكيماً عريقاً بصرف النظر عن ذيوع صيته كمجدِّدٍ في موطنه الأصليّ، الأمر الذي انطبق على كل من طاغور وجبران، رغم أن كلاً منهما كان مُحدِّثاً لآداب أمته، لكنهما في الغرب كانا ببساطة يمثلان قوالب وطنيهما النمطية السكونية.

لا تزال هذه الصناعة ترافقنا، والكتاب العرب الأميركيون متحفظون للغاية إزاءها. وبالإضافة إلى أن وثوقَ القراء الغربيين في الوقت الحاضر بالحكماء العرب أمرٌ مستبعَد، فإنهم ليسوا مستعدّين لدفع أموالهم التي حصلوا عليها بشق الأنفس من أجل قصص مستهلَكة حول النساء العربيات اللواتي تعرضن للاعتداء؛ وأما فيما يتعلق بتحدي الدين، والأنظمة التي توشك حكومة الولايات المتحدة على النَّيْل منها، وتابو الجنس، فيفضَّل أن يكون ذلك من قبَل كافة النساء العربيات المعتدى عليهن كما التعرّض المحرَّم للدين في البلدان التي توشك الولايات المتحدة على مهاجمتها. وفي هذا الإطار، ثمة فرصة لنا نحن المؤلفين العرب الأميركيين لمحاورة زملائنا الأميركيين، ولكن ضمن معايير محدودة للغاية. والأدب العربي الأميركي يحاول توسيع ذلك الحوار وتوسيع نطاق الجمهور وتنويع الطرق التي يتم بها تصوير حياة العرب، والعرب الأميركيين، على حدّ سواء.

كان أحد الخيارات التي التجأ إليها جبران هو اختياره الكتابةَ باللغة الإنكليزية. أدى قراره بالتوقف عن الكتابة بالعربية إلى نهاية الحركة المهجرية. كان الأدب العربي الأميركي أدباً ’أنغلوفيلياً‘ منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ولم يظهر في أميركا مؤلف بارز واحد يكتب بالعربية منذ ذلك الحين. لقد كان توقيت جبران مثالياً. لم يتعلم أطفال العربِ الأميركيين في عام 1920 القراءة أو الكتابة باللغة العربية ولذلك لم ينشأ لديهم تواصل نصّي جادّ مع أوطان أجدادهم. أضف إلى أن العرب الأميركيين، بحلول العقد الثاني من القرن العشرين، كانوا مهتمين بمعيشتهم في أميركا أكثر من اهتمامهم بالتحديث أو المساهمة في ثقافة أوطان أسلافهم.

وفي حين حاول جبران تقديم السلوى الروحية لربات البيوت في ميشيغان، كما يقول في رسالة إلى صديق، كان للكتاب العرب الأميركيين الآخرين في العقود الأولى من القرن العشرين مرامٍ أكثر إلحاحاً. وكان أبرزها السير الذاتية التي كتبها أميركيون على سبيل التزلّف إلى مواطنيهم الأميركيين. ففي السنوات الأولى من القرن العشرين، كان الأميركيون البيض يعيدون النظر في سياسة الهجرة وبدا أن في نيّتهم ترحيل عدة آلاف من الأشخاص غير البيض أو على الأقل حرمانهم من الجنسية. وفي ذلك الوقت اشتغل كتّاب السيرة العرب الأميركيون على إثبات أحقيتهم في المواطنة الأميركية، وبما أن معظمهم كانوا مسيحيين، فقد رأوا أنه من المجدي تأكيد هذا الجانب من هويتهم.

