فنّ الحياة
العدد 227 | 19 شباط 2018
صبا حبوش


كان ممدداً على السرير كلوح خشبي رمته الأمواج قرب شاطئٍ عكر، رمقته بنظرة سريعة ثم تنهّدت، رائحته لم تخن ذاكرتها يوماً، ربما يُخيّل إلى البعض أنّ الروائح لا تُرى بالعين، لكنها كانت قادرة على تخيل شكل رائحته عندما تنظر إلى قمصانه المموّهة بأحمر الشفاه.

منذ سنوات امتهنت لعبة التجاهل معه، لا تعاتبه أو تقرّعه، تكتفي بوضع ثيابه في الغسّالة، تحضّر له الطعام نهاراً، تنظّف المنزل، ترعى أطفالها حتى يخلدوا للنوم، ثم تعاود مكانها فوق الأريكة المقابلة للتلفاز، محاولاتها بالإنصات لما يقوله المذيع تفشل فشلاً ذريعاً؛ فهي لا تصغي إلى كلّ ما حولها، أفكارها المكرورة تزيد من سجنها الداخلي، فتضيق القضبان حول قلبها، وينعصر دمعها عندما تتذكر أنّ الحياة تُعاش مرّة على هذه الأرض، في حين أنها تحيا وكأنّها ميتة.

في اليوم التالي وبعد تسع ساعات من النوم المتواصل، تقلبّت يميناً فوجدته قربها غارقاً في النوم، راحت تتأمله كأنّه كتاب لم تستطع يوماً قراءته، ولم يستطع يوماً أن يجذبها لتقرأه.

لم تحبّه منذ الليلة الأولى لزواجهما، بدا لها كابوساً يثقل أحلامها الغضّة، لم يسألوها إن كانت ترغب في إكمال حياتها برفقته ولم يسمعوها؛ فهي لم تكن أكملت الخامسة عشرة بعد.

تأملته مجددا،ً اكتشفت أنه يملك شامة فوق خده الأيسر، لم تنتبه إليها يوماً، ضحكت في داخلها حين تذكّرت السنوات العشرة التي مضت دون أن تحفظ تفاصيل من يشاركها حياتها.

اقتربت منه قليلاً، لمست خده، ثم ربتت على كتفه بخفة، تعلم أنه لن يشعر بشيء؛ فالكؤوس التي شربها في الليلة الماضية كفيلة لمدّه بطاقة نوم لليوم التالي، لكنها شعرت بحاجة إلى لمسه، “كم داخلي مشوش” اعترفت لنفسها، هي لا تحبه ولا تكرهه، شيء ما يجعلها لا تكرهه، “ربما الأولاد، ربما “

حضّرت قهوتها بالكوب ذاته منذ سنوات، لم تتغير نكهتها، أصغت للمذياع خلفها، سمعت كلمة “فن الحياة”، أصغت باهتمام أكثر، بدا الموضوع محبباُ لأذنها.

“أن تحبي نفسك هو أجمل وجه لإتقان فن الحياة”، رددت هذه العبارة خلف المحاورة. البيت مملكة.. نعم، لكنك بمرور الوقت تتحولين إلى صنم خالٍ من الأحاسيس، يحتاج منك البحث بين النوافذ أو ربما خلف الأبواب، لتجدي سعادة لم تتوقعيها يوماً”.

نظرت إلى نافذتها، لم تشاهد شيئاً غريباً فيها، تبسّمت ثم عادت للتركيز مجدداً.

“جسدك يحتاج إلى أن يولد مرة أخرى، لكن بلا ألم هذه المرة، ابحثي بين المقطوعات عن موسيقا محببة، ارقصي من جديد، أجمل الرياضات حين ترقص روحك بحثاً عن الأنا”.

” رقص”! تعجبت من بعد هذه الكلمة عنها، منذ فترة طويلة لم ترقص، راقت لها الفكرة، تمايلت يميناً وشمالاً، شعرت أنها تدور حول مكتبة الكتب الصغيرة، خُيّل إليها تلك الطفلة الصغيرة البريئة التي تعيش داخلها، لا تعلم لمَ علت ضحكتها فجأة، ركضت مبتهجةً نحو النافذة أزالت الستائر وتركت مسافة كبيرة لولوج الضوء إلى عتمة الغرفة.