وفي السير الذاتية لإبراهيم الريحاني وجورج حداد، قلّما تظهر كلمة “عربي” لصالح التركيز على هويتهما المسيحية السورية. وفي الثناء على ثروتهما كي يصبحا أمريكيَين، نأيا بنفسيهما عن ثقافتهما الأصلية. يفصح الريحاني عن تطبّعه بالعصبية العرقية الأميركية عندما كتب، “لقد ولدت في سوريا كطفل، لكنني ولدت في أمريكا كرجل”، في إشارة منه إلى أنه كان سيبقى طفلاً لو لم يصبح أميركياً. كانت الرغبة جامحة للغاية في أن يُنظر إلى العرب الأميركيين على أنهم “أمريكيون” وأن يصبحوا “أمريكيين” لدرجة أن الطمس قد لحق بهم كما أشارت عالمة الاجتماع والمؤرخة أليكسا ناف. وبحلول منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، توقفت الصحف والمجلات العربية الصادرة في الولايات المتحدة والتي ازدهرت في العقود السابقة عن الصدور.

يرتدي النأي عن الإرثِ والانتماءِ الاثني العربيين لبوساً ضارياً ومشبوهاً في كتابين نُشرا خلال أربعينيات وخمسينيات (القرن العشرين). وقد نُشرا خلال الحرب العالمية الثانية لتدعيم اللُحْمة الوطنية بين المهاجرين الجدد والمجتمعات الإثنية، لكن كتاب سلوم رزق “اليانكي السوري” هو سيرة ذاتية آسرة بكل معنى الكلمة. ومع ذلك، فإن مؤلفها مصمم على أن يكون مقبولاً كأميركي، فهو يستخفّ بموروثه الثقافي، إنه ذلك النوع من الإنكار الذي سيكسب من ورائه أمريكيتَه في الواقع. لن يصبح المرء أميركياً من خلال محبته للأمريكيين فحسب بل أيضاً من خلال التقليل من قيمة إرثه والتعبير عن الشعور بالامتنان لكونه أصبح أمريكياً. ثم كان كتاب وليام بلاطي “أي الطرق تؤدي إلى مكة يا جاك؟”، وهو سيرة ذاتية أخرى مكتوبة بشكل صريح وغالباً ما يسودها المرح، ولكن روحها التوجيهية ليست إلا ضرباً من ازدراء الذات. كان كلٌّ من الكتابين فعْلَ تنصُّلٍ عدائيّ. وبالرغم من الاشمئزاز الذي أبداه رزق وبلاطي من عروبتهما، إلا أنهما أُجبرا أيضاً على الاعتراف بالعنصرية المعادية للأجانب أو للعرب بالإضافة إلى عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة.

في الستينيات، أخذ الابتعاد والإقصاء بالانجلاء. وبدأ شعراء مثل صموئيل حزو ود. هـ. ملحم وجوزيف عوض وسام حمود بنشر قصائد تحتفي بكفاح الناس العاديين. وأما الهجاء الساخط الذي ورَدَ في أعمال بلاطي فقد استُبدل بالاحتفاء بالأقارب المحبوبين الذين اعتُبِرَ ميراثهم جزءاً من إنسانيتهم ​​المعطاءة. كما بدأنا نشهد جرأة جديدة في الكتابة العربية الأميركية حيث يغامر الشعراء بالتعبير عن وجهات نظر انتقادية لبلدهم بكل طلاقة. تبنت ملحم، متأثرة بالشعر الأفريقي الأميركي الذي أصبحت باحثة بارزة فيه، قضية العدالة الاجتماعية والتكامل بين الإثنيات. وخاض حزو على نطاق أوسع في التاريخ والثقافة الأميركية، وهو من أشد منتقدي النزعة العسكرية الأميركية وتدمير الطبيعة وتلويث البيئة بسبب الجشع. لم يخامر كلا الشاعرين أدنى شعور بأنهما خارج الثقافة الأميركية، وعلى الرغم من وعيهما “إثنيَّتَهما” إلا أنهما لم يشعرا بالحاجة إلى اعتبارها عائقاً أمام انتمائهما إلى مركز ثقافتهما. ووجدت إيتيل عدنان، وهي مهاجرة لبنانية ناطقة بالإنكليزية تلقت تعليمها بالفرنسية، مكاناً ضمن الحلقات الأدبية في الساحل الغربي من خلال الكتابة التجريبية في النثر والشعر حول تجربتها العابرة للثقافات. ويمكن النظر إلى أن هؤلاء الشعراء ينتمون إلى فترة انتقالية سبقتْ بداياتُها حرب 1967 وأثرت على الأدب العربي، والعربي- الأميركي. ومنذ البداية، تميز حزو وملحم وعوض وحمود وعدنان بأنهم كتّاب مستقلون عن التصنيف الإثني وارتدوا فيما بعد عباءة الهوية العربية الأميركية. ولم يعودوا معروفين كأميركيين سوريين أو لبنانيين، بل اتخذوا لقب “العرب الأميركيين” كمرجع لتراثهم القومي والثقافي.

مهّد هذا الجيل من الكتّاب العرب الأميركيين المولودين في عشرينيات القرن الماضي والذين بدأوا النشر في الخمسينيات الطريقَ أمام أبناء الجيل الحالي من الكتاب العرب الأميركيين. وفي الولايات المتحدة، لم يكن تحديد هوية المرء وفقاً لتراثه الثقافي أمراً شائعاً قبل سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، لكن المناخ السياسي والاتجاهات الأدبية بدأت تلحّ على ذلك مع بروز الصوت الأميركي الأسود في أواخر الستينيات، وبدأت جماعات أخرى متعددة الثقافات بالمطالبة بمكان لها في تاريخ الولايات المتحدة وآدابها.

كان الصوتان الرئيسيان اللذان برزا في أواخر السبعينيات هما لورانس جوزيف ونعومي شهاب ناي. وعلى الرغم من أن كلا الشاعرين نشر في المجلات الأدبية الرائجة وطُبعتْ كتبه في دور النشر التي تمثّل الاتجاه السائد، إلا أن لأعمالهما فرادةً ميّزتْ كلاً عن الآخر. فنعومي ناي قدمت بصراحة هويتها الفلسطينية- ولدتْ لأب فلسطيني وأم أمريكية، وكتبت قصائد مفعمة بالتعاطف مع محنة أبناء شعبها الفلسطيني. كما ركّزَ كتابها Yellow Juke Box ​​الذي نال إحدى الجوائز على العنف في أمريكا الوسطى في السبعينيات والثمانينيات. وقد تمّ الاعتراف بـ نعومي ناي مراراً وتكراراً كشاعرة وكاتبة نثر ومعدّة بارزة للمختارات. وفي حين رسختْ معنى الثقافة في قصائدها، إلا أنها قد تُلْمِح في كثير من الأحيان إلى ثقافة أو مجتمع تنتمي إليه أو من بنات أفكارها. ألّفتْ ناي كتباً للأطفال وجمعتْ قصائد ولوحات من كتّاب وفنانين عرب من جميع أنحاء العالم ضمن أنطولوجيات عديدة.

وبسبب الخبرة التي اكتسبها جوزيف من نشأته في ديترويت، فإن أعماله تتحرى بحماسة وإحكام المساراتِ الآيلةَ للانفجار للعنصرية وعدم المساواة الاجتماعية في الحياة الأميركية. كما تبحث في الالتباس العرقي بين العرب الأميركيين- ’اللا بيض‘ و’اللا سود‘- كمصدر للقلق والتوتر. تعتمد أواخر أعمال جوزيف على مهنته كمحامٍ ومثقف له شعبيته؛ لذلك يصبّ اهتمامه على فساد الشركات التجارية، وتجريد البشر العاديين من إنسانيتهم، وأيديولوجية الحرب والغزو التي تبناها المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة. كما يُعتبر جوزيف من أفضل الشعراء السياسيين في أمريكا. ويصنَّف كتابه الذي لقيَ استحساناً كبيراً من الناحية النقدية كأفضل كتاب شعر حول أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 التي عاشها الشاعر شخصياً. وبقدر ما كان جوزيف شاعرَ شعراء، أو شاعراً مثقفاً، فإن وجدان نعومي ناي الشمولي وخطابها المباشر إلى القارئ جعلَ المتلقّين يُقبلون على قراءتها لتصبح واحدة من أكثر الشعراء شهرة في الولايات المتحدة.