ارتدت معطفها سريعاً، وغطت رأسها بشال من الصوف الأبيض، إنه اليوم الأول من كانون، لم تكن تحبّه لأنه يد الشتاء، لكن من يدري ربما وجدت ما تبحث عنه في الأشياء التي لم تحبّها يوماً.

كانت الحقول مصابة بالصقيع، والأرض متجلدة تحت قدميها، ورغم الضباب كانت تبتسم، تتفحّص وجوه المارّة ببهجة، بين يديها حنان كبير، تتمنى لو تعانق كل من يمرّ أمامها، تساؤلاتها عن تلك الشحنة المفاجئة من الحب والسعادة لم تقوّض بسماتها، قادتها قدماها إلى طريق جانبي واسع، تحيطه أغصان عارية فوق شجيرات هرمة، جدرانه بدت غريبة بعض الشيء، بعضها مطلي بطلاء وردي، وبعضها الآخر تموّج بأقواس برتقالية على هيئة قوس قزح.

في زاوية نهاية الطريق لاحظت شجرة ضخمة جداً، لم تكن عارية كبقية الأشجار، بل خضراء بلون عينيها، فاجأها باب صغير في جذعها، ظنّت للوهلة الأولى أنّها تتخيّل وجوده، لكنّ أصابع يديها المنكمشة، أكّدت لها أن هناك باب حقيقي  أسفل الشجرة.

اقتربت بيد مرتجفة، وأدارت مقبض الباب، وخطت بقلب وجل، وتوغلت في ذلك المكان الغريب: كتبٌ منسقة، وصور نساء مؤطرة، ونوافذ بلا حواجز تطلّ على عشب أخضر. وتوغلت أكثر، وشاهدت كوّة سماوية من الأعلى تعكس سطوعاً قوياً فوق بركة ماء صغيرة، تطفو على سطحها قوارب بيضاء.

انقبض قلبها قليلاً، تراتبت ظنونها حول هذا المكان، أهو سحر أم أمنية أخطأت طريقها لامرأة باحثة عن ذاتها!

خرجت مسرعة، ولم تصدق أنّها وصلت المنزل أخيراً.

 كان زوجها يدخن سيجارته وعيونه الحمراء تراقب حركاتها:

-أين كنتِ؟ سألها وهو يتجشأ.

– خرجت للتنزه قليلاً.

– حضري لي الفطور؟

وبينما تصنع له الشاي الثقيل التي يفضّل، قاست بعد المسافة بينها وبينه، وتبدّت لها حفر كثيرة بينهما، وكل محاولة منها لتجسير المسافات كانت تنتهي بالسقوط في إحداها.

أيقظت أطفالها، وهيّأت لهم الفطور. رتبت الأسرّة، ووضعت الثياب المتسخة في مكانها، وغسلت الأطباق، فعلت كل ذلك بشرود، وأفكارها معلقة بذلك المكان، يمرّ وكأنه منام، لكنّ شالها يؤكد أنها كانت هناك بحق.

حين غابت الشمس خرج مع أصدقائه ككل يوم، يقضي وقته خارج حياتها. وقفت أمام المرآة، تمعنت في وجهها، تعلم أنها جميلة ولم يمر الزمن بثقله عليها بعد، تلمّست خصلات شعرها الأسود الباهتة، تملكتها رغبة في تغيير لونه، لم تنتظر الوقت المناسب كما اعتادت منذ عشر سنوات، ارتدت معطفها باتجاه مركز التجميل المجاور لمنزلها.

في صباح اليوم التالي، استيقظت فأحسّت بالحيوية تعانق مساماتها، لم تصنع القهوة هذه المرّة، وضعت كوبها القديم في أوراق جرائد قديمة ورمته بين النفايات، ورمت معه شالها الصوفي فوق شعرها الأحمر، وانطلقت نحو شجرة الحياة الغريبة، غير مبالية بشخيره المنبعث من غرفة النوم.

كانت أقوى من المرّة السابقة، فتحت الباب بثقة بلا وجل، فاجأها الضوء المنبعث من الداخل، لم تتوقع أن ترى هذا العدد الكبير من النساء هناك، والهدوء يلفّ المكان رغم الزحام. رحبنَ بها ودعونَها للانضمام إليهنّ بكلّ سرور.