في أواخر تسعينيات القرن الماضي وأوائل القرن الحادي والعشرين ظهر جيل جديد من الكتاب العرب الأميركيين الذين احتلوا الصدارة. حظيتْ الروائيتان ديانا أبو جابر وليلى العلَمي وآخرون، باهتمام نقدي يستحقونه بسبب رواياتهم الأخاذة. وحظيَ الشعراء حيان شرارة، وفادي جودة الحائز على جائزة يال المرموقة للشعراء الشباب لعام 2008، وماثيو شنودة وسهير حماد بقدر كبير من الاهتمام كأصوات إبداعية جديدة. وأدخل شعر مهجة قحف، الحسي والطريف، الجريء والحنون، صوتاً فريداً في تجربة المرأة العربية والمسلمة الأميركية. كما كتبت ليزا سهير مجج وابتسام بركات وناتالي حنظل بشكل لافت عن الشتات الفلسطيني في جميع أنحاء العالم. وبشكل متزايد، عُرفَ الأدب العربي الأميركي بأصالته وبأنه كيان متنامٍ وبدأت دور النشر المختلفة البحث عن المؤلفين ذوي الأصول العربية، مثل جامعة سيراكيوز التي نشرت في سلاسلها حتى الآن عشرات الأعمال الروائية أو المذكرات لمؤلفين عرب أمريكيين. وتشمل القائمة “رسائل من القاهرة” بقلم بولين قلدس. “قصص الراقصة الشرقية الجديدة للمجرة و Sittue” لـ فرانسيس خيرالله نوبل؛ و”تذكروني في لبنان: قصص نساء لبنانيات في أميركا”، بقلم إيفلين شاكر. وعلى الرغم من أن الكثير من الأدب العربي الأميركي مكتوب باللغة الإنكليزية، إلا أن الشاعرة العراقية دنيا ميخائيل لاقت اهتماماً نقدياً يليق بها للكتب التي كتبتها باللغة العربية والتي نُشرت بلغتين من قبل دار النشر المرموقة نيو دايركشنز.

ومن جهة أخرى، بدأ الكتاب العرب الأميركيون في مأسسة أنفسهم، فارتفع عدد أعضاء RAWI، اتحاد الكتاب العرب الأميركيين، واتسع نطاق أنشطته، والتي تشمل الآن المؤتمر الوطني، وورش العمل التدريبية للكتّاب الشباب، وشبكة الدعم والتأييد المعترف بها من قبل مؤسسات أدبية وطنية أخرى. واحتفلت مجلة مزنة Mizna، المجلة الأدبية العربية التي تصدر في مينيسوتا، بعيدها العشرين هذا العام. كما يُجري المتحف الوطني العربي الأميركي مسابقة سنوية لجائزة الكتاب الوطني التي تستقطب عشرات الكتب وتعتبر من الجوائز الأدبية المهمة على الصعيد الوطني. وقبل خمس سنوات أطلقت دار النشر في جامعة أركنساس جائزة إيتيل عدنان الشعرية المكرسة كجائزة عربية أمريكية، وهي الأولى من نوعها. يشارك المؤلفون العرب الأميركيون أيضاً في الترويج لأدب المؤلفين من العالم العربي. وقد حظيت الشاعرة ناتالي حنظل بالتكريم والأوسمة لكتابها “شعر المرأة العربية”، وهي أنطولوجيا رائدة تغطي قرناً من شعر النساء العربيات. وترجم فادي جودة جزأين يضمان أحدث مجموعات محمود درويش الشعرية، وكتابين للشاعر الفلسطيني غسان زقطان، وكلّها نُشرت في Copper Canyon  و  FSG وهما من أهم دور نشر الشعر في الولايات المتحدة.

وللشكل الجديد للأدب الأميركي ثلاث سمات مميزة، كما تلاحظ الشاعرة وكاتبة المقالات إلماز أبي نادر:

 

“أولاً، ينشأ الأدب العربي الأميركي في هذه الآونة على أيدي الكتاب الذين تشمل خلفياتهم جميع البلدان العربية، بما في ذلك شمال إفريقيا والخليج، وليس فقط عن ممثليه القادمين من بلاد الشام. ثانياً، لا تقتصر موضوعات الكتابة العربية الأميركية على قضايا الثقافة والهوية، بل تحتوي موضوعات واسعة وبعيدة المدى. فالكتاب العرب الأميركيون يتجاوزون اليوم القصص والقصائد التي ترتبط بالوطن والتراث. كما تستكشف تعبيراتهم آفاقاً جديدة، مرتبطة بالسنوات التي أمضوها في الولايات المتحدة، والقضايا السياسية والاجتماعية المحلية التي تؤثر على حياتهم اليومية. ثالثاً، كانت شهدتْ أصوات النساء زيادة ملحوظة في الأدب العربي الأميركي منذ السبعينيات وبروز ملحم وعدنان. وبشكل عام، كان هذا جزءاً من الاتجاه القومي في الولايات المتحدة، منذ ظهور الحركة النسوية في أواخر الستينيات. وفي أعقاب ملحم وعدنان جاء كثيرون غيرهم “.

 

ومسلَّحين بالنقد النسوي، ونقد ما بعد الكولونيالية، ونظرية العرق النقدي، وخبراتهم الآتية من بنية اجتماعية واقتصادية عالمية معقدة، بالإضافة إلى ارتباطاتهم بأبناء الأوطان الأصلية- أصبح الشعراء العرب الأميركيون من أكثر مؤرخي الأحداث طلاقةً في رصد مفاسد الإمبريالية الأميركية والعنصرية المحلية. وفي ذلك كتب شعراء مثل سهير حماد ولورانس جوزيف وفيليب ميتريز بطرق موحية ومبتكرة من حيث الشكل حول كوارث العقود الأخيرة.

في مجال النقد، حظي الأدب العربي الأميركي باهتمام أكبر في الحياة الأكاديمية من خلال دمجه في مناهج الأدب الإثني، وتأسيس برامج الدراسات العربية الأميركية والمسلمة الأميركية. وقد ساعد في هذه التطورات مؤلفات باحثيّ الأدب الذين عبّروا بوضوح في أبحاثهم على مرّ السنين عن أهمية الأدب العربي الأميركي. وفتحت إيفلين شاكر، الباحثة التي تحولت إلى روائية، من خلال مقالات بحثية مبتكرة ممراتٍ نقديةً لتقييم الكتابات العربية الأميركية. وطورت الشاعرة والباحثة ليزا سهير مجج دراسات نقدية للارتقاء بالكتابة العربية الأميركية التي تدمج النظرية النسوية وما بعد الكولونيالية المعاصرة. وأسهمت المجلات الأدبية المعترَف بها في تكريس هذا التوجّه، وعززته في الآونة الأخيرة مجلات مثل MELUS المتخصصة في آداب الإثنيات الأميركية، و Flyway، وهي المجلة الأدبية التي تصدر عن جامعة ولاية أيوا، والتي خصّصت عددين للأدب العربي الأميركي.

وقد تحرّى الكتّاب العرب الأميركيون المعاصرون بكلّ المسؤولية والعاطفة والشفافية قضايا الهوية والحياة الأسرية والثقافة والسياسة. فهم يمثلون العديد من الأساليب والأصوات، لكنهم حذرون من الثبات داخلَ الأدب المتقوقع ضمن الغيتو. وفي قصيدة نشرناها في كتاب “ما بعد جبران”، ينادي الشاعر شريف الموسى زملاءه العرب الأميركيين:

“أيها الشعراء والنقاد

من أعضاء القبائل الأخرى،

من فضلكم دعونا لا نقزّم شِعرَ

القبيلة

إلى رقوقٍ لقصائدَ

تقولُ أحوالَ القبيلة”.