بعضهنّ يفترشن الأرض العشبية ببعض الكتب والأوراق، وأخريات يُخطن أثواباً حريرية ملونة، وأخريات يعقدن زهوراً برية على شكل تيجان دائرية، في الداخل عند الكوّة السماوية، شاهدت القوارب الهادئة تحتضن نساءً نائمات تغطيهن أشعة الشمس الدافئة، وما كان نومهن إلا لتقوم الشمس بامتصاص طاقاتهن السلبية وكل الشحنات المؤلمة من أرواحهن، وإمدادهن بذراتٍ تتحد بنهاياتهن العصبية، مكونة عنصر الرضا وحبّ الحياة.

حررت شعرها الأحمر واستلقت في قارب قريب منها، لم تعلم سبب انهمار دموعها، لكنها كانت سعيدة، قلبها يأخذ هواء نقياً يجعل الهموم المتثاقلة حوله مجرد غيوم متفرقة.

حين أنهت عناق الحياة، خرجت من تلك الفسحة، فوجدت جدار الصور المؤطرة، قرأت تحت كل صورة تعريفاً بها، نساء مثلها صنعن قوساً لحياتهن، كاتبات، قارئات، مدربات ، أمهات مؤثرات، لم تتوقع أن ترى صورة جدتها بين تلك الصور، قرأت بلهفة ما دوّن تحت الإطار:

“امرأة لم تستسلم لمطبات الحياة، تعافت من جراح كثيرة، لم يكسرها هجر زوجها لها واقترانه بأخرى، وضعت حبها في منزل بسيط لكنه دافئ، أوصلت أبناءها لما أحبّت، لم تمسح يوماً أحمر الشفاه عن شفتيها، ابتسمت للصباح مراراً وتجاهلت التربة العطشى فوق رئتيها، أتقنت فن التربية وفن الحياكة، حتى غدت صاحبة أكبر مشغل شالات صوفية في منطقتها، صادقت الكتب، عشقت كتاباً وتخلّصت من آخر، حين فتحت الباب ذات يوم ووجدت زوجها عائداً مع خيبة كبيرة لم توصد الباب في وجهه، منحته فرصة لملء فراغ لم تستطع أن تردمه في نفوس أطفالها، لملمت انكسارها الداخلي ولم تستسلم للوجع، أحبّت نفسها فأحبتها الحياة”.

غمرت صورة جدتها وبكت بمشاعر متناقضة، بين حزن وسعادة، هي تشبهها في مكان ما، لكنّ جدتها أقوى منها.

-أنت أيضاً قوية بما يكفي لتصنعي درباً يليق بك، وصولك إلى هذا المكان بداية القوة وبداية الطريق.

فاجأها الصوت خلفها، كيف استطاعت هذه المرأة أن تقرأ أفكارها!

-كيف علمتِ بما يدور في داخلي؟

-جميعنا سأل هذا السؤال من قبل، لم نكن نثق بقدراتنا، وصولنا إلى هذا العالم الصغير ليس مصادفةً، لولا رغبتنا بإيجاد أنفسنا لما خرجنا من خلف الأبواب، وقادنا التصميم الحقيقي لتغيير ذلك الواقع المقيت الذي يدعونه “الروتين”.

-لا أشك في ذلك أبداً.

رغبات عديدة تدفّقت إلى محيطها، استبدلت أريكتها القديمة بمكتبة خشبية كبيرة، أصبحت ترتّب فيها كل كتاب تنتهي منه، أحاطت الغرف بأقاصيص نباتية خضراء، وأسدلت ستائر وردية شفافة فوق نافذتها.

لم تعد تسمع صوت شخير زوجها، ولم تعد يهمّها تجسير المسافات، لاحظت حين عودتها من شجرة الحياة كل صباح، أن رائحته تتغير، وهو بانتظارها أمام السور الخارجي للبيت. لم تعد قلقة، أخبرتها جدّتها في أحد المنامات بأنه سيعود خائباً، وستجده خلف الباب باكياً، وتعلم أنها تربّت على يديها، ولن توصد الباب في وجهه يوماً.

*****

خاص بأوكسجين


كاتبة من سورية.