كان الدفاع عن القبيلة المظلومة بوابةَ الكتابة لمعظم الكتاب العرب الأميركيين الشباب، وهو اتجاه رسختْه العنصرية والسياسة الأميركية الخاطئة في الشرق الأوسط، والمجتمع الخارجي المعنيّ بإثنياته والذي يميل إلى تعزيز احتجابها ضمن تصنيفات ثقافية ضيقة. ومع ذلك، استجاب لطلب الموسى العديدُ من الكتاب العرب الأميركيين ممن عقدوا النيّة على تجاوز التوقعات الموضوعية والشكلية والتقنية.

وعبر الانخراط في حياة العالم العربي ووقائع الحياة الأميركية، لم يعد الكتّاب العرب الأميركيون عالقين في تقاليد الولاء والحنين فحسب، أو بكل بساطة ملتزمين بصيَغ وأساليب حذرة تتيح استسهال تصنيفهم. بل يستمر أدب العرب الأميركيين في التطور كبيان ثقافي ومنجَز أدبي. كما يعنى جيل الكتّاب الجديد بشؤون عصرهم بالإضافة إلى مسائل التاريخ. ومن خلال وعيهم التامّ تفاصيلَ الحياة اليومية واعتمادهم على الواقعية الأميركية، تخلّص الكتّاب العرب الأميركيون من العبارات الكونية المبتذلة التي رددها أسلافهم شعراء المهجر.

في عام 1999، عندما أنهيتُ مع المحرر المشارك تجميع كتاب “ما بعد جبران”، كان الأمل يحدونا في إطلاق اتجاه جديد في الكتابة العربية الأميركية من خلال تشجيع النزعة الإنسانية غير المشوبة بالسياسة الراهنة، وبالكتابة السياسية التي لا تفسدها الخطابة، وبالفردية والأصالة دون اختلاق (الأنا) الضحية؛ والأهمّ، أننا سعينا إلى التجريب والاهتمام بالحِرَفية. وسرعان ما أدركنا أن الأدب العربي الأميركي كان متّقداً بالفعل بكل هذه الطاقات، ومستعدّاً لتقديم ضوء جديد وعميق. وها عشرون سنة قد انقضتْ منذ ذلك الحين، وخلالها ازدهر أدب الجالية، ويحتل الآن مكانة مشرقة ومتميزة في فسيفساء الأدب الأميركي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقدمة كتاب “المحيط تحت المخدة – قصائد لـ 15 شاعراً أميركياً من أصل عربي” الصادر أخيراً عن دار “ظلال وألوان” في عمّان.

 

*****

خاص بأوكسجين

 

 

 


شاعر من ليبيا، هاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1979. استاذ اللغة الإنكليزية والكتابة الإبداعية في جامعة ولاية كاليفورنيا. وحاصل على الدكتوراه من جامعة دْيوك، كارولاينا الشمالية. ويعمل حالياً أستاذاً مساعداً في جامعة ميشيغان، آن آربر. من مجموعاته الشعرية: "خسوف الإسماعيلية""، و""فلك الأصداء""، و""أموريسكو""، و""توكفيل""، و""أطلس الهارب"". له العديد من المختارات منها: ""ما بعد جبران: مختارات من الكتابة العربية الأمريكية الجديدة"" (1999)، و""أطفال دينارزاد: مختارات من الروايات العربية الأمريكية"" (2004)، و""محمود درويش: فن الشاعر وأمته"" (2014). وقدّم ترجمات شعرية إلى الإنجليزية لشعراء مثل سعدي يوسف وأدونيس وفاضل العزاوي وأمجد ناصر وآخرين."